19 September,2018

واحد وسبعون عاماً على تأسيس جامعة الدول العربية وأبو الغيط الأمين العام الجديد

بقلم صبحي منذر ياغي

5

  رغم المواقف والانتقادات التي تُوجّه لجامعة الدول العربية، وعلى الرغم من كل العثرات والمطبات التي اصطدمت بها الجامعة خلال مراحل نشوئها وعملها، تظل الآمال متجهة نحو الدور الذي تلعبه هذه الجامعة في إطار ترسيخ التعاون العربي ورسم معالم المستقبل المشرق للدول العربية، والبعض يجد أن هذه المؤسسة هي المكان الوحيد الذي يجمع الملوك والرؤساء العرب، وقد جاء تأسيسها نتيجة الآراء والمواقف التي أطلقها المفكرون العرب لبعث الأمة من رقادها.

الجامعة العربية كمؤسسة اقليمية بقيت مستمرة رغم الظروف المادية التي تعصف بها، فضلا عن الخلافات والصراعات العربية التي تنعكس سلبا على اعمالها واعمال دوائرها.

ومؤخراًَ شهدت الجامعة العربية جدلاً ونقاشاً حول انتخاب الامين العام الجديد، الى ان حُسم الامر بانتخاب وزير الخارجية المصرية الأسبق أحمد أبو الغيط أميناً عاماً خلفاً لنبيل العربي، فيما أعلنت الدوحة تحفظها عن اختيار ابو الغيط.

وجرى العرف على أن يكون الأمين العام للجامعة من دولة المقرّ التي كان كل الأمناء منها منذ تأسيسها في العام 1945، باستثناء مرّة واحدة فقط، تولىّ فيها التونسي الشّاذلي القليبي هذا المنصب، عقب نقل مقر هذه المنظمة الإقليمية إلى تونس إثر توقيع مصر اتفاقية <كامب ديفيد> مع إسرائيل في العام 1978.

وتشير المصادر ان تحفظ دولة قطر كان بسبب مواقف عدائية سابقة لابو الغيط تجاه قطر، إلا أن الأمر حُسم بالتوافق في اجتماع تشاوري ثالث لوزراء الخارجية العرب، اذ أعلن وزير خارجية البحرين خالد بن أحمد الخليفة أن المشاورات العربية خلصت الى <الموافقة على تعيين احمد ابو الغيط اميناً عاماً للجامعة العربية لمدة خمس سنوات اعتباراً من 1 يوليو (تموز) 2016>. وقال وزير خارجية قطر محمد بن عبد الرحمن آل ثاني: <كان بودنا ان يكون هناك توافق على شخص الأمين العام المرشح، لذلك كان هناك مزيد من التشاور حول هذا الموضوع>.

وأضاف: <ورغبة منا وحرصاً منا على الا يؤثر ذلك على العمل العربي المشترك، فنحن سنكون مع هذا التوافق رغم تسجيل تحفظنا على هذا المرشح ونتمنى ان يطلع الامين العام بمهام مسؤولياته ويتعامل مع كافة الدولة العربية بما يخدم مصلحة العمل العربي المشترك ويثبت لنا انه اهل لهذا التوافق ويزيل بذلك اسباب اي تحفظ>.

احمد-ابو-الغيط-1ابو الغيط في سطور….

وأبو الغيط، الذي يبلغ الرابعة والسبعين من العمر، كان وزيراً لخارجية مصر في العام 2004 وظل في موقعه حتى آذار / مارس 2011 اذ احتفظ بحقيبة الخارجية في حكومة تسيير الاعمال التي شُكلت فور اسقاط مبارك في 11 شباط/ فبراير من العام نفسه. وقد تدرج في وزارة الخارجية المصرية التي التحق بها في العام 1965 بعد عام من تخرجه من كلية التجارة في جامعة عين شمس، وشارك عندما كان لا يزال ديبلوماسياً شاباً في الفريق الذي أجرى مفاوضات <كامب ديفيد> مع إسرائيل في العام 1978، وتنقل خلال مسيرته المهنية بين عواصم عدة من بينها روما وواشنطن وموسكو حتى أصبح مندوباً لمصر لدى الامم المتحدة في العام 1999 قبل ان يتم استدعاؤه ليصبح وزيراً للخارجية في تموز/ يوليو عام 2004 ثم تقاعد بعد تركه منصبه الوزاري.

