4 July,2020

الرئيس الروسي «فلاديمير بوتين» على خط الوساطة لإطفاء الحريق السياسي بين الرياض وطهران. ولكن من أين سيبدأ؟

بقلم وليد عوض

بوتين-محمد-بن-سلمان  

آخر أنباء ليل الاثنين الماضي تقول ان <غلام علي خوشرو> مبعوث إيران لدى الأمم المتحدة قدم الى الأمين العام <بان كي مون> رسالة تعهدت فيها إيران باتخاذ كل التدابير اللازمة لمنع تكرار الهجومين على السفارة السعودية في طهران والقنصلية السعودية في مدينة <مشهد>، ثاني مدن إيران، وأعربت عن أسفها لهذين الحادثين!

إقرار إيراني بالذنب.

ولعل أفدح الذنب هو تعامل إيران مع الشيخ نمر باقر النمر وكأنه مواطن إيراني لا مواطن سعودي، واعتبرت اعدامه بمثابة جريمة قتل. وهذا خطأ في التعاطي الديبلوماسي، واحترام سيادة الدول. فالشيخ نمر هو مواطن سعودي من المنطقة الشرقية، ويحمل الجنسية السعودية، وملتزم في الأساس بالقوانين السعودية، وإن كان قد خرقها بعد ذلك بالتهجم في خطبه على أهل السلطة في المملكة، وتم اعتقاله لأن خطبه تشكل خطراً على أمن البلاد.

وأنا لست ممن يؤججون الخلاف بين السعودية وإيران، وأتمنى دائماً أن تكون بينهما خطوط تلاقٍ. وأنا أذكر خطاباً للملك الراحل فهد بن عبد العزيز، طيب الله ثراه، عام 1986، سمّى فيه إيران بالجارة الصديقة. واشتباك بعض الحجاج الإيرانيين في موسم الحج مع شرطة حماية الحجيج، أفضى بعد ذلك الى قطع العلاقات السعودية مع إيران، ودامت القطيعة ثلاث سنوات.

والظلم في التعامل بين الدول أحياناً أقسى من التراشق بالسيوف. وقد جاء إعدام الشيخ نمر باقر النمر من موقع أنه سعودي خارج على القانون، وليس إيرانياً يقيم في السعودية، ولم تأخذ إيران بهذا الاعتبار بل جعلت من اعدامه قميص عثمان لتقول لشيعة المنطقة انها مرجعهم وحاميتهم، وهنا أصل المشكلة، وهي التدخل في شؤون الآخرين، ومخالفة كل المعاهدات والقوانين الدولية، بدءاً من معاهدة جنيف التي تمنع الاعتداء على السفارات.

ولرد الظلم عن المملكة العربية السعودية بادرت البحرين والسودان وموريتانيا الى قطع علاقاتها الديبلوماسية بإيران، وخفضت دولة الإمارات التمثيل الديبلوماسي مع إيران، فجعلته على مستوى قائم بالأعمال لا أكثر، ومن يدري؟! فقد تكون هناك دول أخرى أبدت تضامنها مع المملكة العربية السعودية واتخذت الموقف السلبي من إيران.

ونحن في لبنان تعاملنا مع المملكة العربية السعودية وإيران على أساس أنهما قوتان اقليميتان، ينبغي أخذهما في الحسبان، وكلما ورد حديث عن الشغور الرئاسي كان هناك تركيز على الدور السعودي أولاً والدور الإيراني ثانياً في إنهاء هذا الشغور. وهذا وزير الخارجية اللبنانية جبران باسيل يقول في مجالسه انه حين حضر <مؤتمر فيينا> الخاص بالحل السوري، شاهد خلوة بين وزير الخارجية السعودي عادل الجبير، ووزير الخارجية الإيراني <محمد جواد ظريف>، وعلم فيما بعد ان تلك الخلوة الثنائية تطرقت الى الوضع في لبنان ووسيلة إنهاء الشغور الرئاسي.

