20 September,2018

الدكتورة رنا حجة: كنت على رأس فريق الأوبئة المكلف التحقيق بـ «الانتركس » في مبنى البرلمان الأميركي!

بقلم عبير انطون

Hajjeh_Rana-(Sammies-Award)  

بين عشرة ملايين موظف فيديرالي في الولايات المتحدة، قطفت الدكتورة رنا حجة جائزة أفضل موظفة فيديرالية لعام 2014 لعملها على إدخال لقاح <بكتيريا> <المستديمة النزلية – ب> في أكثر من 73 دولة الأكثر فقراً في العالم للحد من التهابات الروايا والسحايا. فقد تمكنت حجة وفريق عملها ضمن مبادرة (GAVI Hib) خلال تسع سنوات من إقناع ستين دولة بإدراج اللقاح ضمن الروزنامة الوطنية للتلقيح. ويُقدر إنقاذ حياة سبعة ملايين طفل بحلول العام 2020.

 

بنت طرابلس تتكلم

ابنة طرابلس الفيحاء قصدتها مؤخراً في زيارة خاطفة، كرمت فيها من أبناء المدينة التي نقلت افتخار كل لبنان بانجازاتها وخصت <الافكار> بهذا اللقاء الذي بدأناه معها من الجذور.

ــ كيف تعرّف ابنة طرابلس عن نفسها، ماذا تقول عن نشأتها في طرابلس، وما هي أبرز محطات سيرتها شخصياً ومهنياً؟

– لقد نشأت في كنف عائلة من الطبقة الوسطى في طرابلس، تقدّر العلم والتربية جداً. منذ الصغر، تملّكتني حشرية المعرفة وكنت أجد في القراءة والمطالعة شغفاً يفوق الوصف حتى انه كان من النادر ان يجدوني من دون كتاب بين يديّ، وما زلت أحب القراءة حتى الآن. تلقيت دروسي في مدرسة <البنات الوطنية للروم الارثوذكس> حيث تعلمت اللغة الانكليزية ونلت فيها شهادتي الثانوية قبل قراري بالالتحاق بالجامعة الاميركية في بيروت وحصولي على شهادة الطب منها (1981-1988). كانت هذه السنوات رائعة بالنسبة لي حتى وسط الحرب الاهلية ما غيّر حياتي ومسار مهنتي. سافرت الى الولايات المتحدة لأقوم بالتدرب ضمن اختصاصي في الطبّ الداخلي ومجال الأمراض الجرثومية في جامعة <ايموري> في <اتلنتا>. التقيت فيها بزوجي الدكتور عماد الكبي خلال سنتي الاولى وتزوجنا في العام 1989. انهيت دراستي في جامعة <ايموري> في العام 1993 وعلمت بشأن برنامج <سي دي سي> (مركز مكافحة الأمراض واتقائها) للتدرّب فيه في مجال الأوبئة لسنتين. وكان ذلك بمنزلة نقطة تحوّل جديدة في حياتي اذ اهتممت بشكل كبير بمجال الصحّة العامة.

ــ هل كان السفر الى الولايات المتحدة بحكم التخصص العلمي وحده أم كان للسفر من البلد بشكل عام؟

– سافرت الى الولايات المتحدة بهدف إكمال دراساتي الطبية وكان في مخططي العودة عقب الانتهاء من الدراسة، إلا ان لقائي بزوجي هناك وتعاقب الأمور الواحد بعد الآخر جعلني أبقى هناك بشكل خاص مع الفرص العديدة التي اتيحت لي.

 

<الانتركس> والبرلمان

ــ لماذا وقع اختيارك على اختصاص <الفيروسات> والأوبئة تحديداً وما سبب اتجاهك الى مجال الصحة العامة؟

– اخترت هذا المجال لأنني وجدته مثيراً للاهتمام والدراسة، ذلك انه يصيب الاعضاء كلها بخلاف الاختصاصات الأخرى. لقد اهتممت فعلياً بالصحة العامة عندما بدأت العمل في مركز <سي دي سي>، ذلك انني تلمّست تأثيرها الكبير. فالعمل في هذا المجال يمكن ان يكون ضخماً وعلى نطاق واسع لأننا نتعامل هنا مع صحة شعوب بكاملها بدلاً من الأفراد.