الجامعة والحلم العربي

 

عندما تأسست الجامعة العربية في الثاني والعشرين من آذار (مارس) 1945، كانت طموحات البعض أن تسجل هذه الجامعة خطوة أولى على طريق «الوحدة العربية الشاملة>. فقد رزح العرب تحت النير العثماني لمدة أربعة قرون، ثم كانت مرحلة الاستعمار البريطاني والفرنسي، والتي خضعت لها الشعوب العربية رغم قتالها الى جانب الحلفاء ضد العثمانيين، وهذا ما عبّر عنه الشاعر اللبناني بشارة الخوري (الأخطل الصغير) عندما قال: <كنا من الحلفاء، فلما تحقق النصر صرنا بين الغنائم>.

وكان اندلاع الثورات في أنحاء العالم العربي ضد المستعمرين نتيجة بلورة فكرة الوحدة العربية في العصر الحديث، مع بلورة الأفكار القومية التي بدأ يطلقها عدد من المفكرين العرب، وفي طليعتهم عدد من المفكرين اللبنانيين، ومع تنامي التيار الداعي الى الوحدة العربية مع بداية الحرب العالمية الثانية، وقد عملت بريطانيا على استغلال هذا التيار وجعله يصب في خدمة مصالحها، فانطلقت تدعو الى اتحاد بين الدول العربية.

 

مخاض التأسيس

الوزير-البريطاني-ايدن--4

يشرح الدكتور الجامعي والباحث محمد المجذوب المرحلة التي سبقت ولادة الجامعة بقوله «في 29 أيار (مايو) 1941 وقف «انطوني ايدن> وزير خارجية بريطانيا في مجلس العموم وأدلى بتصريح قال فيه: «لبريطانيا تقاليد طويلة من الصداقة مع العرب، وهي صداقة قد أثبتتها الأعمال وليس الأقوال وحدها، ولنا بين العرب عدد لا يُحصى ممن يرجون لنا الخير، أن العالم العربي خطا خطوات واسعة بعد الحرب العالمية الأولى في طريق الاستقرار السياسي والتقارب القومي، وكثيرون من مفكري العرب يريدون السير خطوات أخرى في سبيل الاتحاد، وأن العرب يتطلعون الى نيل تأييدنا في مساعيهم نحو الهدف ولا ينبغي أن ندع هذا النداء من دون جواب… وحكومة صاحب الجلالة من ناحيتها ستدعم كل مشروع او خطة يتفقون عليها للوصول الى هذا الهدف>.

وبعد عام تقريباً من خطاب «إيدن>، دعا رئيس الوزراء المصري مصطفى النحاس كلاً من رئيس الوزراء السوري جميل مردم ورئيس الكتلة الدستورية اللبنانية بشارة الخوري للتباحث معهما في القاهرة حول فكرة «إقامة جامعة عربية لتوثيق العرى بين البلدان العربية المنضمّة لها>. وشهدت الفترة الواقعة بين عامي 1942 و1944 لقاءات واجتماعات ومؤتمرات عدة دعت الى قيام اتحاد عربي والى التنسيق بين الدول العربية. وفي أيلول (سبتمبر) 1943 بدأت المشاورات الثنائية بين مصر وكل من الأردن والعراق وسوريا، وصدرت تصريحات ووجهات نظر كثيرة من كل من نوري السعيد من العراق وتوفيق أبو الهدى من الأردن وسعد الله الجابري من سوريا ويوسف ياسين من السعودية ورياض الصلح من لبنان، ووفد اليمن. ثم كان الاجتماع التحضيري الذي انعقد في الاسكندرية في 25 أيلول (سبتمبر) 1944، وشهد تقديم اقتراحات من بينها إقامة الوحدة العربية، والاتحاد الفيديرالي، وإنشاء جامعة تضم الدول العربية المستقلة. وبعد نقاشات مطولة جرى الاتفاق على إنشاء الجامعة العربية ووضع الأسس التي يجب أن تقوم عليها، وعُرف هذا الاتفاق باسم <بروتوكول الاسكندرية>.

