24 September,2018

الدكتورة لمى بنداق بلطجي: عوامل داخلية وخارجية لدى المراهق تؤدي الى سلوك عدواني!

1 تعد المراهقة من أخطر المراحل التي يمر بها الانسان ضمن أطواره المختلفة التي تتسم بالتجدد المستمر، ومكمن الخطر في هذه المرحلة التي تنتقل بالانسان من سن الطفولة الى سن الرشد هي التغيرات في مظاهر النمو المختلفة الجسدية والفيزيولوجية والعقلية والاجتماعية والانفعالية والدينية والخلقية والصراعات المتعددة الداخلية والخارجية التي يتعرض لها الإنسان. ويعد سلوك المراهق في اي مجتمع من المجتمعات من الأمور التي تستدعي الملاحظة الدقيقة والمستمرة، ومن ثم تقييم هذا السلوك بالسلب أو الايجاب من طرف الأساتذة والباحثين، وغيرهم من المتخصصين في علم النفس والاجتماع وغيرهم.

وهذا التقييم يرجع لكون المراهقين يشكلون النسبة الأهم في المجتمع التي تشكل مستقبل الأمة، ففي استقامتهم استقامة المجتمع ونهضته وتقدمه، ولكن بعضهم يجنح للتمرد على السلوكيات الراسخة في المجتمع، وقد يصل الأمر الى حدوث انحرافات قانونية أو اجتماعية أو اخلاقية.

حساسية المراهق

ويعتقد علماء النفس ان حساسية المراهق الانفعالية تعود الى عدم قدرته على التوافق مع البيئة التي يعيش فيها اذ يفسر كل مساعدة من قبل والديه على انها تدخّل في أموره الخاصة. وفي هذا الأمر اساءة لمعاملته والتقليل من شأنه، كما يؤكد علماء النفس ان معاملة الوالدين السيئة للمراهقين تشعر هؤلاء بفقدان الأمان وتضع في أنفسهم بذور التناقض الوجداني وتنمي فيهم مشاعر النقص والعجز عن مواجهة مطالب الحياة كما تعودهم على كبت انفعالاتهم وتوجيه اللوم الى أنفسهم وعندما يكبرون تصحو الصراعات القديمة لديهم وتظهر العدوانية.

من جهة اخرى، أكدت الدراسات العلمية ان اكثر من 80 في المئة من مشاكل المراهقين في عالمنا العربي نتيجة مباشرة لمحاولة أولياء الأمور تسيير أولادهم بموجب آرائهم وعاداتهم وتقاليد مجتمعاتهم، ومن ثم يحجم الأبناء عن الحوار مع أهلهم، لأنهم يعتقدون ان الآباء اما انهم لا يهمهم ان يعرفوا مشاكلهم أو انهم لا يستطيعون فهمها أو حلها. وقد أجمعت الاتجاهات الحديثة في دراسة طب النفس على ان الأذن المصغية في تلك السن هي الحل لمشاكلهم، كما ان ايجاد التوازن بين الاعتماد على النفس والخروج من زي النصح والتوجيه بالأمر الى زي الصداقة وتبادل الخواطر، وبناء جسر من الصداقة لنقل الخبرات بلغة الصديق والأخ لا بلغة وليّ الأمر، هو السبيل الأمثل لتكوين علاقة حميمة بين الآباء وأبنائهم في سن المراهقة.

وقد أثبتت دراسة قامت بها المدرسة المتخصصة للدراسات الاجتماعية في الولايات المتحدة على حوالى 400 طفل من سن الروضة وحتى سن الـ 24 (أعمارهم تتراوح بين 5 و9 و15 و18 و21 سنة) ان المراهقين في الأسرة المتماسكة ذات الروابط القوية التي يحظى أفرادها بالترابط واتخاذ القرارات المصيرية في مجالس عائلية محببة يشارك فيها الجميع، ويهتم جميع أفرادها بشؤون بعضهم البعض، هم الأقل ضغوطاً والأكثر ايجابية في النظرة للحياة وشؤونها ومشاكلها في حين كان الآخرون أكثر عرضة للاكتئاب والضغوط النفسية.

