25 April,2019

الدين العام تجاوز ٧٠ مليار دولار الشهر الماضي والحبل على الجرار!

رغم الفراغ الرئاسي والشلل التشريعي والرقابي في مجلس النواب والتعثر الحكومي في معظم الملفات فما زال لبنان أفضل بكثير من العديد من الدول العربية بفضل الاستقرار النسبي أمنياً وحتى سياسياً. وإذا نظرنا إلى الاقتصاد والوضع المالي من رياضالمنظار نفسه، أي أننا بخير بالنسبة لغيرنا، يتبين أن النمو الاقتصادي السنوي في البلد يراوح عند نسبة ٢ بالمئة وهو أفضل من سنوات كثيرة في عهد الرئيس إميل لحود وبعض سنوات عهد الرئيس ميشال سليمان. أما مالياً، فالعجز في الموازنة ينخفض بوتيرة ثابتة والودائع المصرفية تزيد سنوياً حوالى ١٠ بالمئة رغم كل المشاكل التي يعانيها البلد. باختصار الوضع العام ليس بهذا السوء الذي نتصوره.
هل يعني ذلك أن وجود رئيس للجمهورية كان مجرد فولكلور؟ أم أن حركة المجلس النيابي هي بمعظمها بلا بركة؟ أم أن حكومة ترجئ جلسة البت بالموازنة إلى أجل غير مسمى لا تختلف عن حكومات عديدة قبل ٢٠٠٥ كانت ترسل الموازنة في وقتها إلى المجلس النيابي طالما أن العجلة الاقتصادية تدور بالسرعة نفسها؟
نظرية الأفضلية النسبية لا تبني دولة، وأن نعزي أنفسنا بقول ان ما نحن فيه هو أفضل الممكن لا يصنع مستقبلاً، وأن نشهد على فساد بنيوي يطحن الكثير من الإدارات ومؤسسات الدولة ليس عملاً وطنياً.
هناك معيار وحيد اليوم يشير إلى أزمة حقيقية في النظام اللبناني. ليس هو النمو الاقتصادي الذي لا يزال مقبولاً بالنسبة إلى ما يحصل حولنا من حروب وأزمات وعدم وجود منافذ برية للتصدير والاستيراد. وليس المعيار الودائع المصرفية وأرباح المصارف. المؤشر الحقيقي إلى عمق الأزمة في البلد اليوم هو الدين العام.
هناك عدة عوامل تجعل من الدين العام الآفة الكبرى اليوم بالنسبة إلى لبنان:
١- نسبة النمو السكاني للبنانيين لا تزيد عن واحد بالمئة بينما نمو الدين العام يتجاوز ٨ بالمئة سنوياً. يعني ذلك أن حصة الفرد من الدين العام تزيد كل سنة، وطالما أن خفض الدين يكون عن طريق الضرائب، فإن الضريبة على كل لبناني ستكون في تصاعد مستمر.
٢- هناك علاقة عكسية غير خطية بين نمو الدين العام والنمو الاقتصادي، أي أن نمو الدين بنسبة معينة يؤثر على النمو الاقتصادي بنسبة سالبة أكبر بكثير، هذا يعني أنه يصبح من الصعب جداً مستقبلاً تحقيق نمو اقتصادي يفوق الخمسة أو الستة علي حسن خليلبالمئة مهما استقرت الأحوال السياسية والأمنية.
٣- السبب الرئيسي اليوم في تراجع الإنفاق الحكومي رغم نمو واردات الخزينة هو حجم خدمة الدين الذي تجاوز ٤ مليار دولار سنوياً وسيشكل حوالى ٣٠ بالمئة من مجموع النفقات في العام ٢٠١٥. وتضخم خدمة الدين يعيق الإنفاق الحكومي الاستثماري ويلجم النمو الاقتصادي.
مع تخطي الدين العام في لبنان حاجز السبعين مليار دولار وتجاوز نسبة الدين من الناتج المحلي ١٤٠ بالمئة، يخطو البلد خطوات ثابتة نحو سيناريو يوناني. صحيح ان الاقتصاد ما زال يتنفس اليوم من تحويلات اللبنانيين المغتربين والوضع المالي برمته مرتكز عليها، ولكن ذلك لم يعد يطمئن بما يكفي لأن تفاقم الدين من دون أي ضوابط وإمكانية وصوله إلى ٧٥ مليار في ٢٠١٦ وأكثر من ثمانين مليار في ٢٠١٧ هو سرطان مالي يتفشى في الاقتصاد وينبئ برزم ضريبية تهدد النسيج الاجتماعي كله.
يقال ان غياب رئيس الجمهورية وتعطل المجلس النيابي دليلان على الخطر الكياني الذي يهدد لبنان. الأصح أن النمو المتفلت للدين العام هو إشارة حسية إلى أن مستقبل لبنان في مهب الدين.