ــ ما هي أبرز الصعوبات التي واجهتك في وصولك الى إدارة قسم الأمراض <البكتيرية> في «مركز مكافحة الأمراض واتقائها» وهل ان الوجوه العربية، السيدات بشكل خاص، تتعرّض لصعوبات أكبر؟

– لم أشعر يوماً ان صعوبات التطور والوصول الى منصب في مهنتي كان سببها انني امرأة أو انني عربية – اميركية. لطالما كان الأمر مبنياً على مهاراتي وإمكانياتي وكوني الشخص المناسب في الموقع المناسب. على هذه الأسس فقط يتم الاختيار. وان أفضل مثال أعطيه حول ذلك كان عودة هجمات <الانتركس> العام 2001 في قلب واشنطن. لقد عيّنت على رأس فريق الأوبئة المكلف التحقيق في مبنى البرلمان ولم ينظر اليّ على الاطلاق على خلفيتي كعربية – أميركية. لطالما عملت بجهد كبير ولساعات طويلة جداً حتى أتمكن من الوصول الى هذه المواقع. يتطلّب عملي التضحية، ففيه الكثير من الأسفار، ما يستدعي ابتعادي عن عائلتي لأسابيع طويلة.

 

تحديات <الفيروسات>

ــ ما هي أبرز التحديات التي واجهتها لإقناع أكثر من سبعين دولة فقيرة من حول العالم بإدراج اللقاحات ضمن روزنامتها في مجال الالتهاب الرئوي والسحايا عبر طعم <بكتيريا> <المستديمة النزلية – ب>؟

– لقد واجهتنا تحديات كبيرة في عملنا لناحية لقاح الـ(HIB) ففي مثل هذه البلدان وقبل اتخاذ القرار بإدارج اللقاحات لا بد من إقناعهم اولاً بأن لديهم ما يكفي من الأمراض، وبالتالي فإنهم بحاجة الى اللقاحات. بالنسبة للإلتهاب الرئوي، كانت <الداتا> مفقودة في هذه البلدان، ذلك ان المختبرات فيها ضعيفة ويجري استخدام المضادات الحيوية بشكل واسع. لذلك وقع علينا عبء إدارة الأبحاث لتحديدالأمراض. الى ذلك، واجهتنا تحديات على صعيد التواصل: فصانعو القرار كانوا في انشغال دائم ونادراً ما كانوا يجدون الوقت لقراءة الوثائق الناتجة عن المركز والوكالات الأخرى. ما اضطرنا الى إعداد وتسهيل التجهيزات اللازمة لهم لمساعدتهم للتعرف اكثر الى هذه الأمراض وأهمية اللقاحات. وأخيراً وليس آخراً، عندما بدأنا مبادرة لقاح الالتهاب الرئوي، كان هناك مصنع واحد لتزويد البلدان النامية باللقاحات، وكنتيجة لذلك لم يكن هناك تسابق او منافسة، وبالتالي فإن سعر اللقاح لم يكن ينقص. وبنتيجة عملنا ازداد الطلب على اللقاحات واهتم اكثر من مصنع بإنتاجها ما جعل الأمور أفضل من حيث توافره ومن حيث سعره.

 

Rana-and-Secretary-Burwellالمقاولة.. وتقدير الجهد

ــ على مثال لبنان، نقطة التواصل بين الشرق والغرب، أنتِ من الوجوه التي عاشت وتعرف العالمين الشرقي والغربي. ما الذي يمكن ان تحمليه كقيمة من لبنان الى اميركا وما الذي تستقدمينه من اميركا الى لبنان؟

– كلبنانية نشأت بشكل خاص أثناء الحرب الاهلية فيه، من الطبيعي ان أتفهم بيئة البلدان النامية. كذلك، فإنني أعتقد ان اللبنانيين جميعهم يتمتعون بالفطرة بالحس التجاري المقاول ويتمتعون بمهارات عالية في التفاوض، الأمر الذي ساعدني جداً في عملي الدولي. ولا يمكن الا ان أذكر ايضاً مهاراتي اللغوية. أما ما يمكن ان أحمله من اميركا، الأمر الذي لطالما قدّرته عالياً، فهو الاحتراف والتركيز على أهمية اتقان العمل بقدرالإمكان، كما انهم يقدرون المجتهد في عمله. لقد تعلمت في اميركا اعترافهم بعمل الموظفين المجتهدين، كما تعلمت ايضاً ان تحسين انتاجية الفريق وعمله يزداد لدى شعور هؤلاء بأن عملهم محط تقدير.

