19 September,2018

الرئيس السيسي يستقبل وفد الأمانة العامة للتهنئة ومحمد حسنين هيكل يعرض عن التكريم!

11جميع الحضور لاحتفالات < اتحاد الصحافيين العرب» باليوبيل الذهبي على تأسيس الاتحاد الذي كان استجابة لدعوة من الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، إيماناً منه بدور المثقفين العرب في توحيد القواعد الجماهيرية، للابتعاد بها عن خلافات الأنظمة الحاكمة، شعروا بالحب الشديد الذي لا يزال في قلوب رجالات العهد الحالي للزعيم الراحل عبد الناصر بدءاً من الرئيس عبد الفتاح السيسي الذي حرص على رعاية المناسبة واستقبال وفد الأمانة العامة برئاسة الصحافي الكويتي يوسف بهبهاني وعضوية كل من نواب رئيس الاتحاد، والأمناء المساعدين ومن بينهم الياس عون نقيب المحررين اللبنانيين ، ونقباء الصحافيين في الوطن العربي، وممثلو رواد الصحافة العربية ومن بينهم الزميل طلال سلمان الذي كرمه الاتحاد هذا العام بالإضافة إلى الكاتب اللبناني  إبراهيم الخوري.

تصويب الخطاب الديني

وقد استهل الرئيس اللقاء بتهنئة وفد الاتحاد باليوبيل الذهبي لإنشائه، كما رحب بأعضاء الاتحاد في وطنهم الثاني مصر. وقال الرئيس السيسي خلال اللقاء إن التطور الذي طرأ على وسائل الإعلام والاتصال بفضل التقدم العلمي والثورة التكنولوجية قد أدى إلى انتشارها الواسع وجعل منها المصدر الرئيسي الذي يلجأ إليه المواطنون لاستقاء المعلومات عن كافة الموضوعات السياسية والاجتماعية والثقافية وحتى الدينية، ولذلك فإن المؤسسات الصحافية العربية، تضطلع بدور محوري في تشكيل وزيادة وعي المواطنين بقضايا الأمة.

 وأشار الرئيس السيسي إلى أن تجربة السنوات الثلاث الماضية في مصر أسفرت عن رفض الشعب المصري لما يطلق عليه <الإسلام السياسي>، وذلك على الرغم من أن المصريين متدينون بطبيعتهم سواء أكانوا مسلمين أو مسيحيين، إلا أن الوعي المصري الذي تبلور خلال الفترة الماضية كان كفيلاً بالحكم بفشل هذه التجربة وعدم قابليتها للنجاح أو الحياة بعد أن ثبت أن هذا الفكر لا يعتقد إلا بصحة ذاته، وليس لديه اقتناع بإمكانية التعايش مع الآخرين. وفي هذا الإطار، شدد الرئيس السيسي على أهمية تصويب الخطاب الديني لإيضاح حقائق الأمور، والتأكيد على أن ما تشهده بعض دول المنطقة من أعمال القتل والتدمير ليست من الدين في شيء، ولكن الممارسات الخاطئة هي المسؤولة عما آلت إليه الأوضاع في المنطقة.

وأكد الرئيس السيسي أن المنطقة تمر بواحدة من أصعب وأدق مراحلها التاريخية، إن لم تكن أصعبها على الإطلاق، وهو الأمر الذي يؤكد على مدى حاجة المواطن العربي إلى الوعي الصحيح بأوضاع المنطقة والأسباب التي أدت إليها. وأشار إلى أن مصر لا تدخر جهداً للمساهمة في استعادة الهدوء والاستقرار النسبي في دول المنطقة التي تعاني من الاضطرابات السياسية وعدم الاستتباب الأمني، ومن بينها ليبيا، مؤكداً دعم مصر الكامل للمؤسسات الليبية الشرعية التي تأسست بناء على الإرادة الحرة للشعب الليبي، فضلاً عن أهمية دعم الجيش الوطني الليبي.

لا انحياز للحكومة 

44

 

وقد طالب الرئيس من  أعضاء الوفد أن  لا ينحازوا للحكومة، وأن يتمسكوا بالحيادية، ولا يكونوا أصحاب أجندات، وأن يدافعوا في المقام الأول عن الوطن والمواطن والقضايا التي تهمه وتشغله، مشدداً على أنه ظل يؤكد على حرية الصحافة والصحافيين والاهتمام بالقضايا القومية للوطن والأمور الحياتية للمواطن.

