21 September,2018

الدكتـــور عــــلي بـــــــرو أشهر مضرب عن الطعام في لبنان على طريقة «المهاتما غاندي »!

DSC01364--الدكتور-جورج-الحاج-بطرس إن الاضراب عن الطعام هو وسيلة ارادية للمقاومة السلمية، واداة ضاغطة على صانعي القرار حيث يمتنع الاسير او المعترض على وضع ما عن تناول الطعام كعمل من اعمال الاحتجاج السياسي او لتحقيق هدف محدد. والاضراب عن الطعام يكون عن المأكولات فقط دون السوائل او المياه. ولقد استخدم الاضراب عن الطعام كوسيلة من وسائل الاحتجاج في ايرلندا ما قبل المسيحية. ومن امثلة العصر الحديث <المهاتما غاندي> الذي يعد ابرز من استخدم هذه الوسيلة في معتقله في العام 1922 ابان الاحتلال البريطاني لبلاده. اما في لبنان، فلجأ الامام المغيب موسى الصدر الى الاضراب عن الطعام في مسجد الصفا لتحقيق هدفه الا وهو اخماد نار الحرب التي كانت مشتعلة بين مختلف الاطراف المسلمة والمسيحية. كما ان بعض الاسرى الفلسطينيين المعتقلين في السجون الاسرائيلية يضربون عن الطعام مثل الاسيرة هناء الشلبي وغيرها.

ومنذ اسبوعين والمهندس الدكتور علي برو ابن الشرقية ــ قضاء النبطية (حائز الدكتوراه في الهندسة الزراعية) ينفذ اضرابه عن الطعام في ساحة رياض الصلح احتجاجاً على عدم اقرار مجلس النواب سلسلة الرتب والرواتب. فلماذا قرر الاعتراض عما يحصل من حوله من خلال معدته الخاوية؟ وكيف يتحمل الجوع والحر الشديد وغيرهما… <الافكار> قصدت ساحة رياض الصلح لتتعرف اكثر على الدكتور علي برو وسألناه عن مشواره النضالي منذ ان كان طالباً لحين وصوله الى وزارة الزراعة، فيجيب مبتسماً وفي الوقت نفسه متألماً من الوضع الذي يعيشه الموظفون في لبنان:

– درست الهندسة الزراعية في بغداد وذلك في العام 1977، ثم عدت الى لبنان في العام 1978، من ثم سافرت الى السعودية لايجاد عمل ولكنني لم اوفق فعدت الى لبنان، وقررت ان اكمل دراستي لنيل الدكتوراه، فسافرت الى فرنسا وحصلت على الدكتوراه، ثم عدت الى لبنان عام 1980 وحصلت على منحة لأذهب الى بلغاريا لنيل شهادة الدكتوراه، وهناك تعرفت الى زوجتي الاولى اذ كانت تدرس طب الاسنان، فتزوجنا وانجبنا طفلنا الاول جاد وعندما عدنا الى لبنان اصطدمنا بالواقع المرير اذ لم اجد عملاً ضمن تخصصي، وزوجتي أيضاً لم يكن بإمكانها ان تفتح عيادة للأسنان. واصعب ما في الامر انه لم يكن لدينا منزل اذ كنا نقيم في منزل شقيقها او شقيقي. وفي احدى المرات، سألني ابني وهو في الرابعة من عمره: <اين سننام هذه الليلة عند شقيقك او شقيق والدتي>؟ وعندئذٍ، شعرت بالأسى ورحت ابحث عن اي وظيفة لتأمين المنزل لعائلتي لأن وزارة الزراعة لم تكن بحاجة الى هذا النوع من التخصص. وعملت كسائق تاكسي ثم وجدت عملاً في القطاع الزراعي مركز حسين حشيشو اذ كان يتوسع ويفتح له فروعاً في النبطية.

ويتابع:

– وفي العام 1995، دخلت الى القطاع العام اذ بدأت العمل كمهندس زراعي في وزارة الزراعة، وفي 2001 كُلفت كرئيس مصلحة الوزارة: مصلحة البستنة والمحاصيل الحقولية. وكان أول ملف اتسلمه في هذه المصلحة دائرة الحرير اذ وجدت أن هناك هدراً للمال، وفي 2001 اتخذت قرار توقيف المصلحة لأنني لم اقدر ان اسكت عما يحصل ولكننا لم نصل الى نتيجة، وحاولت ان أضبط الوضع ما بين 2001 و2005 ولكن دون جدوى، اذ اثار ذلك غضب المسؤولين. ففي عام 2005 رفضت التوقيع على احد الملفات الذي كانت تفوح منه رائحة الفساد، فتمسكت بموقفي وكانت النتيجة حرماني من التقديمات والبدلات الاضافية من ذلك التاريخ حتى اليوم والابقاء على راتبي فقط. وبعد 11 شهراً سأتقاعد وسأتقاضى اقل من 500 دولار. للأسف كل من يود وضع حد للفساد والهدر في هذا البلد يُعاقب ويُحرم من امور كثيرة.

