8 December,2019

الرسام السعودي ريان الشثري في معرضه الأول في بيروت: أنــا مفتـــون بعقلـــي الباطنـــي... فــــأسلمـه ريـشـتــــي!

 

بقلم عبير انطون

حركة جميلة ولّدها معرض الفنان ريان الشثري في بيروت، ولأكثر من سبب. هو أولا فنان سعودي، ولم نعتد على أسماء عديدة في المجال تعرض في عاصمتنا، وأيضاً لأن لوحاته، الكثيرة التفاصيل والحركة، والضاجّة بالالوان، المفعمة بالايحاءات، تصل الى مشاهدها من دون عوائق كثيرة فتستكشف عينه شخصية صاحب الريشة ورؤيته من قبل ان تتعرف اليه حتى.

فمن هو ريان الشثري؟ كيف استُقبل في <ارتوال غاليري> وسط عاصمتنا؟ ما الذي قدّمه من جديد على الساحة البيروتية الفنية الزاخرة بالاشكال والألوان والخطوط، وكيف يقدّم الفنان الشاب لوحاته للمشاهد؟

 زيارة المعرض في وسط بيروت كفيلة بالإجابات قبل ان يغادرها ريان لقضاء اجازة في تونس الخضراء..

مسالم ريان في حديثه الراقي الى حدود بعيدة، حتى ان اخطاء بسيطة في احتساب عمره لم تشغل باله: <سنة بالزايد او بالناقص ليست مشكلة> يقول ابن الثامنة عشرة لـ<الأفكار> الا ان هذا العمر اليافع جعله يتمنّع عن الردّ على بعض الانتقادات التي وردته، وبعضها غير محق برأيه بالنسبة لمعرضه الاول. في ذلك يقول لنا <كنت ساكت شوي عن التعليقات السلبية ولم أكن ادري بما اجيب أو أدافع به.. ربما اكون في المستقبل حاضرا أكثر للمواجهة. صحيح أنني ما زلت في بداية الطريق، لكن ذلك لم يحجب من ناحية أخرى كم التعليقات الجيدة التي حصدتها من معرضي الفردي الأول هذا>.

 في بيروت رسم ريان لوحات استقى الكثير منها من حركة الناس والشارع واستلهم من المدينة والفوضى التي فيها الكثير: <اشتغلت في بيروت طوال شهر ونصف الشهر أثناء عملي على لوحاتي.. كنت امشي في شوارع المدينة وأرتاد امكنتها فأرى حركة الناس واسلوبهم واستشف من حديثي اليهم ورصدي لسلوكهم ومواقفهم المشاعر المختلفة التي يكتنزها ساكنو هذا المدينة واهتماماتهم اذ كل منهم بهمّ مختلف: هذا همه في السياسة وذاك في غذاء العائلة ظهرا، وذلك في الاقتصاد، وتلك في الاجتماع او الفن، أي من اصغر التفاصيل الى اكبرها فامتلأت منها واستقيت الكثير مما اراه وفيه شيء من <العنف> والفوضى.. هذا الأمر لا يتسنى لي القيام به في السعودية لناحية هذا الاحتكاك المباشر، اذ تقتصر حركتي ما بين محترف الرسم والمنزل>…

حــــــــوار..!

ليس الناس وحدهم من الهموا ريان في بلدنا انما ايضا طبيعة البلد الجميل، طعامه، ثقافته، وفنه. نسأله عما مدّته به بريطانيا ودورها في تشكيل وعيه ورؤيته الفنية بعد أن عرفنا انه ولد فيها، فيجيبنا بأن نشأته كانت في السعودية: <لقد ولدت في بريطانيا الا انني انتقلت الى المملكة السعودية حتى سنّ الخامسة عشرة، ومن بعدها ارتدت مرحلة الثانوي في الأردن، كما أقمت أيضا لمدة سنة في بوسطن>. هذه الخلطة على بعضها شكلت عجينته وجعلته يغوص أكثر في عالم الفن واللوحات.

