23 September,2018

الرئيس القوي أم الرئيس المعتدل؟

بقلم سعيد غريب 

في كتاب <المذكرات> للوزير السابق فؤاد بطرس، ورد في الصفحة 549 تحت عنوان: <الفصل الرابع للانتخابات الرئاسية>، ما يأتيSaad-k

<مع اقتراب القوات الاسرائيلية الغازية من بيروت، اتضح للجميع أن للاجتياح الاسرائيلي بُعداً سياسياً يهدف الى إيصال بشير الجميل لرئاسة الجمهورية. ومساء الثاني من تموز/ يوليو 1982 عقدت خلوة طويلة مع الرئيس الياس سركيس وتباحثنا طويلاً في تلك الليلة (صفحة 550)، لم أجارِ الرئيس سركيس في موقفه (المؤيد لوصول بشير الى بعبدا)، وإن كنت قد تفهمته الى حدٍ ما، فأنا القائل للشيخ بشير وفريقه ابّان الانتخابات الرئاسية سنة 1964 انه يستحيل على كتائبي أن ينتخب رئيساً للجمهورية، لأن لبنان عندئذٍ لا يعود لبنان الذي كنا نعرفه. ربما لبناننا هذا قد تغيّر في صيف العام 1982، والرئيس المعتدل الذي يوازن بين المجموعات المكوّنة للبنان لم يعد قادراً على حكم البلاد وإنقاذها من الأزمة، بل أضحى دوره أن يدير الأزمة ويسعى الى عدم السقوط في المجهول والانزلاق الى الانهيار الشامل والتفتت>.

كان قبول الرئيس الياس سركيس بفكرة وصول بشير الجميل الى قصر بعبدا نوعاً من الإقرار غير المباشر منه بأن الرئيس المعتدل لن يكون بإمكانه أن ينجح في مهمة إنقاذ البلد في تلك الظروف، وان هذا النموذج من الرؤساء لم يعد يصلح، خصوصاً بعد منعطف الاجتياح الاسرائيلي الذي أدخل لبنان في نفق المجهول.

وبعد حوالى ثلاث وثلاثين سنة على انتخاب بشير الجميل رئيساً للجمهورية، عاد السؤال نفسه ليطرح من جديد وبقوة هذه المرة: أيهما أفضل للبنان: الرئيس القوي، أم الرئيس المعتدل؟ وما هو مفهوم القوة أو الاعتدال للرئيس؟

قبل الطائف، كانت قوة الدستور تعطي كل القوة للرئيس من دون استخدامها، وكم بالحري إذا كانت القوة قوتين: قوة الرئيس وقوة الصلاحيات. هكذا كانت الحال مع الرئيسين كميل شمعون وسليمان فرنجية.. بعد الطائف، أعطت الوصاية السورية قوة مناسبة للرئيس متجاوزة ما أعطاه الدستور له، هكذا كانت الحال مع الرئيس إميل لحود. وبعد انتهاء الوصاية، انكشفت قوة الرئيس وراح الرئيس يبحث عن قوة ما، تارة بالمونة وتارة أخرى بقوة شخصيته.. ولكن اليوم وبعد انقضاء عشرة أشهرٍ على الشغور الرئاسي وتلكؤ السياسيين في استدراج الخارج المنهمك في حروب الإرهاب وعليه في فرض رئيس للجمهورية يطرح السؤال وأكثر من أي وقت مضى: هل سيكون للبنان رئيس للجمهورية؟

في حال تم التوافق على الرئيس القوي، ماذا سيفعل هذا الرئيس، بل ماذا يستطيع أن يفعل؟

إذا جاء قوياً بشخصيته وشعبيته من دون عدة دستورية ملائمة، هل ينجح؟

الدستوري الوزير الأسبق المرحوم نصري المعلوف أجاب عن هذا السؤال بالقول: <إن الحكم رجال لا دساتير، وان القضاء قضاة لا شرائع>.

