23 August,2019

”الذئب مبسوط“ نفذ اعتداءه عشية عيد الفطر ووحده ”الأمن الاستباقي“ يقضي على غيره من ”الذئاب“!

متسرعة كانت التوصيفات التي أطلقت على الارهابي عبد الرحمن خضر مبسوط منفذ العملية الارهابية في طرابلس عشية عيد الفطر، والتي أدت الى استشهاد ضابط ورقيب في الجيش اللبناني، وعنصرين من قوى الأمن الداخلي، وانتهت بمقتل الارهابي لدى اقتحام قوة من القوة الضاربة في مديرية المخابرات في الجيش الشقة التي تحصن بها في المدينة والتي لجأ إليها وحطم مدخلها للاحتماء فيها بعدما روع المدينة وتنقل مطلقاً النار على العسكريين، بدءاً من السرايا وصولاً الى مبنى مصرف لبنان في المدينة، قبل اقتحامه الشقة السكنية والاختباء فيها.

أما التسرع في توصيف حال الارهابي مبسوط عندما نفذ جرائمه وما قيل انه يعاني من <اضطراب نفسي> وانه كان تحت تأثير معاناته خلال وجوده في السجن… فليس له في الواقع ما يبرره، ذلك ان ملف مبسوط ليس خالياً من أي اشارات <ارهابية> فهو كان في سجن رومية وغادره في 12 أيلول (سبتمبر) 2017 بعد أن أنهى مدة عقوبة الحبس التي حكم بها بموجب حكم صادر عن المحكمة العسكرية الدائمة تاريخ 20/1/2017 قضى بحبسه سنة ونصف السنة بتهمة محاولة الانضمام الى تنظيم <داعش> الارهابي بقصد القيام بأعمال ارهابية. وكان الأمن العام أوقف مبسوط في مطار رفيق الحريري الدولي في 12/8/2016 بعد توقيفه من السلطات التركية وترحيله الى لبنان. ثم أعيد توقيف مبسوط لفترة خلال تقدمه للعمل في مرفأ طرابلس وأطلق يومها في ظروف لم تتضح أسبابها بعد.

إلا ان ما لم يعلن في الحكم الذي صدر عن المحكمة العسكرية في حق مبسوط، هو ما تجمع لدى فرع المعلومات من معطيات كانت كفيلة وحدها، لوعرضت أمام هيئة المحكمة، أن تعدّل بالحكم. ذلك ان مبسوط الذي غادر الى سوريا بقصد <الجهاد> والالتحاق بـ<داعش> في <الرقة> خضع بالفعل لدورة شرعية، وكلفه تنظيم <داعش> تفجير حقيبة مفخخة بمسؤول <جبهة النصرة> في سوريا <أبو هريرة>، لكنه لم ينفذ العملية و<قبض> مبلغاً من المال من <جبهة النصرة> بعد ابلاغ أحد أبرز المسؤولين فيها بـ<المهمة> التي كُلف بها، خصوصاً انه كان على معرفة مسبقة بـ<أبو هريرة> ولم يشأ قتله! وبعد ذلك طلب مبسوط إعادته الى لبنان فكان له ما أراد لكن السلطات التركية اعتقلته ورحّلته جواً الى بيروت. وثمة تفاصيل أخرى عن تنقل مبسوط في سوريا من مكان الى آخر وممارسته الالتزام الديني وإيمانه المطلق بضرورة <الجهاد>، وهو ما عبّر عنه في مراسلات الى زوجته وأفراد عائلته وعدد من أصدقائه. وفيما تحوم شبهات كثيرة حول مهمات قد يكون مبسوط نفذها بعد عودته الى لبنان وبقيت غير معروفة، فإن مصادر التحقيق أكدت لـ<الأفكار> ان مبسوط الذي كان وحيداً في تنفيذ <الغزوة في سبيل الله> في طرابلس ليلة العيد ــ كما سماها هو في رسالة صوتية الى زوجته ضمّنها اعلانه طلاقها ــ لا يمكن أن يكون منفرداً في التحضير لها لاسيما وانه اشترى رشاشاً استعمله في الاعتداء وقنابل يدوية وجعباً وكمية من الرصاص، وهذه الذخائر والأسلحة ليست في متناول أي كان ولا يمكن التداول بها بسهولة، لاسيما القنابل اليدوية والجعب المسلحة. من هنا كانت حركة القوى العسكرية والأمنية سريعة في توقيف عدد من معارف مبسوط ورفاقه، ولاسيما الذي وفّر له السلاح والذخيرة.

 

باع أثاث منزله ليشتري السلاح!

وفي معلومات المصادر نفسها ان التحقيقات سوف تصل الى معطيات واضحة لكشف <اللغز> الذي شكلته تصرفات مبسوط العدائية ضد الجيش والقوى الأمنية التي أطلق النار في اتجاه أفراد منها ليلة عيد الفطر من دون أن يستهدف مدنيين على رغم انه كان يتنقل بسلاحه الرشاش بين المدنيين الذين غصت بهم شوارع طرابلس ليلة العيد. وهذا الأمر يجعل من الصعب الجزم ما إذا كانت فعلة مبسوط فردية، أم انها جزء من مخطط كان يحضّر للفيحاء عشية عيد الفطر وتعثر تنفيذه بعد ردة الفعل الأمنية القوية التي أدت الى مقتل مبسوط بعد ساعة ونصف ساعة من تبادل اطلاق النار بينه وبين الجيش وقوى الأمن. وسواء كان الذين سهلوا حصول مبسوط على السلاح، على علم بما فعله أم لم يكونوا، فإن مجرد بيع أسلحة رشاشة وقنابل يدوية الى شخص كان يفترض أن يلفت نظر <البائعين> الى ان وراء الأكمة وما وراءها وبالتالي كان يفترض عليهم ابلاغ المسؤولين الأمنيين للتنبه.