ويشرح ريان مضيفاً:

– لوحاتي هي بمثابة حوار بين الكانفا وبيني، وما يهمني هو ما بعد العمل الفني المنجز. أطرح الاسئلة على الكانفا وتجيبني بكرم كبير. من جانبي لا اقوم الا بتشريح ما تمدني به من اجابات، الا أنني افهمها على طريقتي، بريشتي، وارضي من خلالها فضولي. اسلمها لعقلي الباطني الذي اترك له ان يعمل كيفما يشاء وأطلب منه ان يرسم هو اللوحة، أن يمسك بالريشة، وبذلك انا استكشفه، اعرف المزيد عنه، اتركه يتحدث ويحلل ويناقش. أما المشاهد فهو مدعو من ناحيته الى التمعن بما يراه، والى فك وفهم رموز ما ارسمه مع تركي له المساحة الكاملة من الحرية لقراءتها بحسب ما يريد، من دون حدود مرسومة او افكار مسبقة. اتركه لخياله، لعقله، لعينه المتسائلة، لاستنتاجاته الخاصة حول الفن القائم أمامه، وما يحلو له ان يقرأ من خلال الموضوعات التي أرسمها.

الموضوعات التي يتحدث عنها ابن الثمانية عشر ربيعا متشعبة، والرموز عديدة وكذلك الالوان. بسلاسة تنساب ريشته الرشيقة أو اقلام الزيت والطلاء والاكريليك في لوحاته العشر المعروضة. نسأله عن المدة التي استغرقها التحضير للمعرض فيأبى ان يحدد: <لست أحدد وقتا. أرسم الى حين اكتمال اللوحة وارميها ان لم ترضني. فما من شيء مبرم اذ ما يهمني هو ايصال مشاعري بصدق عبرها. اريد ان يتصفح القارئ لوحتي، <قيمة بعد قيمة> <Value after value>..

 

فوضى متناغمة..!

في جداريات ريان الكبيرة والاصغر منها، تجد السماء ونجومها، وتغرق في البحر الأزرق وتتفاجأ بالحيوانات وعيونها الكبيرة، الى الوجوه على اختلاف تعابيرها والوانها واجناسها، وبينها الغاضبة وبينها الضاحكة او المفكرة.. اللوحات المتشابكة، الفوضوية في تناغم خفي، فيها ايضا المظلات المفقودة، والصيغ الرياضية، الإنسانيات والزهور العملاقة، الطاولة المقلوبة، المباني، الحمار الوحشي، النجوم والأجنحة، وغيرها وغيرها..

الفن الذي تعلم ريان أصوله بمفرده، وبطريقة عصامية، لا يشدد على دخوله أكثر من الباب الأكاديمي عبر صقله في معهد او جامعة لهذا الغرض. لعلمكم يقول لنا: لما كنت في المدرسة في المرحلة الثانوية، ولاربع مراحل لم تكن علاماتي متفوقة في

الرسم ولم اكن <المفضل لدى أستاذ الفن>… لدي أفكاري واستنبط ابداعي، اما المعلومات الفنية والثقافية فيمكنني ان استقيها عبر أكثر من مصدر حتى ان بعض انواع الرسم لا تستهويني كرسم البورتريهات مثلا.

أما الغرفة المعدنية التي وردت في عنوان المعرض فيريد بها ريان كل ما ينبثق <من هذه الغرفة المعدنية التي هي الدماغ حيث تصطدم الأفكار بالمشاعر، تصنع قصصًا عشوائية وتندمج مع آفاق جديدة قي فضول لا يشبع من التطلع صوب آفاق مفتوحة. الآفاق كلها هنا في اللوحات واسمائها، من <شهية البحر> و<معركة ماء عريفة> الى <بيت الفكر> و<سيفرة> و<8 ابقار وأقمار كثيرة>.. لقد وجد ريان <المفتون بعقله الباطني> عبر <طريقته في الخروج من الغرفة المعدنية> مساحة بلا حدود <متصلة بطبيعتها>، فوضوية وتتحرك بسرعة فائقة، لا بل محمومة. فتبدو الاسئلة التي تطلقها عشوائية، انما هذا لا يعني انها غير متصلة او بلا مغزى، فهي تتراوح من <أين تركت مظلتي> الى <ماذا وان استخدمت الطاولات بشكل معاكس>؟ فالمعادن التي تلتصق بيومياتنا وتحركاتنا وباتت تتحكم بنا، أفلت منها على طريقته بفوضوية بارزة أحيانا وببراءة تارة أخرى، عبر خربشات طفولية مرةً وتبصّر شديد العمق يرقى الى مقام الفلسفة مرة اخرى.