المراهق يمر إذاً بمراحل عديدة وخبرات سارة ومؤلمة ولا شك ان الاحتكاك المباشر بالناس ينضج مع الممارسة الصحيحة. وقد تنجم المشاكل السلوكية نتيجة لعوائق داخلية عدة (نفسية – أسرية) أو مثيرات خارجية (الأقران – الاعلام). ومهما تكن الأسباب، فإن المراهق لديه القدرة على تحمل تبعات سلوكه ولا بد ان يعتاد المرونة في تصويب زلاته وتجاوز الصعوبات، وتحسين علاقاته الاجتماعية. ويحتاج المراهق الى الشعور بالآخرين واحترام حقوقهم وهذا لا يتحقق الا عندما نراعي مشاعره اولاً ونحترم شخصيته المستقلة وثانياً، نسمح له بالمشاركة في حل مشاكله في جو اسري يقوم على تبادل المشاعر وتواصل الخبرات، والتغاضي عن الهفوات وتصويب لا تصيد الزلات. وبالتالي هذه الأمور تساعد في زيادة الوعي للتغلب على المشاكل والسلوكيات السلبية لدى المراهق.

بلطجي والتوجيه المهني

فما هي أهم المشاكل والسلوكيات السلبية التي يمر بها المراهق والمراهقة؟ وكيف تظهر العدوانية عند المراهق؟ والى اي مدى يتأثر المراهق بالعوامل الخارجية وكيف يمكن مساعدته لتخطي ذلك؟ وغيرها من الاسئلة طرحتها « الافكار» على الدكتورة لمى بنداق بلطجي (حائزة الماجستير في التربية (التربية المختصة) من جامعة القديس يوسف في بيروت، وتعمل الدكتور لمى في مجال التقويم التربوي والتوجيه المهني والتعليم الجامعي، واعدت اطروحة الدكتوراة في التربية في الجامعة اللبنانية. كما انها باحثة في علوم التربية والتعليم والتربية المختصة) ولها العديد من الأبحاث والمقالات حول موضوع التربية والتربية المختصة ونسألها اولاً:

ــ كيف يمكن تعريف مرحلة المراهقة؟

– المراهقة في اللغة العربية هي من كلمة <راهق> وتعني الاقتراب من شيء. اما في علم النفس فهي تشير الى اقتراب الفرد من النضوج الجسدي والعقلي والاجتماعي والنفسي. ومرحلة المراهقة لا تعتبر مرحلة نضوج تام بل هي مجرد مرحلة تؤدي تبعاتها واحداثها الى النضوج. والمراهقة هي الفترة العمرية من سن 11 الى 21.

ــ هل هناك تقسيم ضمن فترة المراهقة يمكن من خلاله فهم سلوكيات المراهق؟

– لقد قام اختصاصيو في علم النفس بتقسيم مرحلة المراهقة الى ثلاثة أقسام، وذلك بسبب اختلاف فترة مرحلة المراهقة بين مجتمع وآخر وهي:

مرحلة المراهقة الأولى بين 11 و14 عاماً وتتصف بتغيرات بيولوجية سريعة. مرحلة المراهقة الوسطى بين 14 و18 عاماً حيث يتم اكتمال التغيرات البيولوجية. مرحلة المراهقة المتأخرة بين 18 و21 عاماً حيث يتحول المراهق الى راشد من جهة المظهر والسلوك.

ــ ما هي اهم المشاكل أو السلوكيات السلبية لدى المراهق؟

– العصبية وحدّة التعامل: يتوتر المراهق ويزداد عناده وعصبيته.

– الصراع الداخلي: يتزايد الصراع الداخلي لدى المراهق مع دخوله في تلك المرحلة. وتحدث تلك الصراعات بسبب الاختلاف بين حقيقة الأمور وترجمته لتلك الأمور.

