21 November,2018

الرئيس بري وضع العماد عون أمام قدره السياسي بالعدول عن الجلسة التشريعية!

 

بقلم وليد عوض

raii  

قالها أبو الطيب المتنبي قديماً: <لكل داء دواء يستطب به/ إلا الحماقة أعيت من يداويها>. وبهذا المنطق عالج الرئيس نبيه بري موضوع الجلسة التشريعية المعطلة بسبب إصرار ميشال عون وسمير جعجع على أن يكون قانون الانتخاب هو عماد الجلسة، واصرار حزب الكتائب على أن يكون انتخاب رئيس الجمهورية هو أساس انعقاد الجلسة، وإلا فرحمة الله على الميثاقية التي تغيب بغياب الأقطاب المسيحيين.

وكان في مستطاع الرئيس نبيه بري أن يمضي في التحدي، ويحفظ للنواب المسيحيين المستقلين كرامتهم كنسيج مسيحي عاقل ومهم في الحياة السياسية، إلا انه عاد الى المثل الذي يقول: <اللي ما بيجي معك تعا معو>، أي يعدل عن تعيين الجلسة التشريعية باستحضار عمل اللجان البرلمانية في ما خص قانون الانتخاب والاتفاق على رئيس للجمهورية. وإذا أنهت هذه اللجان عملها من بين 17 مشروعاً مقدماً، بينها مشروع القانون الأرثوذكسي، ومشروع لبنان دائرة انتخابية واحدة، وتعذر الاتفاق على الموضوع المطلوب للجلسة التشريعية تكون براقش قد جنت على نفسها متمثلة بالأحزاب المسيحية.

ومن أجل التمسك بأهداب الميثاقية، كما هي مقدمة الدستور تأسيساً على اتفاق الطائف، اعتبر الرئيس بري قوى 8 آذار و14 آذار في مؤتمره الصحفي يوم الاثنين الماضي في حالة موت سريري، وبذلك يعيد النواب الى حظيرة الوطن، بدل الانتماء الطائفي أو المذهبي.

وقد صادف المؤتمر الصحفي للرئيس نبيه بري مع ذكرى خروج الجيش السوري من لبنان، بعد جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وذكرى هذا الخروج هي التي حكمت بالموت السريري، لأن قوى 8 آذار عام 2005 ولدت من تأييد النظام السوري، وقوى 14 آذار ولدت من رحم الرفض للوصاية السورية، والحالتان أكل الدهر عليهما وشرب.

أراد نبيه بري من هذا التفسير السياسي أن يعيد كل الفرقاء الى إطار اللعبة السياسية اللبنانية، فلا ينتظرون الهدهد السعودي، أو اليمامة الإيرانية، ليقرروا انتخاب رئيس الجمهورية. ولطالما أعلن السعوديون موافقتهم على كل ما يختاره اللبنانيون في معركة الرئاسة، فيما تربط  إيران كل موافقة على انتخاب رئيس جديد للبنان بموقف حزب الله. صحيح ان ظاهر الموقف هو إعادة الحبل الى الجمل اللبناني إلا انه موقف يعطل كل فرصة لإنهاء الشغور الرئاسي في لبنان.

ويطل في هذا الخضم مشروع الوزير السابق وئام وهاب وهو اعتماد نظام سنتين رئاسيتين انتقاليتين ريثما تتكامل القناعة اللبنانية بانتخاب رئيس جديد، وتفكيك كل المحظورات حوله. إلا ان المراجع المسيحية، وعلى رأسها البطريرك مار بشارة الراعي، ترفض هذا المشروع جملة وتفصيلاً وتعتبره  انتقاصاً من حق الرئيس المسيحي، تماماً كما لو حددت ولاية رئيس مجلس النواب بسنة انتقالية وولاية رئيس الوزراء بسنة واحدة مثلها.

 حالة تخبط سياسي وطائفي ومذهبي ليس لها قرار..