 

مخاوف واشنطن وموسكو وباريس

سلمان-صباح

وعندما تعلن واشنطن وموسكو وباريس تخوفها من تداعيات الأزمة السعودية ــ الإيرانية على مجريات المنطقة، ولاسيما الحل في سوريا، والوضع في العراق واليمن، فهي لا تنطلق من فراغ، لأن انفجار الموقف بين الرياض وطهران قد ينسف كل محاولات التسوية في المنطقة.

وأول المتخوفين هو الرئيس الأميركي <باراك أوباما> الذي يعتبر الاتفاق النووي الأميركي ــ الإيراني من انجازات عهده، وهو لم ينته فصولاً بعد، والاشتباك السياسي بين الرياض وطهران قد يعطل مفاعيل ما تبقى من هذا الاتفاق، وهو الرفع النهائي للعقوبات الأميركية والأوروبية عن إيران، وتصل قيمتها الى خانة مئات مليارات الدولارات. والمتضرر الأول من عدم استكمال شروط الاتفاق النووي هو إيران.

كذلك فإن الرئيس الروسي <فلاديمير بوتين> متضرر من الاشتباك السياسي السعودي ــ الإيراني، لأن هذا الاشتباك يعطل الحل المطلوب لسوريا، وهو الحل الذي تتعهده روسيا، وتعتبره من أولويات حضورها العسكري في سوريا، وحضورها السياسي في منطقة الشرق الأوسط، لأن السعودية طرف مهم في الحل السوري من حيث رعايتها للمعارضة السورية، وإيران طرف مهم آخر من حيث رعايتها لنظام بشار الأسد ومظلتها التي تغطي وجود حزب الله في سوريا.

والرئيس الفرنسي <فرانسوا هولاند> متضرر هو الآخر من الاشتباك السياسي بين الرياض وطهران، لأنه عبر وزير خارجيته <لوران فابيوس> مشارك في أعمال اللجنة المكلفة بإيجاد الحل المطلوب للأزمة السورية، إضافة الى حضور سلاحه الجوي فوق الأراضي السورية ضمن التحالف الدولي لمحاربة قوات <داعش> التي تسببت في مقتل 130 فرنسياً وفرنسية ليل الثالث عشر من كانون الأول (ديسمبر) الماضي في التفجيرات الانتحارية.

أي ان الطاولة تنقلب على كل الأطراف إذا استمر الاشتباك السعودي ــ الإيراني ولم ينجح الوسطاء في فضه والعودة الى صفحة جديدة. وما مسارعة المبعوث الأممي الى سوريا <ستيفان ديمستورا> للسفر الى الرياض إلا لتنظيم وساطة بين السعودية وإيران حتى لا يتم نسف خطته للحل السوري من الأساس، ويسقط المزيد من الضحايا، ويتهجر المزيد من المواطنين. وقد تلقى <ديمستورا> وعداً من وزير الخارجية السعودي عادل الجبير بأن قطع العلاقات السعودية مع إيران لن يؤثر على مسار التفاوض الدولي من أجل الحل السوري.

ويعلم <ديمستورا> ان اقناع السلطات السعودية بقبول الوساطة لا يمكن أن يتم إلا إذا كفت إيران وأبواقها عن التهجم الظالم على المملكة العربية السعودية، وتكفلت بحماية البعثات الديبلوماسية السعودية في بلادها، إذا أنهيت القطيعة الديبلوماسية السعودية مع إيران، وهذا ليس مسألة أيام أو أسابيع، بل يحتاج الى عامل الوقت الذي تجري فيه مساعي التهدئة.

 

أصوات من لبنان

ونحن في لبنان معنيون بحل هذا الاشتباك، وضد أي تصعيد إيراني ضد السلطات السعودية. وعندما اتصل نائب بيروت الماروني الشيخ نديم الجميّل بالسفير السعودي في لبنان علي عواض عسيري وأعلن تضامنه مع المملكة السعودية، إنما كان ينقل عرفان المسيحيين اللبنانيين للسعودية أولاً بحكم رعايتها لاتفاق الطائف الذي أوقف حمام الدم في لبنان عام 1989، وثانياً تقديراً لتسليحها الجيش اللبناني بأسلحة فرنسية بموازنة 3 مليارات دولار.

