25 September,2018

الرئيس الحريري... بين قروش السياسة والبحر

سعد-الحريرييُشهد لـ آل الحريري في لبنان منذ بداية إنخراط الرئيس الشهيد رفيق الحريري المعترك السياسي وصولاً إلى تبنّي نجله الرئيس سعد الحريري خط والده والسير عليه منذ العام 2005، بأنهم خلقوا حالة سياسية فريدة من نوعها قلما شهدتها الدول البعيدة والقريبة. حالة تُعبّر عن علاقات صداقة صادقة مع الخارج والداخل، جعلت منهم نقطة التقاء وانطلاق نحو تأسيس الاستقرار السياسي والاقتصادي والامني.

ولكن مع استشهاد الرئيس رفيق الحريري كان الامتحان الأكبر لما بناه هذا الرجل من خط وطني، وهو بناء الشخصية السنية الميثاقية العابرة للطوائف بالممارسة والفكر الوطني الحاسم للانتماء الى لبنان، فتفجّر الغضب الشعبي دون اصطفاف ولا غرائز حيث نزل الموارنة والارثوذوكس والشيعة والدروز، قبل السنة على الأرض للتعبير عن غضبهم، وتوالت الأزمات على هذا الخط السيادي الذي انتج تجربة فريدة في تاريخ لبنان فكانت <ثورة الارز> و<قوى 14 آذار> التي ظلمت نوعاً ما، ما يُعرف بالشيعة المُستقلين بعدما تم إبعادهم عن قصد أو من دونه، عن المراكز الأساسية داخل هذا المكوّن.

اليوم يحاول الرئيس سعد الحريري لملمة الجراح التي تسببت بها كل تلك التسميات وتصحيح الخلل القائم فيها، وذلك من خلال نظرة موحدة تُشبه نظرته للوطن الذي يُريده ويحلم به، وطن خارج الفرز المذهبي يكون القرار فيه للدولة وحدها. لا شك ان مُهمة الرجل صعبة خصوصاً وانه يعمل على خطين مزدوجين: الأول الحد من تأثر <سُنّة لبنان> بما يجري حولهم وتحديداً في سوريا، كي لا يُصبح الفرز المذهبي أو التعصب الغرائزي، هو المُتحكّم بسير علاقاتهم مع بقيّة الطوائف والمذاهب، أما الخط الثاني فهو المشروع الوطني الحاسم بالانتماء الى الجمهورية الذي بناه والده والذي اصبح النجل مؤتمناً عليه ولو كلفه الأمر طعنات في ظهره هنا، والإنقلاب عليه هناك.

وبعيداً عن السياسة وهمومها، ظهر الرئيس سعد الحريري مؤخراً على إحدى القنوات المحلية مُحاطاً بأطفال يعانون من امراض في القلب، فظهر كم أن قلبه يتسع للحب والإنسانية التي أبكته في أكثر موقف. حضن الطفلة زهراء منذ بداية الحلقة حتى نهايتها. أجلسها في حضنه وأطعمها من معلقته، فارتسمت على وجهه صورة الأب والأخ الحنون حتى كدنا لا نصدق أن هذا الرجل الذي وقف على طلب كل طفل وسمع معاناتهم وأحلامهم ودمعت عيناه أمام الكثير من المشاهد، هو رئيس وزراء لبنان.

بالنسبة إليه، السياسة ليست حقداً أو كراهية او كمائن للأذيَّة، كما أنها ليست غدراً أو قلة وفاء أو ان الصدق فيها غبّ الطلب. خصومه قبل حلفائه شعروا غالباً أن الاختلاف مع هذا الرجل مريح كما التحالف، فهو شريف في الخصومة وشريك في التحالف، خصمه كما حليفه لا يخشى ان يدير ظهره واستطراداً لا يخشى الطعن، فالرئيس سعد الحريري لا يحمل سكيناً للطعن بل لساناً حلواً دافئاً وروح الصدق والدعابة، فمَن من حلفائه كان خائباً معه؟ ومَن من خصومه شعر بالغدر منه؟

سعد الحريري رجل حر في ممارسة حياته الخاصة عندما تسمح له الظروف. يهوى أنواعاً كثيرة من الطعام، يحن لأصدقاء المقاعد الدراسية، يُمارس هوايات عديدة منها ركوب الدراجات النارية وغالباً ما يُمارسها أثناء الليل على مقربة من وسط العاصمة، وقد سبق للرئيس الأميركي السابق <جورج بوش> أن أهداه في إحدى الزيارات، سترة جلدية وخوذة واقية ونظّارات خاصة. كما سبق للحريري أن تحدث عن عشقه للسيجار الكوبي وعن هواية الغطس وإطعام أسماك القرش. لكن كل هذه الأمور، لا تُنسيه أن الله سخّر له السلطة والمال ليضعهما في مكانهما الصحيح، حتى يكاد أن يكون الوحيد بين زعماء العالم الذين استلموا الحكم وهم أغنياء، لكنهم خرجوا منه من دونه.

الشاب الذي تبلورت شخصيته أثناء دراسته في جامعة <جورج تاون> والذي أدار أهم الشركات في العالم <سعودي أوجيه> وهو في عمر 26 والعاشق لسروال الجينز وقميص <البولو> والذي يستمتع بكل ما تراه عينه، لم يعد يسأل عن حجم البياض في شعره بل عن حجم السواد في وطنه.