أما إذا جيء بالرئيس المعتدل، يعني التوافقي، فماذا سيفعل بدوره؟ بل ماذا يستطيع أن يفعل؟ الأكيد أنه سيعمل على إرضاء الأطراف الأساسيين بالحكمة تارة وبالسكوت تارة أخرى، وإذا قرر أن يكون قوياً فلا بد أن تهتز كرسيه ولن يقوى على الوقوف إلا إذا عاد واعتدل. وهذا يعني بالمفهوم الشعبي الرئيس الضعيف، بمعنى آخر، مدير للأزمة.

ما العمل؟

يمكن النجاح باعتماد المعادلة الآتية: أن يأتي معتدلاً ويقوى خير من أن يأتي قوياً ويضعف، ان الحاجة الآن الى رئيس لا يحتاج الى ثقة أحد أو تأييد أحد بقدر ما نحتاج نحن كباراً وصغاراً الى ثقته وتأييده ومشورته وحكمته.

إن الحاجة الآن الى رئيس يكون قبل أي شيء فوق الخصومة. إن الحاجة الآن الى رئيس نقول له بعد ست سنوات شكراً.

قد يقال، وعن حق، إن هذه الصفات لو وجدت في شخص ما غير قابلة للترجمة على أرض فيها كل تناقضات العالم، إلا أن الصحيح أيضاً ان الرئيس فؤاد شهاب استطاع ان يلبي هذه الطموحات أو جزءاً منها في وقت قصير، بفضل حكمته والظروف الدولية التي كانت مؤاتية.

هل يعيد التاريخ نفسه ويصار الى تسوية تأتي بشبيهٍ لفؤاد شهاب؟ ربما، فالتواصل المنظور وغير المنظور بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، والإرادة بتثبيت الاستقرار في لبنان موجودة، والشخص الذي قد ترسو عليه الرئاسة حاضر.

إن مطلب اللبنانيين اليوم، كيفما نظروا الى الواقع، أن يخرجوا من الأزمة لا أن يجدوا حلاً للقضية. وإذا كانت وحدة البلاد لا تقوم إلا على وحدة الصف، فالمخرج من الأزمة يجب أن يكون هو الهدف المرحلي الذي يوحد اللبنانيين، على غرار ما يحصل اليوم بين حزب الله وتيار <المستقبل> والتيار الوطني الحر والقوات اللبنانية.

فإلى أن تنبع ظروف الحل فيحين قطافه، لن يكون خيار أمام اللبنانيين غير الصمـــود الفاعل الذي يتجسد عملاً على تحقيق مخــرج آني مـن الأزمـــة يكون هـو مـدخل الحل في العمق للقضية فيما بعد.

لماذا هذا الكلام؟

لأنه لا يمكن التوغل بعيداً في الحديث عما يتقرر بالنسبة الى منطقتنا وخصوصاً عما سيتقرر لها. فالمنطقة أمام تطورات مصيرية وسيكون مصيرياً في الدرجة الأولى أي قرار لسوريا والعراق وسائر الدول المضطربة.

فالوقت وقت مفاجآت، والانقسامات العربية دخلت في الصراع الخطير والمصيري للجميع. والتوجه نحو حرب شرسة ضد التطرف لم يأتِ من عبث، والوضع على هذا المستوى لم يتحرك فجأة.. فالمسألة متشابكة والولايات المتحدة في قلبها من الأنبار الى سوريا، والمصالح تتقاطع مع روسيا التي تهتز اراضيها بفعل العمليات العسكرية. وتقول مصادرغربية مطلعة على مجريات الأوضاع في المنطقة ان التطرف سيكبر والعنف سيجر العنف، وتلفت الى أن الحقائق ستكون خارج الكلام وستصبح كأنها عكس الكلام.

والواضح حتى الآن ان التطورات لا تزال تتفاعل، بما لا يسمح بالتخمينات أو التوقعات…