ولعل ما يضع الأجهزة الأمنية والعسكرية أمام مهمة دقيقة وحساسة، ان مبسوط الذي وصف بـ<الذئب المنفرد> له ماضٍ يظهر <حنكته> في التعاطي مع هذه الأنواع من الاعتداءات الارهابية، وقد يكون شراؤه السلاح بأموال أمنها من بيع أثاث منزله الذي كان اشتراه والده، من الوسائل التي استعملها لتضليل التحقيق وعرقلة الأجهزة الأمنية وإبعاد الشبهات عن وجود <ذئاب منفردة> أخرى ينسق معها، خصوصاً ان تنظيم <الدولة الاسلامية> (داعش) لم يتبن <غزوة مبسوط> بالكامل، بل قالت مصادره ان مبسوط <استجاب لطلب أمير المؤمنين بتنفيذ عمليات فردية لاستنزاف دولة الطاغوت>، وانه لم تكن هناك <بيعة رسمية> بين مبسوط و<الدولة الاسلامية> التي لم ينتم إليها بارتباط مباشر، بل <آمن بفكرها>!

 

220 قاتلوا في سوريا وعادوا

 

وكشفت مصادر أمنية ان ثمة معلومات وردت إليها تؤكد بأن تعميماً صدر عن قيادة <داعش> الى <جميع محبي فكر الدولة الاسلامية سواء كانوا منتسبين أو مبايعين ومحبين> بالقيام بعمليات استنزافية لضرب <مفاصل الدول في كل مكان>، وان ما فعله مبسوط يندرج في هذا الإطار، لاسيما وان جريدة <النبأ> المعتمدة رسمياً من <داعش> نشرت خبر الاعتداء الارهابي في طرابلس تحت عنوان <مقتل 4 من جند الطاغوت اللبناني بهجمات في طرابلس>، وجاء في الخبر ان عبد الرحمن مبسوط هو الذي نفذ الهجمات وأُتبع اسمه بعبارة <تقبّله الله>، مع ما يعني ذلك من تبن غير مباشر من <داعش> لـ<غزوة مبسوط>. من هنا، تضيف المصادر الأمنية، فإن الاجراءات سوف تتزايد ومعها عمليات أمنية استباقية لمواجهة هذا النمط الجديد من الاعتداءات الارهابيةلاسيما وان الاحصاءات والمعلومات الأمنية تتحدث عن أن عدد اللبنانيين الذين شاركوا في القتال في سوريا الى جانب <داعش> و<جبهة النصرة>، وصل الى ما يقارب 950 لبنانياً، قُتل منهم 250 في المعارك التي دارت، ولا يزال نحو 280 منهم في سوريا أو هم لم يعودوا بعد الى لبنان. أما العدد الذي عاد فقارب من 420 شخصاً، أمضى 220 منهم محكومياتهم في السجن وخرجوا. وهنا ــ تضيف المصادر ــ تكمن المشكلة، خصوصاً ان هؤلاء قد يكونوا <مشاريع ذئاب> مماثلة لعبد الرحمن مبسوط ما يعني ان خطرهم يبقى محدقاً بالاستقرار في أي لحظة، خصوصاً ان هؤلاء الذين خرجوا من السجن لم يُخضعوا لأي عملية إعادة تأهيل كما يحصل عادة في الدول التي تأوي سجناء ارهابيين!

من هنا، فإن القوى الأمنية، على مختلف أسلاكها، ستكون أمام امتحان صعب إذ ان من ضرورات الأمن الاستباقي أن يوضع ذوو الاسبقيات في عالم الارهاب تحت المراقبة المشددة بعد خروجهم من السجن. غير ان السجالات السياسية ــ الاعلامية التي تلت اعتداء طرابلس لا توحي بأن بعض القيادات السياسية تدرك خطورة المرحلة التي قد تكون <غزوة مبسوط> فاتحة لها. ذلك ان هذا النوع من الاعتداءات لا يمكن مواجهته بالسبل التقليدية، بل بتعاون كامل بين الأجهزة الأمنية يتجاوز <الشكليات> الى ما هو جدي وحقيقي، ومن غير الجائز أن يكون <التنافس> في وسائل الإعلام بين الأجهزة الأمنية أقوى من التعاون الفعلي في ما بينها، ولا بد استطارداً من الاستفادة من <دروس> اعتداء طرابلس لئلا تتفوق <الذئاب المنفردة> على الأجهزة الأمنية اللبنانية المجتمعة… هذا إذا اجتمعت!

يقول مرجع عسكري مطلع ان <مستنقع الارهاب> لم يجف كلياً، والأمن الاستباقي هو <الدواء> الكفيل بتجفيفه ولو على مراحل لئلا يسقط الشهداء في زمن السلم بعدما استطاعوا الانتصار في زمن الحرب!