 وقد ناشد عدد من الحضور الرئيس السيسي لإصدار عفو رئاسي عن الصحافيين الأجانب المسجونين أو المحتجزين في مصر، فأوضح الرئيس أنه يُقدر أن الأسلوب الأمثل للتعاطي مع التجاوزات التي يرتكبها بعض الصحافيين هو ترحيلهم خارج البلاد، مؤكداً أنه لا يمكن التعقيب على أحكام القضاء الذي يتمتع باستقلالية كاملة في مصر، فضلاً عن أن القانون المصري ينص على ضرورة أن يكون الحكم الصادر <نهائياً وباتاً> ليتمكن رئيس الدولة من إصدار العفو.

وفي هذا الصدد، عقب ضياء رشوان، نقيب الصحافيين المصريين، بأن الصحافيين المصريين المحتجزين حالياً هم خمسة صحافيين فقط، تجري محاكمتهم في قضايا لا تتعلق بالنشر، وقد تم تقديم كافة المساعدات القانونية لهم والعمل على ضمان حسن معاملتهم. وأضاف أن الدستور المصري قد ضم نصوصاً غير مسبوقة في ما يتعلق بحرية الصحافة والنشر، وأنه جاري العمل على تحويل هذه النصوص الدستورية إلى قوانين يتم تفعيلها على أرض الواقع بما يثري العمل الصحافي المصري ويُمكن الصحافيين المصريين من أداء مهامهم على الوجه الأكمل. وقد ذكر نقيب الصحافيين المصريين أنه بعد صدور أحكام نهائية وباتت بحق الصحافيين المصريين المسجونين، فإنه يرجو من الرئيس التفضل بالنظر في إصدار عفو رئاسي عنهم.

الدولة النموذج

وقد أعرب الحاضرون عن تمنياتهم بأن تكلل بالنجاح جهود الرئيس والحكومة المصرية لتحقيق التنمية الشاملة، كما قدموا تهنئتهم لمصر، حكومةً وشعباً، بمناسبة احتفالها باِنتصارات أكتوبر التي مثلت نصراً عسكرياً وسياسياً، منوهين بالدور الريادي لمصر في المنطقة وارتباط أمن واستقرار الدول العربية بها.

 كما أكدوا على أهمية الدعم المصري لاتحاد الصحافيين العرب ليساهم بدور فاعل في هذه المرحلة الفارقة التي تشهدها المنطقة وأضافوا أن مصر هي الدولة النموذج التي تحذو دول المنطقة حذوها، ومن ثم فكلما كانت مصر أكثر أماناً واستقراراً، وكان شعبها متمسكاً بوحدته، كلما ساعدت دول المنطقة وشعوبها على نبذ التطرف والتعصب، سواء كان مذهبياً أو عرقياً.

وزاد الشعور بحب الزعيم الراحل عبد الناصر في الاحتفالية التي أقيمت في فندق <الفيرمونت ـــ هليوبوليس> عندما ألقى المهندس إبراهيم محلب، رئيس الوزراء، كلمته مرحباً بالضيوف، واصفاً إياهم < بالأعزاء على قلوبنا> وواصفاً المناسبة بالأهم في تاريخ الاتحاد الذي تأسس عام 1964 في القاهرة، بِرعاية ومساندة ودعم مِن الرئيس الراحل جمال عبد الناصر.

وقال رئيس الوزراء: <قبل أن أقف بينكم بساعات، عدت بذاكرتي بعيداً إلى تلك الفترة الذهبية من تاريخ أمتنا، أوائل الستينات من القرن الماضي، سنوات الحلمِ والأماني والطموحِ، وقت أن كانت <الوحدة العربية> حلماً يلهِب مخيلة شباب الأمة، بينما طموحات الاستقلال عن الاستعمار لا تزال في قلب نضال جزء كبير وعزيز من شعوبنا. في تلك الفترة، ووسط ذلك الزخم العروبي، وبِالتزامن مع مؤتمرِ القمة العربية الذي عقد في القاهرة عام 1964، نَشأ اتحادكم ليكون منصة مهنية وشعبية شديدة الأهمية، تَدعم حرية الشعوب، وتساند نضالَها من أجلِ استقلالِ قرارها الوطني، ولَعلي لا أُبالغ إذا قلت إن الاتحاد قد جسد بحق ما يمكن أن يكون عليه دور المثقفين العرب في توحيد الأمة العربية وصيانة وحدتها بالرغم من تنوع الأنظمة الحاكمة واختلاف رؤاها.

