23 September,2018

عملية تدوير النفايات مهمّة إجبارية وليست مهمة تجارية، ومبادرة المستهلكين في التعامل معها تتقدم كلّ الأولويات!

 

بقلم وردية بطرس

imageان مشكلة النفايات في لبنان لم تعد تحتمل المزيد من الصبر، لا بل تخطت كل المعايير… صحيح انها ليست فقط مشكلة لبنانية بل متفشية في كل العالم، وهي تتفاقم نتيجة تكاثر عدد السكان وتكاثر المشتريات، الا انها تبقى المشكلة الأكبر في لبنان بسبب التراكمات المتبقية دون معالجة منذ زمن الحرب في الثمانينات والتسعينات. ففي العالم اليوم لا يوجد شيء اسمه مساحات مفتوحة لرمي النفايات، وبعض الدول تعتمد نظام الطمر في معالجتها للنفايات كما هي الحال في لبنان، كما وان تقنية الطمر استراتيجية غير متطورة لمعالجة النفايات الصلبة خصوصاً ان لبنان لا يصلح لقيام المطامر على أرضه بسبب طبيعته الجغرافية غير المسطحة، وان البقاع اللبناني المسطح يبقى غير صالح لتعذر حماية المياه الجوفية من اي تلوث محتمل ناتج عن المطامر. أما بالنسبة لإدارة النفايات، فهي تبدأ من المنزل بالتوفير في استخدام كل المواد التي تشكل مادة أساسية للنفايات مثل أكياس البلاستيك التي باتت غير معتمدة في التسوق في أوروبا، وتنتقل المعالجة الى الفرز والتدوير وهما محطتان أساسيتان وأوليتان في عملية إدارة النفايات الصلبة، والمرحلة النهائية هي مرحلة الطمر، والمطامر لا تزال معتمدة في بعض الدول مثل الولايات المتحدة الأميركية لكن وفق نظام مُشدّد لمنع تلوث البيئة والمياه الجوفية. أما المرحلة الأخيرة والأكثر تطوراً في إدارة النفايات فتكمن في اعتماد تقنية الحرق التي من شأنها القضاء على النفايات وتخمير انتاجها لجهة استخدام الرماد الصادر عن الحرق كإسمنت إضافة الى توليد الطاقة الكهربائية بفعل الحرارة المتأتية عن الحرق.

ان إدارة النفايات أو <Waste Management> هي عملية مراقبة وجمع ونقل ومعالجة وتدوير أو التخلص من النفايات، ويُستخدم هذا المصطلح عادة للنفايات التي تنتج عن نشاطات بشرية، وتقوم الدول بهذه العملية لتخفيف الآثار السلبية للنفايات على البيئة والصحة والمظهر العام، وتُستخدم هذه العملية أيضاً للحصول على الموارد وذلك الاستاذ-فاروق-مرعبيبإعادة التدوير، ويمكن ان تشمل معالجة النفايات المواد الصلبة والسائلة والغازية والمواد المشعة.

وتختلف معالجة النفايات بين الدول المتقدمة والدول النامية، وبين المناطق الحضرية والمناطق الريفية وبين المناطق السكنية والمناطق الصناعية.

ومعالجة النفايات غير الخطرة او السكانية او المؤسساتية في المناطق الحضرية الكبرى عادة ما تكون من مسؤولية السلطات الحكومية المحلية، في حين ان معالجة النفايات غير الخطرة الصناعية والتجارية عادةما تكون من مسؤولية مُصدّر هذه النفايات اي المنتج.

وتجدر الإشارة الى المخطّط الأول لإدارة النفايات الصلبة في لبنان في العام 1982، وذلك خلال فترة انعدام الاستقرار الأهلي، وقد نُفذ جزء ضئيل من هذا المخطّط. وفي فترة إعادة الاعمار بداية التسعينات يمكن القول ان اول إدارة فعلية وتخطيطية للنفايات الصلبة في لبنان وُضعت بين عامي 1994 و 1996، وبدأ تنفيذها في العام 1997 وذلك على اثر تكليف مجلس الانماء والاعمار تنفيذ الخطة الطارئة، المقترحة من وزارة البيئة، لإدارة النفايات الصلبة المنزلية في بيروت الكبرى. وقد دعا هذا المخطّط الى اغلاق مكب النفايات في برج حمود، والى تأسيس نظام إدارة متكاملة للنفايات الصلبة البلدية يتألف من تجميع وفرز ومعالجة النفايات والتخلص منها. وفي ما يلي وصف موجز لهذا المخطّط بحسب الأرقام المدرجة في التقارير المستخدمة:

أولاً خدمات التجميع: تتضمن هذه الخدمات مستوعبات لتجميع النفايات وعدداً من شاحنات لجمع ونقل النفايات البلدية تخدم بيروت الكبرى. وقد وُسع نطاق خدمات التجميع ليشمل غالبية أقضية بعبدا، عالية، الشوف، المتن، وكسروان بالنسبة لأعمال تجميع النفايات الصلبة البلدية وكنس الشوارع والطرقات.

ثانياً: خدمات الفرز والترزيم: وتتضمن هذه الخدمات تأهيل وتشغيل موقعين لاستلام وفرز ومعالجة النفايات الصلبة البلدية الخام في كل من العمروسية والكرنتينا بسعة اجمالية قدرها 1700 طن يومياً، طبقاً لما تحدّد مبدئياً في العقد. إضافة الى تأهيل وتشغيل مستودع واحد تمّت اضافته من أجل تخزين وفرم المواد الكبيرة القابلة لإعادة التدوير ويقع على الشاطى الشمالي بالقرب من مدخل مكب برج حمود.

ثالثاً: خدمات التحويل الى سماد <التسبيخ>: تتضمن هذه الخدمات تأهيل وتشغيل معمل لتحويل المواد العضوية المفرزة الى سماد (معمل كورال بسعة 300 طن يومياً) ويستخدم هذا المعمل نظام <ويندر> للتسميد والتخمير.

رابعاً: خدمات النقل والتصريف النهائي: ترتكز هذه الخدمات على نقل كمية من النفايات الى موقعين: الأول في منطقة الناعمة الذي يُستعمل كمطمر صحي للتخلص من النفايات الصلبة البلدية المفروزة والمجمعة بشكل رزم مغلفة بمادة <النايلون>، والآخر في منطقة بصاليم للتخلص من المواد الكبيرة الخامدة والمفرومة.

وبعد ان جرى الاستخدام الكامل للخليتين رقم 1 و 2 من مطمر الناعمة واللتين تغطيان مساحة حوالى 120000 م2 بسعة قدرها 2 مليون طن من النفايات، تمّ اعداد خلية ثالثة إضافية بمساحة 62000 م2، وكان من المرتقب ان يصل مطمر الناعمة الى طاقته الاستيعابية القصوى بنهاية العام 2006 كحد أقصى، وعليه كان يتوجّب تأمين مواقع بديلة للطمر، تكون جاهزة فنياً قبل مضي هذه الفترة الزمنية.

 

الدكتورة-مي-مسعودماذا تقول أستاذة الكيمياء؟

 

وقد أُقيمت ورشة عمل لدى الجامعة الأميركية تتناول مسألة إدارة النفايات الصلبة تحت إشراف الدكتورة نجاة صليبا، وهي أستاذة الكيمياء التحليلية في الجامعة الأميركية ومديرة مركز حماية الطبيعة ورئيسة فريق عمل إدارة النفايات الصلبة في الجامعة. وهي حائزة على بكالوريوس الكيمياء من الجامعة اللبنانية في العام 1982، وبعد ذلك قامت بتدريس الكيمياء في المدارس الثانوية. وبعد الخبرة في مجال التدريس، قررت ان تكمل دراستها في ولاية كاليفورنيا وحصلت على شهادة الدكتوراه من جامعة جنوب كاليفورنيا، وعملت بعدها لمدة سنتين لتحصيل شهادة دكتوراه أخرى من جامعة <كاليفورنيا> في <ايرفين>. وهي تقوم بتدريس دورات في الكيمياء التحليلية في الجامعة الأميركية، وتدير مركز حماية الطبيعة في الجامعة، وكانت قد عُيّنت مؤخراً رئيسة لقسم الكيمياء. وتدير الدكتورة نجاة مختبر الغلاف الجوي في الجامعة الأميركية حيث البحوث المبتكرة حول عمليات الغلاف الجوي الاقليمية مثل السموم الموجودة في دخان النارجيلة وكيمياء العقاقير من النباتات المتوطّنة في الشرق الأوسط، وقد نُشر لها أكثر من 40 بحثاً. وعن عملية إعادة التدوير تشرح الدكتورة نجاة صليبا:

