18 November,2018

الزيارة الثانية للراعي الى سوريا... ظلت ”رعوية“ وكرست وحدة الطوائف المسيحية وعززت صمودها!

البطريرك-الراعي    الزيارة التي شاءها البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي الى دمشق <رعوية وروحية>… كانت كذلك فعلاً وليس قولاً فقط، والذين كانوا يتخوفون من انحراف مسارها الى السياسة تنفسوا الصعداء مع عودة البطريرك الى بكركي من دون حصول ما يعكر هذه الزيارة على رغم الانتقادات التي سبقتها ورافقتها… وتلتها، علماً انها لم تكن في أي حال بالحجم الذي كانت عليه الانتقادات التي أحاطت بالزيارة الأولى عندما شارك في تنصيب البطريرك يوحنا العاشر يازجي على الكرسي الارثوذكسي لأنطاكية وسائر المشرق في شباط (فبراير) 2013.

   وعلى رغم ان زيارة البطريرك الى دمشق لتفقد أبناء الأبرشيات المارونية في سوريا والمشاركة في قمة البطاركة الشرقيين وتدشين المقر الجديد للبطريركية الارثوذكسية، لم تستغرق أكثر من 40 ساعة، فثمة من يعتبر في بكركي ان مفاعيلها الرعوية الكنسية تخطت بكثير عدد ساعاتها القليلة، لاسيما وأنها <نجحت> في أن تبقى بعيدة عن السياسة ما حرم المصطادين في الماء العكر من استغلالها للإساءة الى البطريرك من جهة، أو لاستثمارها لصالحهم من جهة ثانية. وبدا اللقاء بين البطريرك وأبناء الأبرشيات المارونية في سوريا مفعماً بالعاطفة والتأثر والقلق على المستقبل في آن ما دفع البطريرك الى التأكيد أمام أبنائه الموارنة انه سيعود الى سوريا لتفقدهم كلما دعت الحاجة ولن يكون هناك بعد اليوم بُعد وجفاء، وان التضامن مع مسيحيي سوريا عموماً والموارنة خصوصاً، سيكون كاملاً الى أن تزول المحنة السورية أو تضع معالم الحل أو التسوية التي تسكت المدافع وتطلق الحوار بين المتخاصمين برعاية دولية فاعلة.

السياسة ظلت بعيدة

 

   وتقول مصادر روحية ان ما أبعد <الأفخاخ> عن زيارة البطريرك الراعي هو بقاء اللقاءات التي عقدها سواء مع الموارنة أو مع البطاركة الشرقيين، بعيدة عن السياسة ومنزلقاتها، إضافة الى غياب المسؤولين السوريين عن المناسبات الدينية التي شهدتها دمشق بحيث لم يسجل أي حضور رسمي سوري لا في القداديس التي ترأسها البطريرك ولا في اجتماع البطاركة الشرقيين. وفي هذا السياق كشفت مصادر مطلعة لـ<الأفكار> ان الغياب الرسمي السوري لم يكن عفوياً أو مصادفة، بل كان غياباً متعمداً تم التفاهم عليه بين الكنيسة الارثوذكسية والدوائر الرسمية المعنية بالشأن السياسي، واقتصر الحضور الرسمي السوري، على الاجراءات الأمنية التي اتخذت لحماية البطاركة خلال تنقلاتهم، ومنهم البطريرك الماروني الذي رافقته من بكركي المجموعة الأمنية الخاصة بحمايته وذلك نتيجة ترتيبات معينة تولاها المدير العام للأمن العام اللواء عباس ابراهيم الذي تولى تنسيق الزيارة أمنياً وأشرف على كل التفاصيل المتصلة بها بالتشاور مع المسؤولين الأمنيين السوريين.

   أما في الشأن الروحي للزيارة، فالى الواجب بأن يكون البطريرك مع شعبه خصوصاً في أثناء المحنة، فإن المصادر المتابعة تقول إن التقارب بين الكنائس المسيحية في المشرق العربي بدا في أفضل مظاهره، وما القمة الروحية التي عُقدت وما صدر عنها من مواقف، إلا الدليل على وحدة الموقف المسيحي الشرقي، وعلى التحسس بمعاناة المسيحيين في سوريا بصرف النظر عن انتمائهم الى الكنيسة المارونية أو الكنيسة الارثوذكسية أو السريانية أو الكلدانية الخ… وفي هذا التضامن ما يعزز الموقف المسيحي الذي برز في البيان الختامي الذي دعا الى اعتماد حل سياسي <للحرب العبثية التي تعصف بسوريا يضمن إحلال السلام وعودة المخطوفين والمهجرين والنازحين وحق الشعب السوري في تقرير مصيره بحرية تامة وبعيداً عن كل تدخل خارجي>. كما كانت دعوة لانتخاب رئيس جديد للجمهورية في لبنان <يعيد المؤسسات الدستورية ويعمل على بناء وطن يفرح به أبناؤه>.

اللواء-عباس-ابراهيم 

الفاتيكان دعم قمة دمشق

 

   وإذا كان ثمة من رأى بأن القمة الروحية التي جمعت البطاركة الشرقيين لم توفر اجابات دقيقة <تطمئن> المسيحيين الى مصيرهم ومستقبلهم، فإن ثمة من اعتبرها مناسبة لتوجيه رسائل الى دول شقيقة وصديقة تحضها على حماية الوجود المسيحي في ما تبقى من دول عربية، أي في سوريا ولبنان ومصر، وعدم التعامل مع هذا الوجود بطرق ملتوية لا تحمل في طياتها الضمانات المطلوبة، ولن يكون من السهل بعد قمة دمشق الروحية <تجاهل> الواقع المسيحي أكثر، لاسيما وأن مشاركة البطريرك الراعي والبطاركة الكاثوليك في قمة دمشق حظيت بدعم الكرسي الرسولي في الفاتيكان الذي تبلّغ وزير خارجيته السابق الكاردينال <دومينيك مامبرتي> والسفير البابوي المونسنيور <غابريالي كاتشا> خلال وجودهما معاً في بكركي برغبة البطريرك بالسفر الى دمشق والمشاركة في القمة قبل ساعات قليلة من موعد السفر، ولم يجد المسؤولان الروحيان إلا الدعاء بالتوفيق للبطريرك بزيارته <الرعوية>، في وقت نشطت فيه الدوائر البابوية في التحرك لتأمين إنجاح اللقاء الروحي على مستوى القمة في دمشق، لأنها رأت فيه مظهراً من مظاهر حماية الوجود المسيحي في المشرق العربي، بعد التطورات الدامية التي حصلت في العراق وسوريا واليمن حيث القتل والتخريب والدمار لم يستثنِ لا البشر ولا الحجر.