 وأضاف: لقد أكد الاتحاد في دستوره التأسيسي على <عزم الصحافيين العرب على استخدام أقلامهم وفنهم الصحافي في النضالِ لتحرير الوطن العربي من كل تدخل أجنبي أو نفوذ استعماري>، واسمحوا لي وأنا أستعيد معكم تلك الكلمات البليغة، أن أقول: أليست هذه النصوص الباهرة هي نفسها التي نحتاجها اليوم، ونحن نناضل كشعوب ودول مستقلة وحرة لندفَع شر بلاء جديد شديد التخلف والظلامية يهاجم بشراسة في أكثر من قطر عربي، ليعود بشعوبنا سنوات طويلة إلى الوراء، وليمحو آثار كل نهضة حققناها، وليهدم كل حضارة بنيانها.

وأضاف محلب:

ـــ ما يحدث الآن في بلادنا، اخوتي الأحبة، يحتاج منكم إعادة اللحمة إلى اتحادكم العتيد، واستعادة دوره وهدفه وغاياته، كما جاء في دستوركم التأسيسي أيضاً، كقوة شعبية جماهيرية، تؤمن برسالة الفكر العربي الحر، وتكتل جهودها لتحقيق هذه الغايات وإنجاز تلك الأهداف.

إنني معكم أنتم فرسان الكلمة وقادة الفكر والرأي المستنير، فإنني على يقين بإيمانكم أن <الكلمة.. مسؤولية>، و<المسؤولية.. كلمة>، كما أن <الشرف.. كلمة>، و<الكلمة.. شرف>. وأنتم أهل الشرف وأرباب المسؤولية، وما أحوجنا اليوم إلى هاتين الصفتين الغاليتين ونحن  نواجه حشود الظلام العائدة بقوة، وجحافل الفتنة التي تَطل علينا برؤوسها القبيحة، لتحطم آمالنا وأحلام شعوبنا التي ثارت من أجل التقدمِ والاستقرار. إن ما تواجهه الأمة العربية اليوم من تحديات راهنة، شاركت فيها عن عمد بعض وسائل الإعلام المشبوهة من خلالِ بث الشائعات والتحريض على العنف، إلى جانب بعض وسائل الإعلام الأخرى عن غير قصد، لَيفرض علينا جميعاً أن نلتف سوياً حول ميثاق شرف إعلامي عربي موحد، تتمُ فيه الموازنة بين طموحات الإعلاميين في تعزيز حركة التقدم بالمجتمعات العربية والتأكيد على حرية الرأي والتعبير من ناحية، وما بين الالتزام بالصدق والأمانة في كل ما يتم نَشره أو  بثه من جهة ثانية، فضلاً عن الامتناع عن اتباع الأساليب التي تتعرض بطريقة مباشرة أو غير مباشرة للطَعن في كرامة الشعوب، والتحريض على استعمال العنف فيها، مع احترام سيادتها الوطنية، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية من ناحية أخرى.

ثم زاد قائلاً:

 ـــ إننا جميعا كحكومات ومؤسسات مجتمع مدني عربي نسعى دوماً ـــ كل بطريقته ـــ إلى تحقيق ما يصبو إليه المواطن العربي من عيش في مجتمع يسوده السلام وينعم فيه بِالرخاء، لا نَهاب ما يواجه طموحاتنا من تحديات أو صعاب، ولعل هذا أَدعى إلى العمل سوياً من أجل تجاوزها، وهو ما يتطلب تماسكاً أكبر ووحدة في الصف واتساعاً في الرؤية.

واختتم محلب كلمته بقوله: إن مصر بلدكم الذي استضاف اتحادكم على أرضه، ثقة منكم في حرصه على دعم استقلال هذا الاتحاد، وضمانة لتحقيق أهدافه ومبادئه على الوجه الأكمل، إنما يسعد دوماً بكم في أحضانه وربوعه، فمصر كانت وستبقى دائماً <وطنا لكل العرب>. وإنني أؤكد لكم، وبكل ما يحمله الالتزام من مسؤولية، إن هذا البلد ســــــيظل وفيــــــاً لمبـــــــادئ هذا الاتحاد العريق، وداعمــــاً لمسيرته في نشر الفكر والرأي المستنير، والدفاع عن وطننا العـــــربي ضد كل تدخل من الخارج، أو شر ظلامي من الداخل.