– ان عملية إعادة التدوير مهمّة اجبارية، وليست مهنة تجارية. وتتطلّب إدارة النفايات قدراً كبيراً من الارادة والتغيير في السلوك لحث الأفراد على تخفيض استهلاكهم واعادة الاستعمال بهدف تقليص كمية النفايات التي يجب فرزها وإعادة تدويرها بقدر الامكان. وبالتالي يحتل الأفراد قمة هرم إدارة النفايات الصلبة، اذ ان مبادرتهم ضرورية. وتماماً مثل اي حركة في التاريخ، سوف يبدأ التغيير مع الأفراد أولاً.

ولقد عرضت الدكتورة صليبا خريطة الطريق التي عمل عليها فريق العمل طوال الأشهر الثلاثة الماضية، وتقول:

– ان خطتنا تهدف بشكل أساسي الى تغطية الجوانب التقنية والاستراتيجية لخطة مقترحة سابقاً. هذه الخطة تتطلّب من الأفراد البدء بالفرز في كيسين على المستوى المنزلي، وذلك باستخدام النظام المألوف لتوضيب النفايات العضوية في أكياس سوداء والنفايات القابلة للتدوير في أكياس زرقاء. بعد هذا الفرز الأولي، يتم جمع الأكياس من قبل البلديات وتُفرز المواد القابلة للتدوير على مستوى البلدية او القضاء الى بلاستيك، معادن، ورق وكرتون، وزجاج. بعد ذلك يهتم القضاء او البلدية او النقابة بمعالجة جميع المواد القابلة للتدوير وتسبيخ المواد العضوية، ومن ثم يتم طمر او حرق فقط المواد المتبقية التي لا يمكن إعادة تدويرها. كذلك ان العمل الجماعي بين البلديات سيكون مفيداً جداً، اذ انه سيسمح للبلديات ان تتشارك العبء المالي والاداري لنقل النفايات والمواد الضرورية، وكذلك تأسيس وتشغيل مراكز للفرز وإعادة التدوير و<التسبيخ>. السيناريو المثالي اذاً هو ان يعمل اتحاد البلديات كوحدة متكاملة.

وتتابع الدكتورة صليبا قائلة:

– بدأ فريق عمل إدارة النفايات الصلبة في الجامعة الأميركية بتحضير مبادرات ومشاريع منذ ان قمنا بنداء للحركة في أواخر شهر تموز (يوليو) الماضي. فبعد إقفال مطمر الناعمة بعد اثني عشر عاماً من التأخير، اجتمع ستة وسبعون أستاذاً وطالباً وموظفاً من الجامعة الأميركية، وهم يعملون بشكل دؤوب منذ ذلك الحين، محاولين تقديم منظور علمي حول الأزمة. ولا يركز فريق العمل على المشاريع فقط، بل يسعى كذلك لنشر كافة النتائج بأسرع وقت ممكن من أجل تسهيل الوصول الى الحقائق العلمية وخلق مواطنين مطلعين وموضوعيين.

مرعبي يعدّد الخارات المتاحة

للتخلّص من النفايات

 

وبدوره يعدّد الأستاذ فاروق مرعبي مدير قسم الصحة البيئية والسلامة وإدارة المخاطر في الجامعة الأميركية الخيارات المختلفة المتاحة لإدارة النفايات في لبنان، وعن التكاليف والمساحة الضرورية والمعدات اللازمة يقول:

– بالنسبة للمجموعات الصغيرة المؤلفة من حوالى 13500 فرد والتي تنتج حوالى عشرة أطنان من النفايات يومياً، فإن الآلآت اللازمة تشمل خط فرز صغيراً مع آلة لخلط السباخ بالإضافة الى غربال لتنقيته، أما بالنسبة للتجمعات السكانية التي تتراوح بين 40000 و 135000 فرد والتي تنتج ما يصل الى مئة طن من النفايات يومياً، فمن الضروري ان يتم استخدام تقنيات أكثر تطوراً للفرز و<التسبيخ>، بالإضافة الى ضرورة استخدام أكثر من غربال و<بيوفيلتر> أو <ترشيح بيولوجي> وهو أسلوب للسيطرة على التلوث وذلك باستخدام المواد الحية عبر عملية التقاط الملوثات وتحليلها بيولوجياً بشكل تدريجي. وتتضمن الاستخدامات الشائعة معالجة مياه الصرف، والتقاط المواد الكيميائية الضارّة او الطمي من جريان المياه السطحية، وأكسدة الأحياء الدقيقة للملوثات في الهواء، ومن أمثلة الترشيح البيولوجي: ممرات بيولوجية، وأشرطة بيولوجية، وأكياس بيولوجية، وأجهزة غسل بيولوجية، ومرشحات تقطير لمعالجة روائح <التسبيخ>. و<التسبيخ> هو عملية ميكروبيولوجية طبيعية تفكك البتكيريا من خلال تخمير الجزيئات العضوية الموجودة داخل النفايات، وتحرّر هذه العملية بخار الماء وثاني أوكسيد الكربون والمواد المغذية التي تُستخدم في تحسين التربة. ان استخلاص المواد العضوية من خلال <التسبيخ> يخفض كمية النفايات التي تتطلب التخلص النهائي، مما يسمح بتوفير مساحة الأرض للمطمر واطالة عمر المطمر الموجود. ان <السبّاخ> مادة آمنة محسنة للتربة وجاهزة للاستخدام، رائحته مثل رائحة التراب لكنه يختلف عن السماد العضوي باحتوائه على نسبة أقل من المواد المغذية. يحسن <السبّاخ> نوعية التربة من خلال: مساعدة التربة الرملية على حفظ الرطوبة، جذب ديدان الأرض، موازنة معدل الـ<بي اتش> للتربة، اشباع التربة بالهواء. وتتم عملية <التسبيخ> على مرحلتين: المرحلة الأولى: هي عملية التخمير وتتراوح بحسب التقنية المتبعة من 7 الى 60 يوماً، والمرحلة الثانية: مرحلة النضج التي يمكن ان تجري في الهواء الطلق وتدوم حوالى 30 يوماً. ولإنجاح عملية <التسبيخ> تجب مراقبة العنصر البيولوجي (البكتيريا)، العناصر الكيميائية (مستوى الرطوبة، المواد المغذية والحموضة) والعناصر الفيزيائية (حجم الجزئيات، الحرارة والخلط)…  ويوضح الدكتورة-نجاة-صليباهذا المثال تنوع خيارات إدارة النفايات وبالتالي تعقيد عملية اتخاذ القرارات الصائبة.

حلّ عند الدكتورة مسعود

 

ووفقاً للدكتورة مي مسعود من قسم الصحة البيئية في الجامعة الأميركية:

– لم يستطع الأخصائيون في ورشة العمل تحديد حل عام لجميع القرى، اذ انه <لا وجود لحل عام> و<لا يمكننا ان نختار حلاً واحداً ونتوقع ان يناسب الجميع. ان النهج الذي يتبعه فريق العمل هو نهج شامل وديناميكي، إذ انه يتكيف مع حاجات كل قرية في ما يتعلق بالمساحة والكثافة السكانية والممارسات المحلية وغيرها. هناك حاجة الى استراتيجية متكاملة مستندة الى تقييم الأثر البيئي، وذلك لتلبية الحاجات المختلفة لكل بلدية وبحسب خصوصياتها>.

لا شك ان إدارة النفايات الصلبة قضية معقدة في لبنان. ففي وقت طوّر القطاع الخاص بعض الخبرات وأنشأ بعض المحطات لإعادة تدوير النفايات ومعالجتها، بقيت الحكومة اللبنانية <مقصرة>، وأحياناً كثيرة غائبة عن مواكبة هذه الجهود على صعيد اكتساب المعرفة والاستفادة منها. من هنا انطلقت حملة التوعية لفرز النفايات لتشكل عنصراً مهماً من عناصر برنامج إدارة النفايات الصلبة. ويكمن الهدف من هذه الحملة في تشجيع المواطنين على المشاركة في تحسين إدارة النفايات في البلدات اللبنانية، وادخال مفهوم التنمية المستدامة الى المجتمع الأهلي عن طريق خلق وعي بيئي واستحداث ثقافة جديدة تحث المواطن على الفرز من المصدر لتطوير مفهوم إدارة النفايات الصلبة.