لهذا أعلنت الاضراب

ــ ولماذا قررت الاعتراض عبر الاضراب عن الطعام وفي ساحة رياض الصلح بالتحديد؟

– رأيت أن افضل رد على كل محاولات التسويف والمماطلة التي يقوم بها البعض لعدم اعطاء الموظفين حقوقهم خدمة لغايات هي ضد مصلحة الوطن والمواطن هو ان اضرب عن الطعام اعتراضاً على الظلم والاجحاف بحق الموظفين من خلال عدم اقرار مجلس النواب لسلسلة الرتب والرواتب. شعرت انه علي القيام بأمر قد يوقظ ضمائر المسؤولين لأننا في السنوات الثلاث الاخيرة لم نسمع سوى وعود كاذبة. وفي آخر جلسة عقدت في مجلس النواب رأيت ان هذه الطريقة (او الاسلوب) قد تلقى  تجاوباً لأن الامر متعلق بصحة انسان وممكن ان يحرك ضمائر المعنيين، وعندما اتخذت القرار واعلمت زملائي بأنني سأتوجه الى ساحة رياض الصلح واضرب عن الطعام لعله يصل صوتي، في البداية اعتقدوا انني امزح. وبالفعل طلبت اجازة ادارية لمدة عشرة ايام لكي لا يقول لي احد انني خارج عن القانون. لقد تقدمت بطلب الاجازة على حسابي، وتوجهت الى ساحة رياض الصلح واولاً جلست مقابل منظمة <الاسكوا> فإذا الامن حولي يسألونني ماذا افعل ولماذا اجلس مقابل الاسكوا ولم يكن بحوزتي اي شي سوى حقيبة صغيرة تحتوي على اوراقي الثبوتية وبعض الاوراق، اذ كانت اشعة الشمس لاهبة واردت ان اجلس تحت ظل الشجرة فلم يسمحوا لي بالبقاء، فانتقلت الى هذا المكان حيث نقف الآن تحت تمثال رياض الصلح وعندئذٍ تقدم نحوي دركي ليسألني ماذا أفعل فأجبته ان ما اقوم به الآن من اعتراض عبر الاضراب عن الطعام ليس لأجلي بل لأجلك ولأجل كل مواطن، فطلب ان ابرز له هويتي، وفي تلك اللحظة تجمع حولي الدرك، حوالى عشرة اشخاص يطلبون هويتي وعنواني ورقم هاتفي، فقلت لهم <فتشوني> فلا احمل معي شيئاً سوى بعض الاوراق ولا أشكل خطراً على المكان العام، وبعدها غادروا ولكنهم لم يسمحوا لي ان انصب خيمة او حتى وضع شمسية صغيرة تقيني من اشعة الشمس. اتصلت بزميلتي لأرى ما اذا تم توقيع اجازتي اذ لا أريد ان أخسر عملي، فاستغربت انني موجود في رياض الصلح وانفذ اعتراضي عبر اضرابي عن الطعام، وسألتني عما اذا اتصل بي احدهم من الهيئة فأجبتها انه لم يتصل بي احد اذ يبدو انهم اعتبروا انها مجرد مزحة، وبعدما أدركت انني بالفعل مضرب عن الطعام اتصلت بالهيئة وأعلمت الجميع بذلك وبدأوا يتوافدون الي في هذه الساحة التي اخترتها تحديداً لانها مقابل السراي الحكومي وبالقرب من المجلس النيابي حبذا ان تصل هذه الصرخة الى الوزراء والنواب.

ــ وماذا عن موقف عائلتك من اضرابك عن الطعام؟

– لدي ابنان (درسا الهندسة النفطية في فرنسا) وابنة حائزة ماستر في السياحة وجميعهم يقيمون في فرنسا بعدما اكملوا دراساتهم الجامعية هناك، وام الاولاد هي طبيبة اسنان ولكننا منفصلان، اما زوجتي الحالية فهي استاذة في مدرسة ثانوية وهي دعمت قراري منذ البداية لأنها تعلم ان مطالبنا محقة، والامر نفسه بالنسبة للأبناء اذا يفتخرون بما اقوم به الآن ويشجعونني.