إحتجاب هيكل

 

فيما أهدى حاتم زكريا أمين عام اتحاد الصحافيين العرب درع الاتحاد لرئيس الوزراء الذي سلم بدوره دروع الاتحاد للمكرمين وهم: مؤنس زهيري الذي تسلم عنه جلال عارف رئيس المجلس الأعلى للصحافة، والراحل صبري أبو المجد أمين عام الاتحاد وتسلمته كريمته رشا صبري والراحل صلاح الدين حافظ وتسلمته كريمته ندى صلاح الدين ومكرم محمد أحمد نقيب الصحافيين السابق وحسن البطل، وطلال سلمان الذي أضطر المغادرة إلى لبنان وتسلم درع تكريمه نقيب المحررين الياس عون،الكاتب إبراهيم الخوري، فاطمة حسين العيسى من الكويت، وعبد الله عمر خياط، وإبراهيم نافع وتسلمه نجله عمر نافع، وأحمد يوسف البهبهاني رئيس اتحاد الصحافيين العرب. وأعلن القائمون على تنظيم الاحتفال أن الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل كان من بين الأسماء التي سيتم تكريمهم بالاحتفالية، ولكنه اعتذر نظراً لوجوده خارج البلاد، وهو الأمر الذي جعل الكاتب الصحافي محمود بكري يعترض قائلاً، إن الأستاذ رفض التكريم لعدم التنسيق بين نقابة الصحافيين وبين اتحاد الصحافيين العرب.

33

 وأصدر الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل بياناً نشر في عدة صحف جاء فيه:

رأيتُ مناسباً – وربما لازماً – أن أكتب هذه السطور لتكون بمثابة بيان وتوضيح واعتذار لأصدقاء وزملاء يلتقون اليوم في <القاهرة> بهدف تكريم بعض المحاربين القُدامى في صفوف المهنة. إنني عرفت متأخراً – وبمحض مصادفة – أن اسمي كان بين الأسماء التي تفضلت الهيئات المعنية – اتحاد الصحافيين العرب والنقابات المستقلة – ووضعتها على القائمة المقترحة للتكريم. ولم أكن قد أبلغت بذلك، أو عرفت به، إلى جانب أنني كنت بالفعل قد ارتبطت ببرنامج آخر مختلف يأخذني خارج مصر لثلاثة أسابيع، تبدأ اليوم بالتحديد، وهذا البرنامج الآخر يتضمن مواعيد ولقاءات واجتماعات تتعدد أسبابها، مع حالة نشاط سياسي – دولي وإقليمي – تتوافق عادةً مع اقتراب عيد الميلاد وبداية عام جديد، فهذه الفترة دائماً لحظة تكثيف شديد، وحيوية زائدة تحاول أن تلحق وتنظم وتتصرف قبل أن يحل موسم الإجازات، ويهجر صناع القرار مواقعهم إلى دفء البحار في الجنوب، أو سفوح الجليد في الشمال.

وأضاف هيكل:

ــ وبالنسبة لصحافي يتمنى أن يظل موصولاً بعالمه وعصره قدر ما يتسع له الجهد والعمر، فإن الاعتذار عما تم ترتيبه والارتباط به – تصعب استعادته بسهولة، وقد لا تعود فرصته إلا عندما يبدأ فصل جديد في السياسة الدولية، وهذا الفصل يبدأ عادةً بخطاب <حالة الاتحاد> الذي يقدمه الرئيس الأميركي إلى الكونغرس في أواخر شهر كانون الثاني/ يناير من كل عام، وبعده تلف عجلة السياسة الدولية وتعود للدوران

وحين تبدَّت أمامي الإشكالية الدقيقة لاحتمال حصار – بين غياب عن مناسبة لها معناها، وبين ارتباطات لها مواقيتها – فقد بادرت إلى الاتصال بالصديق الكبير الأستاذ <ضياء رشوان> (نقيب الصحافيين المصريين)، لأن نقابته كانت السبَّاقة بالفضل إلى وضع اسمي على قائمة المرشحين.