بروتوكول الاسكندرية

كان من الممكن أن يكون اسم <جامعة الدول العربية> «التحالف العربي> كما اقترحت سوريا أو «الجامعة العربية» كما كان يريد العراق والوفد المصري، إلا أن اسم «جامعة الدول العربية» اقتُبس من المشروع اللبناني. ويقول احمد الشقيري «ان الوفد اللبناني حرصاً منه على توكيد الصفة الدولية للجامعة اختار تلك التسمية (جامعة الدول العربية)>، وانطلاقاً من ذلك راح الميثاق يردد لفظة «الدول العربية»… ولم يرد في أي مادة من مواد الميثاق تعبير «الأمة العربية»، وقد نص «بروتوكول الاسكندرية> على اجتماعات-التاسيس--2المبادئ الآتية:

– قيام جامعة الدول العربية من الدول العربية المستقلة التي تقبل الانضمام إليها، ويكون لها مجلس تُمثل فيه الدول المشتركة في الجامعة على قدم المساواة.

ــ مهمة مجلس الجامعة: مراعاة تنفيذ ما تبرمه الدول الأعضاء في ما بينها من اتفاقات، وعقد اجتماعات دورية لتوثيق الصلات بينها، والتنسيق بين خططها السياسية تحقيقاً للتعاون في ما بينها ولصون استقلالها وسيادتها من كل اعتداء بالوسائل السياسية الممكنة، والنظر بصفة عامة في شؤون البلاد العربية.

ــ قرارات المجلس ملزمة لمن يقبلها، في ما عدا الأحوال التي يقع فيها خلاف بين دولتين من أعضاء الجامعة ويلجأ الطرفان إلى المجلس لفض النزاع بينهما، ففي هذه الأحوال تكون قرارات المجلس ملزمة ونافذة.

ــ لا يجوز اللجوء إلى القوة لفض النزاعات بين دولتين من دول الجامعة، كما لا يجوز اتباع سياسة خارجية تضر بسياسة جامعة الدول العربية أو أي دولة من دولها.

ــ يجوز لكل دولة من الدول الأعضاء في الجامعة أن تعقد مع دولة أخرى من دول الجامعة أو غيرها اتفاقات خاصة، لا تتعارض مع نصوص هذه الأحكام وروحها.

ــ وأخيراً الاعتراف بسيادة واستقلال الدول المنضمة إلى الجامعة بحدودها القائمة فعلاً.

كما اشتمل البروتوكول على قرار خاص بضرورة احترام استقلال لبنان وسيادته، وعلى قرار آخر باعتبار فلسطين ركناً مهماً من أركان البلاد العربية، وحقوق العرب فيها لا يمكن المساس بها من غير الإضرار بالسلم والاستقلال في العالم العربي، ويجب على الدول العربية تأييد قضية عرب فلسطين بالعمل على تحقيق أمانيهم المشروعة وصون حقوقهم العادلة.

كان «بروتوكول الإسكندرية> الوثيقة الرئيسية التي وُضع على أساسها ميثاق جامعة الدول العربية. وبعد اكتمال مشروع الميثاق كنتاج لستة عشر اجتماعاً انعقدت في مقر وزارة الخارجية المصرية بين 17 شباط (فبراير) و3 آذار (مارس) 1945، أُقر الميثاق بقصر «الزعفران> في القاهرة في 19 آذار (مارس) 1945، بعد إدخال بعض التنقيحات عليه.

 

ميثاق الجامعة

تألف ميثاق الجامعة من ديباجة وعشرين مادة وثلاثة ملاحق خاصة: الملحق الأول خاص بفلسطين، والملحق الثاني خاص بالتعاون مع الدول العربية غير المستقلة. أما الملحق الثالث والأخير فهو خاص بتعيين عبد الرحمن عزام الوزير المفوض في وزارة الخارجية المصرية كأول أمين عام للجامعة لمدة عامين. وفي 22 آذار (مارس) 1945 تم التوقيع على ميثاق جامعة الدول العربية، وتكونت الجامعة العربية من اجهزة اساسية ثلاثة هي: مجلس الجامعة، اللجان الخاصة، والأمانة العامة.

 

ام كلثوم: <زهر الربيع>

 

وبعد الاعلان عن تأسيس الجامعة غنت كوكب الشرق الراحلة أم كلثوم أول قصيدة عربية في هذه المناسبة، كتبها الشاعر محمد الأسمر ومطلعها:

<زهر الربيع يرى أم سادة نجبُ وروضة أينعت أم حفلة عجبُ>

وختم محمد الأسمر قصيدته ببيت من شعر حافظ ابراهيم:

جامعة-الدول-العربية--3<هذه يدي عن بني مصر تصافحكم فصافحوها تصافح نفسها العرب>

وكانت لهذه القصيدة ضجة حينئذٍ كونها كانت أول قصيدة عربية تغنيها أم كلثوم ويلحنها زكريا أحمد.