 

المشنوق والزيارة السعودية

 

وعندما يعجز الداخل عن التماس الحل، تنفتح نافذة الخارج، كما انفتحت عام 1958 من مصر والولايات المتحدة وجاء قائد الجيش اللواء فؤاد شهاب رئيساً للجمهورية، وكما انفتحت نافذة مصر عبد الناصر عام 1964 وجاء وزير التربية شارل حلو رئيساً للبلاد، ونافذة عام 1970 من موسكو وأتى الرئيس سليمان فرنجية.

وكان ملفتاً في هذا المأزق السياسي وجود وزير الداخلية نهاد المشنوق في الرياض واستقبله داخل قصر الضيافة الأمير تركي الفيصل رئيس <مركز الملك فيصل للدراسات الاسلامية> ومعه الأمير بدر بن سعود، والصحافي السعودي جمال خاشقجي. صحيح ان الأمير تركي غير معني  بالملف اللبناني إلا انه يفتح كوة في العلاقات شبه المقفلة بين الرياض وبيروت، بسبب مواقف حزب الله. والوزير المشنوق بطبعه كتوم، مارين-لوبانويماشي المثل القائل: <كل سر جاوز الاثنين شاع>، ولا بد أن يكون قد تلمّس الفرصة المطلوبة لإعادة العلاقات اللبنانية ــ السعودية الى سابق ازدهارها..

وتدور كل هذه الأحداث في وقت تنعقد في البيت الأبيض قمة تضم الرئيس الأميركي <باراك أوباما> والرئيس الفرنسي <فرانسوا هولاند> ورئيس وزراء بريطانيا <دايفيد كاميرون> ورئيس وزراء ايطاليا <ماريو رينزي> ومن بين الرؤساء الأربعة واحد تحت إبطه الملف اللبناني هو الرئيس <فرانسوا هولاند>، وهو القائم مقام في هذا الملف عن الأميركيين والأوروبيين، ولكنه يعتمد على الرئيس <أوباما> في أمرين: إعادة الطيف السعودي الى انتخابات الرئاسة في لبنان، واستجلاب الطيف الإيراني الى الانتخابات الرئاسية اللبنانية نفسها مستعيناً بلعبة العقوبات المالية المفروض رفعها عن إيران بعد توقيعها الاتفاق النووي في فيينا مع الدول الخمس زائد واحد، وفي مقدمهم الولايات المتحدة.

انه الجانب الفرعي من محادثات قمة واشنطن التي يشغلها المناخ والانحباس الحراري عن أي أمر آخر.

أي ان الانحباس الرئاسي في لبنان من آخر هموم قمة البيت الأبيض، ولا مانع أن يقول اقتضت الظروف السياسية ذلك، شرط أن يظل لبنان واحة للأمن والاستقرار، ولو نسبياً، كما هو الآن، وان تبقى المظلة الدولية منبسطة فوق شؤونه الداخلية.

والزائر لصرح بكركي هذه الأيام لا تفوته تلك الغصة التي تعتري كلام البطريرك بشارة الراعي وهو يتحدث عن بقاء قصر بعبدا بدون رئيس، أو بقاء البلاد بدون رأس، ويخالجه الشعور بأن شركاء المسيحيين في الوطن لا يتحسسون هذا الجرح المسيحي كما ينبغي ببقاء كرسي قصر بعبدا شاغراً على مدى سنتين، وقد يطول الى عام 2017، وربما أكثر.

في العام 2017 يكون هناك رئيس جديد لقصر <الإليزيه> الفرنسي، والترجيحات الآتية في الاستفتاء تعطي كرسي الرئاسة لزعيمة اليمين المتطرف <مارين لوبان> على حساب <نيقولا ساركوزي> و<آلان جوبيه> و<فرانسوا هولاند> الذي سيكون أضعف المنافسين إذا ترشح. و<مارين لوبان> ذات عناية خاصة بالمسيحيين اللبنانيين واللبنانيات، وفي فريقها أكثر من فتاة لبنانية، ولكنها ليست من ذات الأوزان في المعارك الرئاسية اللبنانية، وإن كانت كلمتها في النهاية هي كلمة فرنسا، ولو شاءت أن تختار فهي تشير باصبعها الى ميشال عون.