وزاد قائلاً:

ـــ سمعت من الأستاذ النقيب عندما اتصلت به أنه كان على وشك طلب لقاء يحدثني فيه عن التفاصيل والملابسات، وبالفعل فقد اتفقنا على موعد في اليوم التالي، وسعدت وشرفت باستقباله (الأربعاء 15 أكتوبر)، ومعه اثنين من أعضاء مجلس النقابة هما الصديق العزيز الأستاذ <جمال فهمي>، والنقابي القدير الأستاذ <كارم محمود>. وكان النقيب كريماً ورقيقاً ومستفيضاً في شرحه، ورحت بصدق – لا يخلو من حرج – أطرح أمامه موقفي وحيرتي بين ما فكروا لي فيه، وبين ما خططت لنفسي.

واستطرد هيكل:

ـــ وكان مجمل ما طرحت كما يأتي:

من الناحية العامة فربما كان هناك من يستحق التكريم في العالم العربي وفي مهنة الصحافة بالتحديد. لكن السؤال هو ما إذا كانت اللحظة الراهنة موعده المناسب، فهذه لحظة تضيق فيها صدور الناس بكل شيء وأي شيء، وسواء كان التقدير صائباً أو خائباً فإن الإعلام يتحمل جزءاً من المسؤولية. وعلى أيامنا فقد كان الدرس الأول في أدب اللغة العربية يعلمنا <أن البلاغة هي مراعاة مقتضى الحال>، ومقتضى الحال هذه اللحظة لا يستدعي تكريم أحد – لا بصفحة من الورق مذهبة، أو بقطعة من المعدن مزركشة.

وتابع قائلاً:

ـــ ومن ناحية مبدئية فإن لي رأيا معلنا في تكريم أي صحافي، مؤداه أن القارئ أو المتابع لهذا الصحافي هو من يملك تقييم عمله، سواء كان بالحبر على ورق أو بالضوء على شاشة – ويكون التقييم بالإقبال على ما يقدِّمه ذلك الصحافي أو بالإعراض عنه، وليس هناك غير ذلك معيار دقيق أو أمين، وقد كان من هنا اعتذاري الدائم عن أوسمة ونياشين واحتفالات وشهادات، رأيتها في أبسط الأحوال خارج سياقها، ذلك أن للتكريم في العادة هدفين: هدف التشجيع العطوف أو هدف الذكر الحميد: وأولهما – وهو التشجيع – فات أوانه لصحافي قرب نهاية يوم طويل. وثانيهما – وهو الذِكر الحميد، فالجدير به أن ينتظر المقادير ولا يسبقها، على الأقل لكي يكون الحساب مستوفياً لزمانه، وظني بعموم أنه يصعب تقييم دور أي رجل في مجال العمل العام، لأن سجله مفتوح طالما هو موجود، وأي حساب حقيقي، لا يتأتى إلا بعد ختام نهائي.


شعور بالعرفان

ومضى هيكل يقول:

ــ إنني من الناحية الواقعية وبصرف النظر عن الناحية المبدئية لقيت كثيراً من الحفاوة، وجدتها فيَّاضة، خصوصاً في الشهور الأخيرة، ولديّ شعور بالعرفان لكل حرف ولكل كلمة ولكل سطر كُتِبَ وقيل عني، ومع ذلك فقد تمنيت ورجوت أن يظل صدق الشعور ونُبْل القصد بالميزان، وأظنني – بالصراحة وبالحرج أيضاً – قلتها عندما سعدت بزيارة <الأهرام> بعد أربعين سنة من البعاد: <إنني أخشى أن تصبح شدة الحفاوة نوعاً من المراثي تسابق المقادير. ورفض الكِرام ما سمعوه من قولي، كما لاحظت رفضاً له من جانب كثيرين رأوا على شاشات فضائية الـ <سي بي سي> تسجيلاً وافياً لتلك الزيارة لمكاتب <الأهرام> – لكني كنت صادقاً فيما عبرت به عن نفسي، معترفاً بالفضل لأصحابه، ممتناً ومتأثراً إلى أبعد الحدود.