ــ لا شك ان ارادتك صلبة وتتحلى بالعزيمة ولكن كيف تتحمل على الصعيد الجسدي بدون طعام وتحت اشعة الشمس الى ما هنالك؟ وهل ستكمل اضرابك اذا لم تُلبَ مطالبكم؟

– لطالما كنت احافظ على رشاقتي من خلال التمارين الرياضية اذ اختبرت الحياة الكشفية في شبابي، كما كنت اشارك في مسابقات للجمباز والسباحة وكرة القدم وكرة السلة. ولطالما اهتممت بنوعية الغذاء وبشرب كمية كبيرة من الماء، فكل هذه الامور منحتني بنية جسدية سليمة. صحيح ان الهدف من الاضراب عن الطعام هو تحقيق المطالب ولكنني لا اشعر بالتعب أو الدوخة لانني من الاشخاص الذين اعتنوا بصحتهم. طبعاً اشعر بالتعب احياناً بعد الظهر لأنني لا انام بشكل جيد، كما انني اشرب الماء وهذا يساعدني قليلاً، كما انني ادخن. ادرك ان المسؤولين لن يلتفتوا إلي ولكنني لن اعدل عن اضرابي لحين النظر بمطالبنا وتحقيقها.

رأي الطبيب الحاج بطرس

أما من الناحية الطبية، فهل يتحمل الانسان الجوع؟ وكيف؟ وهل يؤثر ذلك على وظائف الاعضاء في جسم الانسان وغيرها من الاسئلة طرحناها على البروفيسور الدكتور جورج الحاج بطرس الاختصاصي في الجهاز الهضمي والكبد، فسألناه اولاً: ماذا يحدث للانسان اذا امتنع عن تناول الطعام سواء في حالة الاضراب عن الطعام او ما شابه، فيقول:

– أولاً: الانسان بحاجة الى الطعام لانه يحتاج الى مصدر طاقة، وهذا المصدر هو الطعام الذي يدخل الى الجهاز الهضمي ويحضره لامتصاص الغذاء. وعندما نكون بدون طعام لمدة طويلة عندها يلجأ الانسان الى الخزان الموجود في جسمه الذي يحتوي على مواد دهنية وسكرية وبروتينية، مبدئياً نستعمل قسماً من الطعام الذي نتناوله والقسم الآخر نخزنه، نأخذ القسم الذي يحتاجه جسم الانسان وذلك حسب الحركة اليومية والباقي يُخزن، والكبد يخزن ولهذا ترين اليوم الاشخاص الذين يعانون من الوزن الزائد يُصابون بالكبد المشبع بالدهون.

ويتابع:

– ولأننا في شهر رمضان المبارك، فيجب التذكير بأن الصائم يمر بثلاث مراحل خلال فترة الصيام وهي: هناك الصيام القصير اي ثلاثة او اربعة ايام وهذا ليس له تأثير سلبي، لان جسم الانسان يتأقلم مع ذلك. اكثر من ذلك هناك دراسات تفيد بأن الصيام مفيد لصحة الانسان وحتى يُنصح به لمدة شهر اذا كان الشخص يعاني من مشاكل عقلية او نفسية لأن الصيام يريح الجسم ويخفف المواد الدهنية والسامة التي تتكدس في الدماغ فتؤدي الى الارهاق او الحزن او الاكتئاب. الفترة الاطول هي التي تُعتبر فترة الصيام طويلة من 5 او 6 ايام وما فوق وهنا يتعذب جسم الانسان اكثر لانه كلما طالت فترة الصيام يصبح بحاجة الى الطاقة، فكل شيء يتحول الى المواد الدهنية (هي مصدر كبير للطاقة). ثانياً: الخزان داخل جسم الانسان يقوم بتخزين الطعام فمثلاً اذا كان وزن الانسان 70 كيلوغراماً وطوله 170 سنتمتراً يكون وزن المواد الدهنية لديه 15 كيلوغراماً، وبالتالي لديه 15 كيلوغراماً من المواد الدهنية مخزنة، فعندما يصوم طوال النهار يقدر ان يستخدم الـ15 كيلوغراماً من المواد الدهنية ويتم تقسيمها الى مواد تعطيه الطاقة. المصدر الثاني هو السكر او السكريات المخزنة في الكبد. اذاً هذان المصدران غير كافيين لذا كلما طالت مدة الصيام عندها يستعمل الجسم المواد البروتينية وهي مصدر طاقة مهمة، ولكن بعكس المواد الدهنية والمواد السكرية لا يقدر الجسم ان يخسر اكثر من نسبة معينة باستعمال البروتين، يعني علمياً نقدر ان نقول اذا استعملنا حوالى 50 في المئة من موجوداتنا البروتينية هناك خطر الموت المباشر. هذا من جهة حاجتنا للطاقة وهناك حاجة للمواد مثل الفيتامين والانزيمات. بالاجمال لدينا خزان كافٍ لمدة الصيام، واذا كان حدث موت خلال الصيام لا يكون بسببه بل بسبب نقص في البروتين. اما النوع الثالث من الصيام فالذي يبدأ من 40 يوماً وما فوق وعندها يكون الانسان قد دخل مرحلة الصيام الخطير الذي يجب ان يكون تحت المراقبة الطبية من جهة القلب والكلى والضغط قبل ان يصل الى مرحلة خطر الموت. هناك دراسات تفيد ان الانسان يقدر ان يعيش لمدة شهرين او ثلاثة اشهر بدون طعام وهذا يحدث عادة في الحروب اذ كان الناس احياناً لا يأكلون لأسابيع في وقت الحروب الصعبة والقاسية.