 

الجامعة والصراعات

تعاني الجامعة اليوم من موضوع تحديها للازمات العربية، وخصوصاً الازمات العربية التي تمر بها الدول العربية في ظل الثورات والاوضاع المتفجرة في سوريا واليمن وليبيا والعراق. .. وقد تشعبت هذه الازمات، رغم محاولات الجامعة في ان تكون صاحبة الحل في هذا الاطار، ويرى الزميل عبد الوهاب بدرخان ان الجامعة تمر باختبار صعب في تعاملها مع الأزمة السورية، فهي ملامة بسبب العجز عن فرض <حل عربي>، ولأنها لم تعرف كيف تدفع بـ<حل سوري>، ويؤخذ عليها أنها لم تفعل ما يلزم لإنضاج <حل دولي>، غير أن الجامعة – ومن دون الدفاع عنها – بذلت أكثر مما هو متاح لها، محاولةً التكيف مع واقع الانتفاضات الشعبية والقيم التي دافعت عنها، بل ذهبت الى أبعد ما يسمح به ميثاقها وآليات عملها وتراث تجاربها والانقسامات الموضوعية وغير الموضوعية بين أعضائها.

ويعتبر بدرخان انه عندما وفرت الجامعة التغطية <الشرعية> لتدويل الأزمة الليبية، كانت تتخطى، للمرة الأولى عملياً، واقع أنها هيئة تمثل الأنظمة والحكومات، إذ كان موقفها من ليبيا آنذاك يقوم على تأييد إسقاط النظام السابق، وإذا كانت عارضت في ما بعد كيفية تطبيق <الناتو> للقرار الدولي إلا أنها لم تتخل عن الهدف، وإن لم يكن معلناً بوضوح في خطابها، ولعلها كانت لتؤيد <حلاً سياسياً> بين النظام والمعارضة لكنه لم يتبين أن ثمة خطوط لمثل هذا الخيار>.

إلى ذلك فقد اعتبر السفير بشار ياغي في مكتب الجامعة العربية في دردشة مع <الافكار> انه من عدم الانصاف تجاهل دور الجامعة العربية في الكثير من الازمات التي مر بها الوطن العربي من سياسية الى اقتصادية، وما لعبته من دور فاعل خلال الحروب العراقية – الايرانية واحتلال العراق للكويت، وصولا الى دورها في اطلاق مبادرات السلام على هامش القمم العربية، وما زالت الجامعة تشكل صلة الوصل الوحيدة بين الدول العربية والمكان الوحيد الذي يُعتبر فعلاً (بيت العرب)، دون ان ننسى انه رغم كل الصعوبات المادية ورغم التجاذب الاقليمي والدولي والواقع العربي المتفجر، اثبتت الجامعة صلابتها وبقاءها رغم الاعاصير الدولية.

 

الاعلام المرفوض

من جانب آخر دعا الدكتور مجدي حماد (مدير الجامعة اللبنانية الدولية) الى ايجاد إعلام خاص بالأمانة العامة للجامعة في الأقطار العربية إذ أن كل ما يتم في الجامعة على علاته لا يوجد له إعلام في الأقطار العربية، وهذا في ذاته دليل آخر على عدم اكتراث الأقطار العربية بالجامعة حيث أنها تدافع عن استقبال مراكز اعلامية للامم المتحدة بينما ترفض فكرة فتح مكاتب للجامعة، رغم اصرار الأمانة العامة على هذه الفكرة مراراً، فقد رفضت الأقطار العربية كلها هذه الفكرة لأنها كانت تخشى أن يشيع هذا المكتب فكرة القومية العربية.

ورأى حماد أن الأمل يظل قائماً في أن تحاول الدول العربية الحفاظ على جامعة الدول العربية، ويستند هذا الأمل الى خبرة الجامعة في نصف قرن، فالدول العربية تحتاج الى الجامعة، حتى ولو كانت غير فاعلة وغير موثوق بها، لأن معظم هذه الدول لا تزال في حقيقة الأمر اضعف من أن تجازف وتقرر دخول عرين السياسة الدولية منفردة، ولأن معظم هذه الدول ــ وربما كلها ــ مهددة الآن في هويتها وتماسكها الاجتماعي، كما أن ثمة دول مهددة في كيانها.