وفي العام 2017، يبدأ ساكن البيت الأبيض الجديد فرد ملفاته السياسية الخاصة بمنطقة الشرق الأوسط، ومنها لبنان. وواحد من اثنين سيكون سيد البيت الأبيض حسب الاستطلاعات: <هيلاري كلينتون> مرشحة الحزب الديموقراطي، والملياردير <دونالد ترامب> مرشح الحزب الجمهوري.

 

حزب الله والشغور الرئاسي

وأغلب الظن ان كرسي البيت الأبيض سيكون من نصيب السيدة <كلينتون>، على أساس ان حكمة الناخب الأميركي ستطغى على نزعة التطرف التي يمثلها <دونالد ترامب>، برغم أنه ظاهرة جديدة في تاريخ الولايات المتحدة، وستأخذ <هيلاري كلينتون> في الاعتبار العلاقات الأميركية ــ الخليجية، ولاسيما العلاقات مع المملكة السعودية، فيكون مرشح رئاسة لبنان وغير لبنان رهناً باتفاق أميركي ــ سعودي.

وستكون سوريا في قلب مباحثات واشنطن من حيث الرعاية المطلوبة لمفاوضات جنيف بين النظام السوري والمعارضة السورية، بإشراف المبعوث الأممي <ستيفان دي مستورا>، وهذه المباحثات تحظى برعاية أميركية ــ روسية ــ فرنسية، وتستبعد الولايات المتحدة، بلسان <أوباما> أي تورط عسكري من التحالف الأميركي ــ الأوروبي في حرب برية، وليس في الوارد ارسال جنود بر الى المناطق المشتعلة مثل حلب ودير الزور، وبدون القوى البرية ستطول الحرب السورية وتطول.

وعندما تطول الحرب السورية تتجمد فرص الخلاص من الشغور الرئاسي في لبنان، ولا يرى حزب الله وكيل إيران في هذا الموضوع، مصلحة له في رئيس لبناني جديد قد ينقلب عليه، ولا يراعي خصوصية العلاقات اللبنانية ــ الإيرانية. وحزب الله يماشي الآن سياسة تحديد الخسائر، دون أن يفتح على نفسه جبهات سياسية ومدنية مثل الانتخابات البلدية التي يتعاطى معها في الجنوب والبقاع بأعلى درجات العناية عون-بريوالرعاية، ولا يريد  أن يكون له موقع معركة في انتخابات بيروت البلدية، بل يمكن أن يكون له أصدقاء ليس إلا.

وخير ما يفعله اللبنانيون في مرحلة ما قبل عام 2017، هو أن يهتموا هم أيضاً بسياسة تحديد الخسائر، كما تفعل بعض الأحزاب المنهمكة في الانتخابات البلدية، بحيث تشد الحزام وتختصر المصاريف والنفقات، وتستغني عن لزوم ما لا يلزم، بانتظار أن يأتي الفرج، وتشرق شمس الحلول، ويعرف كل مكانه في هذا العالم.

 

المجلسان الباقيان

 

ويبقى في الميدان مجلسان يمثلان ما تبقى من الشرعية في البلاد هما البرلمان الذي يدير الرئيس نبيه بري أعماله ومقدراته بكل عناية وفهم وذكاء، وبُعد رؤية، ومجلس الوزراء الذي يرئسه تمام سلام وتعامل معه كسفينة تواجه العواصف العاتية بأعلى درجات المسؤولية.

وأمام الرئيس تمام سلام مشكلة مدير عام أمن الدولة اللواء جورج قرعة، وهو من اختيار رئيس الجمهورية السابق ميشال سليمان، واختلف في أدائه عن مديري المؤسسات الأمنية الأخرى مثل اللواء عباس ابراهيم مدير عام الأمن العام، واللواء ابراهيم بصبوص مدير عام الأمن الداخلي. فقد سجل الاثنان في مواقعهما النجاح تلو النجاح، بينما نجح اللواء قرعة في اشعال الخلاف مع نائبه العميد محمد الطفيلي.

وأعان الله الرئيس تمام سلام في إطفاء النار الادارية المشتعلة في مديرية أمن الدولة.

ويبقى أمن البلد والمخيمات الفلسطينية فوق كل اعتبار، وما الباقي إلا مجرد تفاصيل صغيرة.