ــ أين موقع لبنان برأيك على الخريطة الطبية وهل للأبحاث فيه مكانتها عالمياً؟

– أعتقد ان لبنان يمكنه ان يكون أفضل في مجال الأبحاث، لأننا نملك القدرات العظيمة والأدمغة الكبيرة، لكن ليس هناك أبحاث فاعلة متعلقة بالمناطق المهمشة. أدرك طبعاً ان الأبحاث تتطلب الموارد في العادة، لكن هناك نشاطات بحثية عديدة في مجال الطب السريري على سبيل المثال والأوبئة وهذه تتطلب موارد محدودة.

ــ ما هي أبرز المخاطر الجديدة والأوبئة التي تهدد العالم اليوم بشكل مباشر، وكيف يمكن الحد منها؟

– لقد تمّت معالجة العديد من الأمراض حول العالم اليوم مثل <الايبولا> في غرب افريقيا، <فيروس كورونا> في منطقة الخليج، و<البوليو> (شلل الاطفال) وهو لا يزال مستوطناً في باكستان، كما اننا نشهد حالات التفشي الناشئة او أمراضاً جديدة. ان الأوبئة لا تلبث ان تتغير مؤدية الى أمراض جديدة تتنقل بشكل سريع، خاصة وان الأسفار اليوم باتت أسهل في التنقل من بلد الى آخر عبر العالم. السبيل الافضل لمواجهة الأوبئة هو التزوّد بنظام مراقبة قوي يسمح لنا باستكشاف العلاجات وان يكون لنا نظام استجابة فعال مع موظفين معدّين بشكل جيد، الأمر الذي يسمح بكشف هوية الأمراض وإيجاد العلاجات لها والتحكم بها بشكل سريع.

ــ أين المختبرات والأطباء من التصدي لتصنيع الاسلحة الفتاكة والجرثومية وأين تحركاتهم في هذا الشأن؟

– هناك العديد من النشاطات والتوجيهات التي تأخذ مكانها في الولايات المتحدة للحد من إنتاج المواد الخطرة التي يمكن ان تؤذي الناس. وهناك العديد من المنظمات الأخرى المساعدة في هذا المجال.

 

 فيلم <ايبولا..>

ــ هل من سبل يمكن فيها الوقاية من الأوبئة قبل ان تحدث وليس بعد انتشارها؟

– بعض الأمراض المعدية يمكن الوقاية منها وهذا ما تجدونني اركز عليه باستمرار. ان اللقاحات هي الأداة الافضل التي نملكها الآن للوقاية من أمراض قد تكون قاتلة في سن الشيخوخة كـ<الديفتيريا>، <البوليو>، الحصبة، السحايا، و<البنومونيا> ( الالتهاب الرئوي) وغيرها. أما في المستشفيات، فإن نظافة يدوية بسيطة فضلاً عن إشراف جيد يمكن ان تحمي من الإلتهابات والعدوى.

ــ الى اي مدى يجد الطبيب في مجال الجراثيم والأوبئة نفسه معرضاً لالتقاطها، وكيف يشرح لعامة الناس سبل وقاية نفسه منها؟ (بثت إحدى محطات التلفزة مؤخراً فيلماً حول احد <الفيروسات> يصاب به الطبيب نفسه)…

–  ان الطبيب ايضاً ليس بمنأى عن العدوى ذلك انه على تماس مع هذه الأمراض، لذلك فإن عليه ان يحمي نفسه من خلال اللقاحات وطرق التحكم المناسبة عبر قناع الوجه ونظافة اليدين إلخ.. ان فيلم <ذي ايبولا> مثلاً أبرز بشكل واضح مدى خطورة إصابة العاملين في الحقل الطبي بالمرض ايضاً كتصوير حالتهم في غرب افريقيا حيث توفي بعض الاطباء والممرضات جراء <الايبولا>. في بلدان مماثلة تكون الموارد محدودة، كذلك فإن المشكلة تكمن في ان المعالج لا يعرف ما الذي يجابهه عندما يواجه مريضاً بدون عوارض محددة .