ومن قبيل هذا العرفان، والحرص على ثلاثمئة ألف لبناني يعملون في المملكة العربية السعودية، طرح رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع عبر حسابه في موقع <تويتر> سؤالاً برسم اللبنانيين وهو: ما الذي يدفع البعض الى تعريض الأمن القومي اللبناني للخطر من خلال مهاجمة دول عربية صديقة وشقيقة بهذه الحدة من دون مبرر له علاقة بالمصلحة اللبنانية لا من قريب ولا من بعيد؟.

وكان سمير جعجع يشير بذلك الى خطاب أمين عام حزب الله السيد حسن نصر الله يوم الأحد الماضي، وتعرض فيه للأسرة السعودية المالكة، وهذا بطبيعة الحال لا يرضي سواد اللبنانيين الذين يقدرون في المملكة السعودية تضحياتها من أجل لبنان.

وقد تسلح الرئيس سعد الحريري بأعلى درجات الحكمة حين رفض الحملة الإيرانية على السعودية بسبب إعدام الشيخ نمر باقر النمر، وهو أولاً مواطن سعودي لا مواطن إيراني، تطاله قوانين العقوبات، وحرص من جهة ثانية على إبقاء حوار تيار <المستقبل> مع حزب الله في عين التينة، مقر الرئاسة اللبنانية الثانية، وعدم تعطيله بمفاعيل الاشتباك السعودي ــ الإيراني، وكل ذلك درءاً لأي تفاعل مذهبي في الشارع اللبناني.

 

نمر-النمر-3وساطة <بوتين> واجتماع الجامعة العربية

وهمة الوساطة متروكة الآن أولاً للرئيس الروسي <فلاديمير بوتين> الذي أبدى عبر الناطق باسم الخارجية الروسية استعداد بلاده للدخول كوسيط بين الرياض وطهران، وهو، من حيث المبدأ، صديق للطرفين، رغم تهمة من السعودية لطائرات <سوخوي> الروسية بالإغارة على مواقع عسكرية للمعارضة السورية المعتدلة. وهذا ما أرجأ الرحلة الرسمية التي كان الملك سلمان بن عبد العزيز ينوي القيام بها لموسكو خلال هذا الشهر.

وتأتي هذه المستجدات مع الاجتماع الطارئ لمجلس الجامعة العربية بعد غد الأحد في القاهرة، لإدانة الانتهاكات الإيرانية لحرمة السفارة والقنصلية السعوديتين في طهران و<مشهد>، وكذلك التدخلات الإيرانية في الشؤون الداخلية للبلدان العربية.

وكان لدولة الكويت وأميرها الشيخ صباح الأحمد موقف مناهض للتصرفات الإيرانية وقال مصدر مسؤول في وزارة الخارجية الكويتية عن الاعتداء الذي تعرضت له السفارة السعودية والقنصلية السعودية في <مشهد>: <هذا الاعتداء يمثل خرقاً صارخاً للأعراف والاتفاقيات الدولية واخلالاً جسيماً بالتزامات إيران الدولية بأمن البعثات الديبلوماسية وسلامة طاقمها>.

ولكن.. من أين سيبدأ الرئيس <بوتين>؟!

يجب أن يبدأ من الطرف الظالم، أي إيران، لأنها نسيت أو تناست ان الشيخ نمر باقر النمر هو مواطن سعودي أولاً وآخراً، وليس مواطناً إيرانياً. كذلك من هناك، من طهران، يجب أن يبدأ بعدما اتهمها وزير الخارجية السعودي عادل الجبير بالتدخل في شؤون دول الخليج بالمال والسلاح.

وسيأخذ <بوتين> في هذه المهمة ضوءاً أخضر من الولايات المتحدة، فتكون وساطة باسم موسكو وواشنطن وباريس إذا شاءت.

ومهمة <بوتين> محفوفة بالأشواك والألغام، ولكنه برغم كل ذلك، يبقى المؤهل لإطفاء البركان المشتعل في المنطقة.

وكما قال الرئيس الفرنسي السابق <فرانسوا ميتيران>: يجب ترك الوقت… للوقت!