قلت للنقيب الكبير ولمن معه أنني من الناحية العملية فوجئت بالموضوع كله، وقد كان يشرفني أن أشارك مناسبته حاضراً يرحب بالزملاء والأصدقاء المكرمين من مصر ومن العالم العربي – على أن الرياح جاءت من اتجاه آخر، وهبت عبر البحر إلى أمكنة بعيدة.

ثم ختم هيكل قائلاً:

22

 

ــ سألت النقيب الكبير ورفاقه بعد حوار طويل: وإذن ما العمل؟ وأجرينا عرضاً للمنافذ والمخارج، وكان بينها اقتراح بأن نترك الأمور على مسارها وكأن شيئاً لم يكن، بمعنى أن يقترح من يقترح تكريم من يريد، وأن يلحظ من يلحظ غياب من يغيب، ثم إن الزحام سوف يشتد، والستار سوف ينزل، ويعود الجمع من حيث أتى، ويذهب المسافر إلى حيث يقصد، وتنطفئ الأضواء، وينقضي الأمر. ولم نصل معاً إلى نتيجة محددة، ولم أصل بعدهم إلى تصرف أستريح إليه، ثم تكشَّف أمامي أن الأمر لا يحتاج إلى منافذ أو مخارج، وإنما يحتاج إلى وضع الحقيقة أمام أصحاب الحق فيها، وكذلك أكتب هذه السطور – بياناً وشرحاً واعتذاراً – الوقت نفسه ترحيباً – وحفاوة ودعاء ورجاء والبيان والشرح والاعتذار لها جميعاً أسباباً مفهومة، وأما الدعاء والرجاء، فله داعٍ آخر. ولكي أكون محدداً فإن مهنة الصحافة في ظني تواجه مشكلة أصعب وأعقد، من كل ما تعرضت له منذ عرفتها بلادنا أواسط القرن التاسع عشر. والحقيقة أن مطالب الدعاء والرجاء ملخصها أن المهنة الآن واقعة في أزمة مصداقية، عصفت بالكثير مما يستوجب الحرص عليه أمام قارئ ومشاهد يسأل كل منهما نفسه الآن: <إذا كان صحيحاً ما نرى ونعيش، فكيف يكون صحيحاً ما نقرأ ونسمع؟ وأعرف كما يعرف الجميع أن بيت الصحافة العربية واقع وسط مدينة السياسة العربية التي ضربتها الزلازل، وأصابت كل موقع فيها بغير استثناء، أي أن البيت الصحافي العربي أصابه ما أصاب المدينة السياسية العربية، وتحولت به إلى عشوائية آيلة لسقوط تاريخي مخيف، حتى وإن لاحت على أطراف الخراب ناطحات سحاب تبدو من بعيد وهماً يرسمه سراب. فالصحافة العربية وسط هذا المشهد المزعج معرضة للتهم، أو على الأقل مُطالَبة بحساب، وبدون أن نشغل أنفسنا الآن بتوزيع المسؤوليات، فدعونا نسأل: أليس صحيحاً أنه في طبيعة هذه المهنة وفي دورها أن تمارس وظيفتها تحت كل الظروف، سواء في ذلك ما تصنعه الطبيعة، أو ما يصنعه البشر؟ أليس صحيحاً أن المهنة – ومهما كان ما أصابها – مكلفة بالعمل في أعقاب الزلزال وفي وسط الحطام، وحتى في خضم مستنقعات الدم.

ذلك صحيح – والصحيح بعده أن البيت الصحافي العربي وأهله في ذلك الوضع، وعليهم تكليفه، وفي اختصاصهم واجب.

ثم خاطب القيمون قائلاً:

ــ والآن.. أهلاً وسهلاً بالقادمين إلى <القاهرة>، ولهم جميعاً اعتذاري لأنني لست بينهم، ثم بعد ذلك اقتراحي عليهم أن يختصروا مراسم التكريم في أضيق الحدود، وأن يكرسوا النهار كله والليل – إذا استطاعوا – لكي يفكروا ويفتشوا ويسألوا:

كيف يمكن للمهنة – وفي هذه الظروف – أن تكون آخر ريشة في آخر جناح يقدر على الطيران في أجواء مضطربة، علَّها تكفر عن نصيبها من المسؤولية باكتشاف ممر مفتوح إلى مستقبل ممكن – بدلاً من مستقبل مستحيل!