26 September,2018

الرئيس عون لا يعود عن القرار ومعه الرئيس الحريري!

بقلم وليد عوض

Pr-Minister-Saad-Hariri-Attends-Bierut-By-Bike-

شهر أيار/ مايو على مدى الزمن كان شهر التغيير في لبنان بدءاً من مهرجان دير القمر عام 1966، وتظاهرة الطلاب في حرش بيروت عام 1976، وكان فيها كلود بويز شقيقة الوزير السابق فارس بويز، وأمل كريمة الصحافي الكبير جورج نقاش، ومنطلق أحداث 1958 بدءاً من طرابلس، فيما كان الرئيس جمال عبد الناصر في الطريق البحرية الى يوغوسلافيا واتخذ قراره الشهير بقطع الرحلة البحرية والعودة الى مصر، حيث كان توقيع اتفاق <فتح لاند> في جنوب لبنان أو اتفاق القاهرة، وقال عبد الناصر لقائد الجيش العماد إميل البستاني: <انظر يا عزيزي على ماذا توقع>؟!

وكان الرئيس عبد الناصر على حق لأن اتفاق القاهرة، كان مدخلاً الى أحداث أمنية جديدة في لبنان لم تكن لتنطفئ إلا بانعقاد اتفاق عام 1979 وسحب الفتيل من الأيدي المشاركة في الأزمة اللبنانية، وانتخاب الرئيس رينيه معوض في مطار رياق رئيساً للجمهورية، ثم انتخاب النائب الياس الهراوي رئيساً للبنان، واستمر عهده تسع سنوات، سقط فيها كل استخدام للسلاح وإقفال للطرقات، وعودة تدريجية لمؤسسات الدولة، ولولا جرأة الرئيس الياس الهراوي لما قام هذا البلد على قدميه.

كل هذا الماضي مع ما فيه من شوائب وآثار، يبقى جزءاً من مسيرة البلاد، ويتعين فيه على أهل السلطة أن يدركوا أين كان الخطأ وأين كان الصواب، فلا يغفلون عن خارطة الطريق، وهذا التعبير الذي ابتدعه رئيس الوزراء البريطاني الأسبق <طوني بلير> كمسؤول أممي في الحلول المقترحة للقضية الفلسطينية.

فهل في متناول الذين يسعون الى الحلول في لبنان أن يتجاهلوا هذا الواقع المؤلم، ويقفزوا الى مرحلة رمادية لا يشكل وجود مليون ونصف مليون نازح سوري ووجود نصف مليون فلسطيني متحدرين من نكبة 1948 عائقاً دون تفكيرهم في الوصول الى حل. ولا شك أن هذا الإرث القاسي على حياة اللبنانيين لا يوجد له مثيل في أي بلد عربي آخر؟ ومع ذلك ففي متناول اللبنانيين أن يتعاملوا معه بذكاء وتواصل وإضاءة على المشكلة، والعثور على مفتاح الحل، واعتبار الآتي الذي هو أعظم من مظاهر التحدي واختبار قوة البنيان اللبناني، خصوصاً وأن الرئيس ميشال عون ليس بعيداً عن ذلك الواقع الأليم الذي أجبر بعض مؤيديه في التيار الوطني الحر في أيلول/ سبتمبر 1980 على اقتحام مقر البطريرك نصر الله صفير وهز شجرة كرامته، وإجباره على الانسحاب من مقر بكركي الى مقر الديمان.

والمشهد الآن كما يأتي: المشروع التأهيلي لقانون الانتخابات كما رسم وزير الخارجية جبران باسيل معالمه، دخل في النفق المظلم، والرئيس نبيه بري سيد الحلول لم يقدم المشروع القانوني الكافي والشافي لمنع البلاد من الوقوع في الفراغ قبل 15 أيار/ مايو، آخر موعد لقانون انتخابات جديدة في عالم الفراغ.

 

مشروع الياس سركيس

 

والرئيس نبيه بري سيد الحلول الاشتراعية يراهن في الأساس على قانون النسبية كمشروع إنقاذي للحياة السياسية في لبنان، وهو المشروع الذي اعتبره الرئيس الياس سركيس في  عام 1976 هو الحل لسلام دائم في لبنان، وصيغة عيش وطني للبنانيين، لكن اعراض مجلس النواب الفرنسي عن مشروع النسبية واعتباره غير نافع في حياة الفرنسيين، جعل الياس سركيس الذي كان آنذاك ينعزل في فندق <كارلتون> ومنزل صديقه خالد خضر آغا المقابل للفندق، يسحب المشروع ويعتبر قانون 1960 الذي أنشأه وزير الداخلية الراحل ابن الكورة الخضراء الشيخ ادمون كسبار هو القانون القابل للتفاهم الوطني، رغم اعتراض فئات لبنانية بالجملة على المشروع من حيث انه يتيح للمسلمين في الجنوب وللمسلمين في البقاع وللمسلمين في الشمال أن يأتوا بالسرب النيابي المسيحي مثل فريد مكاري نائب الكورة وفوزي حبيش نائب عكار، وموريس فاضل عن الطائفة الأرثوذكسية في طرابلس، وبشارة مرهج عن ارثوذوكس بيروت، والدكتور باسم الشاب عن اقليات بيروت مع النائب نبيل دوفريج، وميشال موسى عن القرى المجاورة لصيدا، وأسعد حردان عن القرى الجنوبية الأمامية.