– المشاكل الجنسية والعادة السرية: حيث يعاني المراهق من ازدياد شهوته الجنسية، فالبعض يلجأ لمشاهدة الافلام الاباحية وممارسة العادة السرية. وفي مسيرة نموهم، يسعى المراهقون الى تطوير هوية مستقلة، واتخاذ القرارات بشكل مستقل عن الوالدين.

ــ وما هي اسباب العدوانية لدى المراهق؟

– العدوانية ظاهرة نفسية اجتماعية لا يمكن ارجاعها الى سبب واحد، فهناك عوامل داخلية واخرى خارجية تؤدي الى ظهور السلوك العدواني: اولاً، العوامل الداخلية: ومنها الاسباب الجسدية، مثل النشاط الزائد الناتج عن افرازات بعض الغدد مثل الغدة الدرقية والغدة النخامية. وتذهب كثير من الدراسات الى ان زيادة هرمون <التستوستيرون> تجعل المراهقين الذكور يستجيبون بطريقة عدوانية. كما ان السلوك العدواني يصدر عن الأفراد الذين يتسمون بافراط أو ضعف في السيطرة على هدوئهم عند تعرضهم للمواقف الصعبة مما يصدر عنهم العنف الشديد.

ثانياً، العوامل الخارجية وهي:

– التمرد وفردية الرأي: يشكو اغلب المراهقين من عدم فهم الأهل لهم، وعدم اعطائهم الحرية والاستقلالية. ويلجأ المراهق لكسر القوانين والسلطات وبالتالي تتكون لديه حالة من التمرد على كل ما هو اعلى أو اكبر.

 

اولاً، الاسرة: الاسرة واساليب تنشئة الوالدين. فالفرد العدواني هو نتيجة عنف الوالدين في تعاملهم معه. فعندما يستعمل الأهل الوسائل الجسدية لعقاب اولادهم، يتعلم الاولاد ان الضرب أو الاساءة البدنية هي طرق طبيعية والتعرض لهذه الأعمال القهرية تعلم التلاميذ ان العدوان هو اسلوب مقبول لحل المشكلة. تساهل أو تسامح الوالدين مع اولادهم في مواقف العدوان يساعد على تكرار السلوك. وهذا ما يجعل العدوان شائعاً عندهم. التفرقة في المعاملة بين الأبناء مما يسهم في توتر العلاقات بينهم وينعكس سلباً على جو الأسرة. كما ان غياب المرافقة الجيدة يساعد في ظهور سلوكيات غير مقبولة اجتماعياً، وقد يؤدي الى الانحراف السلوكي والتأخر الدراسي لدى المراهقين. عدم الوضوح أو الاستمرارية في المعاملة من قبل الوالدين مما يخلق مشاعر الحيرة اذ لا يستطيع المراهق في ظله التمييز بين ما هو مقبول وما هو غير مقبول. العلاقات الأسرية المفككة قد تؤثر في تعلم السلوك العدواني، فالطفل الذي نشأ في منزل تحطمت فيه العلاقات الزوجية لا يجد من يحبه أو يقلده كقدوة وينقصه رؤية حقيقة سلوكه فيجد لذة في أفعاله العدوانية دون الشعور بالذنب.

ثانياً، المدرسة: هناك عدد من العوامل التي تؤثر في المناخ المدرسي، لعل ابرزها مشكلة العلاقات الاجتماعية بين كل من التلامذة واعضاء الهيئة التعليمية والادارة، وما قد يسودها من سهولة أو صعوبة في الاتصال. فأغلب الدراسات وجدت رابطاً بين السلوك العدواني للتلامذة ومشاهدتهم للأساتذة الذين يسيئون لزملائهم، ولدور الادارة المتشدد، كما ان تأثير الزملاء الذين يرتبط بهم الفرد، وخصوصاً اذا كانوا من المنحرفين فعندئذٍ يصبحون عاملاً مساعداً على خلق السلوك العدواني.