ــ ماذا عن عائلة الدكتورة حجة الصغيرة والى اي مدى ساهم زوجك الدكتور كبة بمساندتك، وهل بين ولديك نور وسامي من هو في مجال الطب ايضاً ام انهما يعملان في مجالات أخرى؟

– لقد شكلت عائلتي نقطة مهمة جداً في حياتي وأحاطتني بالحب والمساندة اللذين طالما احتجت اليهما طوال الوقت. تفهم زوجي طبيعة عملي لساعات طوال وأسفاري العديدة وكان داعماً صلباً. أحياناً أعود الى بيتي في الليل وأنسى كل هموم اليوم وأركز على عائلتي التي لطالما كان مهماً إبقاء الأمور فيها في نطاقها الصحيح. لقد شكلت عائلتي الأولوية بالنسبة لي ولا أعتقد انني كنت سأصل الى اي إنجاز من دون دعم أفرادها.

xSammies_Winners_14_First_Lady.jpg.pagespeed.icــ ماذا يعني لك لقب أفضل موظفة في أميركا وإلامَ تطمحين بعد؟  ما هو مشروعك المقبل؟

– ان اعتراف الآخرين بجهدنا محط تقدير من قبلنا، وأنا ممتنة جداً لمديري في مركز <سي دي سي> الذي رشحني لهذه الجائزة. انها حافز لي للمضي قدماً. كذلك فإنه من الاهمية بمكان لجاليتنا في <اتلنتا> التي أعيش فيها في الولايات المتحدة ان تحظى بعربية أميركية فائزة بجائزة أفضل موظفة فيديرالية. آمل ان يكون ذلك ايضاً مهماً بالنسبة للبنان. اننا نسعى دائماً الى إبراز ان اللبنانيين الاميركيين هم ذوو تحصيل مرتفع وان لعملهم تأثيراً كبيراً على مستويات عدة محلية وشاملة. أنا فخورة بجذوري اللبنانية وتراثي، وآمل ان يشكل ما وصلت اليه رسالة على ان العمل الجاد لا بد ان يصل الى نتيجة وان يكرم ويحظى بالجوائز، حتى لو جاء هذا الجهد من بنت من عائلة متوسطة الحال من طرابلس. انه ايضاً رسالة أمل لعدد من الأطفال اللبنانيين. وأود ان انتهز هذه الفرصة كي ألفت النظر الى طرابلس مدينتي التي حظيت مؤخراً بنسبة عالية من الاعلان السلبي حولها، هي المدينة التي عرفت دائماً بتاريخها العريق، بأهلها الطيبين، بفضيلة المسامحة، هي التي أنتجت نسبة عالية من الناجحين في مجالات مختلفة. أهدافي المستقبلية في مهنتي تشمل المزيد من العمل في الصحة العامة لخفض التفاوتات في مجال الصحة بين البلدان النامية والبلدان المتطورة خاصة في ما يتعلق بصحة الأطفال والنساء.

ــ هل الوصول الى عالم خالٍ من الأمراض <يوتوبيا> وخيال، ام انها قد تصبح حقيقة علمية يوماً ما؟

– لا أعتقد اننا سنعيش يوماً في عالم خالٍ من الأمراض فكما ذكرت سابقاً ما زالت <الباكتيريا> و<الفيروسات> والطفيليات تتجدد وتتطور فتجد لها سبلاً جديدة تسبب الأمراض. أفضل السبل للمواجهة تبقى في الجهوزية وان تتاح لنا تدخلات جيدة من لقاحات وتدابير أخرى.