 لوحات ريان هذه جذبت <ارتوال غاليري> المساحة الفنية عند وسط بيروت التي تفسح المجال سنويا الى واحد من الوجوه الصاعدة لتعرض في حناياها الممتدة مساحة ثمانية مئة متر عند شارع الداعوق المعروف عند وسط بيروت. جُهّزت الصالة بقصد تعريف منطقتي الشرق الاوسط وشمال افريقيا الى فنانين عالميين ناشئين ومخضرمين من خلال عرض اعمالهم ضمن معارض فردية بواسطة التعاون مع صالات عرض دولية رائدة.

صاحبة الغاليري هند أحمد التي تحمل هم البحث عن الامكانات الفنية غير المكتشفة تعتبر ذلك شغفها المطلق. اعجابها باعمال ريان تم من اللحظة الاولى لما تنم عنه من قوة ونبض ما جعله مناسبا تماما للمساحة الجديدة، فكان معرض ريان الفردي الاول في بيروت التي تشتهر بترحيبها الحار بالمواهب الجديدة، وقد باتت اعماله التجريدية محط نقاش على الساحة الفنية الاقليمية. فقد وجدت هند في ريان قاموسا فنيا خاصا قلما نجده في مواهب في مقتبل العمر وموضوعات جديدة جذبتها. فلما دخل صالة العرض قبل أشهر برفقة احدى قريباته خرج منها بوعد عرض لوحاته فيها بعد ان اعربت القريبة لصاحبة الغاليري عن موهبته وشغفه في الرسم. وفعلا وجدت صاحبة صالة العرض في ما يقدمه ريان العصامي الذي علم نفسه أصول الرسم وترجم موهبته عبر اعمال واعادات للوحات معروفة ما ينم عن خلفية فنية غنية جدا، بعيداً عن التقليدية والاعمال المستهلكة، في نهج جديد وموهبة متميزة. أما عمره الصغير فلم يحجب عنه التعمق في الدراسة والابحاث في مجاله، وهو شبيه بالرسام الأميركي <باسكيت> الى حد ما.

يرى ريان أن الناس باتوا على تماس أكبر مع الفن والفنانين في هذا الزمن والكثيرون منهم يحترمون العمل الفني ويقدرونه: <ما يلزمنا هو أن نحظى بفرص. الحمد لله ان السنتين الاخيرتين في السعودية كانتا زاخرتين، فانا وان لم أكن على تماس كبير مع الحركة الفنية فيها الا انني ادرك ذلك عبر مواقع التواصل واعرف عن تقدمها وتطورها، وبالنهاية حيث هناك بشر هناك فن وثقافة>.

اما فرصة العرض في وسط بيروت فأمر مهم بالنسبة له لكن الاساس هو الحصول على <الفرصة> في ايــــــة بقعـــــة من العالم. فرصة قد تؤمنها في عصرنا الحالي مواقع التواصل الاجتماعي الا ان الفنان الشاب لا يعتبرها شخصيا الوسيلة الفضلى لترويج اعماله وان كان متحيزا لـ<تويتر> أكثر من غيره: <لا احبذ انتشار اعمالي بهذه الطريقة وافضل ان يلتقي المشاهد مع لوحتي وجها لوجه وعينا لعين>.

اما الاماكن التي سيحرص على العرض فيها مستقبلا فبينها طبعا السعودية ولبنان القريبان لقلبه، ففي الاولى مسقط الرأس وفي الثاني زيارات دورية مع العائلة التي تحرص على الحضور الى ربوعه ولها معرفة وثيقة ببيروت وموعد سنوي منتظم معها منذ سنوات.