قوة احتمال الانسان محدودة

ــ الى اي مدى يتحمل الانسان في حالة الاضراب عن الطعام؟

IMG_6802

– بالنسبة للاضراب عن الطعام، فان اكثر الحالات التي يقوم فيها الشخص بالاضراب عن الطعام يشرب القليل من الماء، ولهذا يكون تأثير الاضراب عن الطعام على هؤلاء الاشخاص اقل خطراً من الصيام الاجباري او الالزامي مثلاً اذا تعرض الشخص لحادث ما وسط الصحراء ولم يكن هناك من طعام وماء فعندها طبعاً يكون الخطر اكبر لانه بدون الماء لن يقدر ان يعيش الانسان، اما اذا كان الشخص قد أضرب عن الطعام وكان يشرب الماء ويحمي نفسه من اشعة الشمس ولا يقوم بحركة بدنية فسيتحمل اكثر مما لو كان لا يشرب على الاطلاق.

ثم أضاف:

– اولاً حاجتنا للماء هي ليتران ونصف الليتر على مدى 24 ساعة، ويختلف هذا الرقم ويزيد كثيراً اذا كان الشخص يقوم بنشاط بدني مكثف خصوصاً في فترة الصيف، لأن حرارة الشمس تؤدي الى صرف الماء من الجسم وبالتالي سيحتاج الانسان لكمية اكبر من الماء اي ربما الى ثلاثة ليترات لانه كما تعلمين مع ارتفاع درجة الحرارة والتعرق والبول والرطوبة يصرف الانسان الماء بشكل اسرع، لذا يحتاج لكمية اكبر من التي يشربها خلال الاشهر التي لا تكون درجة الحرارة مرتفعة.

ويتابع:

– ولأننا في فترة صوم رمضان، فإننا ننصح دائماً قبل الفطور بأن يشرب الصائم كمية قليلة من الماء قبل ان يتناول الطعام وان يتناول الشوربة او العصير او الفواكه، وبعد ساعة يبدأ بتناول وجبة الطعام لأن المعدة تكون خالية من الطعام لمدة 12 ساعة وبالتالي يجب ان يبدأ بشرب الماء او تناول الشوربة او السلطة قبل تناول الوجبة الاساسية لأن المعدة عندما تكون خالية يحدث نشاف وحالة احباط علماً انه صحياً الانسان يستطيع ان يبقى بدون طعام لمدة 12 او 13 ساعة، ولكن المشكلة هو تغير نمط الاكل لاننا معتادون على ثلاث او اربع وجبات في اليوم، فتخيلي الأمر عندما يتناول الانسان وجبة واحدة. ثانياً قلة العمل او الحركة او التفكير المتواصل يساعد قليلاً لانه كلما زاد النشاط البدني او التفكير يستهلك طاقة اكثر وبالتالي سيصبح الامر اكثر صعوبة على الصائم، ولهذا ننصح الصائمين دائماً خلال شهر رمضان ان يخففوا الحركة والعمل خصوصاً اذا كانوا يعانون من مشاكل في القلب او اذا كان الصائم طاعناً في السن. وهذا امر ضروري اذ يجب التنبه له لئلا يتعرضوا للخطر لانه اذا زادت الحركة البدنية تزداد عوامل الخطر، وايضاً على الصائم ان يكثر من شرب الماء خلال ساعات الافطار لتعويض النقص.