وتتابع الدكتورة لمى بنداق:

ثالثاً، وسائل الاعلام: ان رؤية الفرد للمشاهد العدوانية في التلفزيون أو <الفيديو> أو <الانترنت> تعزز وتدعم السلوك العدواني بشرط توفر بعض العوامل منها: ان يكون لديه الاستعداد الداخلي لذلك، وان تكون درجة ذكائه متدنية عن أقرانه، وان يشاهد مناظر العنف لفترات طويلة، وان يكون محبطاً ولديه مهارات اجتماعية اقل من غيره للتعامل مع الاحباط. ولهذا من واجب القائمين على العملية التعليمية تعليم التلامذة القدرة النقدية عند مشاهدة الأشكال المختلفة من العنف في التلفزيون و<الفيديو> و<الانترنت>. والأهم من ذلك ان يكون للأهل دور ايجابي مع الأبناء عند مشاهدة هذه الأفلام بالتوضيح والتصويب.

المراهق والكوميديا السوداء

2

ــ وهل مشاهدة الكوميديا أو افلام الرعب أو قراءة القصص المرعبة هواية ام مرض؟

– ان تأثير الكوميديا السوداء أو الأفلام أو القصص المرعبة يختلف من شخص لآخر، فالبعض يرى فيها صورة من صور الاثارة الى حد الاستمتاع، والآخر يرى فيها عكس ما يشعر به داخلياً من الخضوع والاستسلام والضعف والسلبية وكأنه بمشاهدتها أو قراءتها يتمنى ان تكون حياته بمثل هذا النوع من الحيوية والتجدد والنشاط، والبعض الآخر قد يرى فيها تحقيقاً لبعض الرغبات المكبوتة لديه … ان حياة المراهقين تمتاز بعدم النضوج الانفعالي وبالتالي قد يتصورون ان مثل هذه الأفلام أو القصص قد تعطيهم الاحساس بالقوة والسيطرة التي يسعون اليها وعند اي احتكاك فعلي بالعالم الخارجي سيشعرون بكذب هذه الأحاسيس وتواضع قدرتهم في مواجهة مواقف كما يتصورون انهم عاشوها في تلك الأفلام أو القصص.

ــ ما هو اكثر ما يعزز قلق المراهق؟

– يمكن تلخيص ذلك بالخوف من العائلة أو المدرسة أو الأقران. فالخوف هو حالة عاطفية تولد من اللاوعي للحماية من المشاكل ومن اسبابه: عدم فهم <ميكانيزم> النجاح، فالنجاح ليس وليد المحاولة الأولى، فـ<توماس اديسون> فشل مئات المرات قبل ان يكتشف <اللمبة> و<بيل غايتس> رُفض مشروعه اكثر من مرة قبل ان تبصر النور <مايكروسوفت>.

وأضافت:

– وعدم القدرة على التعامل مع الفشل وسببه عدم القدرة على تحمل المشاعر المرافقة له من شعور بالعار والاحباط والخزي والذنب واكثر من ذلك في بعض الحالات. والخوف من ارتكاب الأخطاء أمام الآخرين وسببه ضعف الثقة بالنفس والحساسية العاطفية، وفي أغلب الحالات هذا الخوف هو قلق وتوتر وليس اكتئاب.

ــ هل من رسالة يمكن توجيهها للمراهق؟

– نعم، فالمراهق يحتاج الى رؤية بمعنى انه بحاجة للتطلع الى المستقبل ووضع اهداف قصيرة المدى وطويلة المدى في بعض الأوقات وتقبل الفشل وتكرار المحاولة، وكل ذلك يجب ان لا يخلو من الشغف للإنجاز اي ان يكون الدافع من الداخل. فكيف يمكن ان نصبح اقوى اذا لم نفشل، اذاً الفشل أمر جيد.