ومن مآثر عهد الرئيس ميشال عون، كما يقول رئيس بلدية بيروت جمال عيتاني إنه عهد من شارع الشعب، وأن هناك نصف مليون سيارة تدخل بيروت كل يوم، وهذا ما فتح الباب للرئيس سعد الحريري للتشجيع على استعمال الدراجات الهوائية، وقد استقل دراجة هوائية يوم الأحد الماضي ضمن اطلاق مشروع بيروت لمحطة الدراجات الهوائية s20160512104116لحث اللبنانيين على استعمال الدراجات الهوائية بدل السيارات، وقيام الرئيس عون مع زوجته اللبنانية الأولى السيدة ناديا باستقبال الأطفال المصابين بالتوحد في القصر الجمهوري، وهذا يعني أن الرئيسين ميشال عون وسعد الحريري ينطلقان من بيئة الشباب اللبناني، وجنوحه الى السلام والحرية، ووجود بابا الفاتيكان فرانسيس في مصر كان فسحة وطنية واسعة للدعوة الى تضامن مسيحي ومسلم في لبنان، والكف عن التهافت على السفارات الأجنبية للحصول على تأشيرة هجرة.

فمن حضن أية قابلة قانونية سيولد قانون الانتخابات الجديد، وماذا ينوي الرئيس نبيه بري أن يفعل إذا ضاقت عليه واستحكمت حلقاتها؟ هل يلجأ الى تظاهرات الشارع في الأيام القليلة الباقية، ويأخذ من الشارع الترياق الذي عز حصوله من المجلس النيابي؟

والظاهرة الملفتة هي عودة الحاكم الى جذوره الطائفية، والتعاطي على أساسها مع قضايا الناس. وعندما يستعصي عليه التمسك بحبال طائفته لا يملك إلا اللجوء الى الشارع برفع عقيرة التظاهر كحل بديل للصرخة التي لم تفعل فعلها.

من جيل الشباب الجامعي الآتي ينبغي أن نقطف أطيب الزهور وأكثرها كفاءة ولاسيما في نطاق الهندسة الالكترونية التي هي لغة العصر وأم الثقافات المتداولة. ومن حق الجامعات أن تهتم بالجيل الالكتروني من خلال العلاقات الدراسية، وبدلاً من تسفير الشباب اللبناني الى الخارج لتغطية الحاجة الالكترونية التي تجدها في إمارة دبي، أو إمارة أبوظبي، أو إمارة عجمان، تبقى هناك دعوة صريحة الى لبنان لملء الشواغر الالكترونية والوظائف الاستراتيجية.

وفي هذا الباب يتعين على وزير التربية والتعليم مروان حمادة أن يستشرف المستقبل بالتوجه الى خطة استراتيجية متطورة تحدد اختصاصات المواد العلمية مثل الهندسة والمحاماة والطب والعلاقات العامة التي تحتاجها المصارف، والبحث عن لبناني جامعي مؤهل لاستيراد جيل عربي من المتخصصين في المهن المطلوبة. وهذا وزير التربية اللبناني السابق الياس بو صعب، أنشأ جامعة متقدمة في إمارة دبي، تمتلك المؤهلات والفرص لاستيراد جيل جديد من الجامعيين يعتبر لقمة العيش هي الموجة الأولى في هذه المرحلة وعلى هداها ينبغي أن تنشأ القوانين.

يوم 15 أيار/ مايو لم يعد بعيداً، وفي ضوء هذا، ينبغي أن تدور الطواحين وأن يهيج الشارع وأن يعي المسؤول أن الشعب الذي يشكو من الجوع والحرمان وقلة المداخيل، كما دلت تظاهرات الحزب الشيوعي يوم الاثنين الماضي، هو المؤهل لفرض قانون انتخابي جديد، فلا يكون المسيحي هبة من الناخب المسلم، ولا يكون الناخب المسلم أساس حركة الطواحين. الاثنان يجب أن يتكاملا في إنشاء وطن خالٍ من الصدأ، متحرر من رواسب الجوع والحرمان، والفوارق المعيشية، لا يخاف من المرض، ولا يشكو من الخلل في الضمان الاجتماعي، فلا يقضي المواطن المضمون نصف نهاره حتى يصل الى تسجيل حقه في الضمان.

عندما يجتمع مجلس الوزراء ظهر أمس الخميس، يجب أن يضع نصب عينيه الوصول الى وطن سعيد، بلا نكبات، بل بالقدرة على مواجهة النكبات، حتى يكون المواطن اللبناني سعيداً في معيشته، قادراً على إعالة أسرته وعلى تزويج بناته حتى لا يسري عليه المثل البيروتي <همّ البنات للممات>.

تريدون مدرسة لأولادكم؟ خذوها.

تريدون خياطة معتدلة الأسعار لفساتين البنات. تفضلوا، هاكم الخياطة.

تريدون مستقبلاً مضموناً لابنكم العاطل عن العمل؟ تفضلوا وخذوه!

تريدون طبيباً يصعد السلالم إذا تعطل عمل المصعد الإلتكروني؟ ها هو في تصرفكم!

هكذا تكون مهمة مجلس الوزراء، أي حل لمشكلة لا سبب لمشكلة، وتكون عيادة ومدرسة وفرصة عمل للمواطن اللبناني، وهكذا كان خطاب السيد حسن نصر الله يوم الثلاثاء الماضي وإعلانه بقبول أي قانون لعدم الوصول الى حافة الهاوية. وفي غير هذه الحال تظل مشاكل الوطن بلا حل، والمرض بدون دواء، والأجيال بدون مدرسة والسفارات هدفاً لتأشيرة الخروج من لبنان، لا للعودة إليه من هجرة الانتشار.

ولبيك يا لبنان… الحلم!