15 November,2018

الدكتـــورة اسامــــة نصــر الله : شركــــات تـدفــــع ملايين الدولارات بهدف التضليل الإعلامي! 

بقلم كوزيت كرم الأندري

1

مصدرها ملتبس لكن وقعها قوي. هي مثيرة وسريعة الانتشار، وقد تتسبب باضطرابات أمنية وعسكرية وسياسية واقتصادية ونفسية. لِم تُطلق الشائعة؟ وهل يجب معاقبة مطلقيها ومروّجيها؟ وماذا عن التضليل الإعلامي الذي يزداد خطورة في الأنظمة الديموقراطية؟ <الأفكار> تتناول مسألتَي الشائعة والتضليل مع أستاذة مادة <الرأي العام والدعاية السياسية> في الجامعة اللبنانية الدكتورة أسامة نصرالله.

ــ هل الشائعة والتضليل مسألتان قديمتان؟

– الشائعة قديمة جداً، بحيث لا يمكننا أن نحدد لها تاريخاً. فهي قديمة قِدم الإنسان، قِدم تكوين المجتمعات، قِدم الحروب لاسيما الدينية منها. أما التضليل الإعلامي فلطالما وُجد لكن بنسبة أقل من أيامنا هذه. فهو بات من أخطر الأسلحة في زمننا اليوم، وأصبح أهم وسيلة يتم اللجوء إليها لتغيير مسار الرأي العام. لكن تبقى الشائعة أقدم من التضليل. فقد جاء أحد معارف الفيلسوف اليوناني إلى <سقراط> وقال له: <أود أن أخبرك أمراً عن صديقك>. فقال له <سقراط>: <حسناً، لكن دعني أُخضعك، قبل ذلك، لاختبار المصافي الثلاث وهي: الحقيقة، الخير والمنفعة. أولاً، هل تأكدت من معلوماتك قبل نقلها إلي؟>، فأجابه الرجل بالنفي. ثم سأله <سقراط>: <هل ما ستخبرني إياه أمر حسن، إيجابي، جيّد؟>، قال الرجل: <لا، إطلاقا!>. ثم سأل <سقراط>: <وهل سأنتفع شخصياً من معرفة ما ستخبرني عن صديقي؟>، فأجابه الرجل: <لا، ليس بالضرورة>، عندها قال له <سقراط>: <إن جئت لتخبرني أمراً غير مؤكد وغير جيد ولا ينفعني بشيء، إذاً لمَ تخبرني إياه؟>.

ــ لمَ يكون انتشار الشائعة أسرع من انتشار الخبر الصحيح؟

– لأن لا تدقيق فيها ولا تأكد من مضمونها. تكون الشائعة، في البداية، رسالة أو معلومة مكوّنة من عدة عناصر، وبعد انتقالها من شخص إلى آخر تتم، في كل مرة، تجزئتها فتصبح أشبه بشعار <Slogan> سهل تناوله.

ــ هل يمكن أن نجد في كل شائعة بعضاً من الحقيقة؟

– نعم، في بعض الأحيان، من هنا عبارة <لا دخان من دون نار>. هناك شيء من الحقيقة لكن يتم تكبيرها. نجتزئ من المعلومة ونضخمها. كما أننا نتماهى معها بشكل ذاتي، فنتعامل معها بحسب قيمنا وقناعاتنا وأفكارنا…لكن هناك أيضا إشاعات يتضح في ما بعد أنها محض أكذوبة.

ــ هل من السهل نفي أو محو آثار الشائعة؟

– هناك شائعات أُطلقت ولا نزال نصدقها حتى اليوم، بالرغم من نفيها أو اتضاح عدم صوابيتها. أذكر أنه نُشر، منذ بضعة عقود، بيان قيل يومها إنه صادر عن مستشفى <فيلجويف Villejuif> في فرنسا، يتضمن لائحة بالمواد المسرطِنة. بالرغم من نفي المستشفى للموضوع، إلا أنه بقي في ذهننا أن هذه المواد تسبب السرطان، فبتنا نقرأ وندقق في المعلومات الواردة على المنتوجات لنرى ما إذا كانت تحتوي على إحدى المواد التي ذكرها البيان. محو بعض الشائعات، بعد تغلغلها في الدماغ، أمر صعب للغاية.

ــ هل يمكن اكتشاف مطلقي الشائعات؟

– من الصعب اكتشاف هوية مطلقيها، لكن محاولة بعض البلدان إنشاء مراكز وهيئات لمكافحتها تثبت مدى أهمية الشائعة وخطورتها. إكتشاف المصدر أمر صعب بالمطلق، لكنه أقل صعوبة حين يتعلق الأمر بوسائل التواصل الاجتماعي التي تسمح لنا بمعرفة مصدر انطلاق <الخبر- الشائعة>.

ــ وهل يجب محاسبتهم برأيكم؟

– <مية بالمية لأن عم بضروا بالمجتمع!>، أكان سياسياً أم اقتصادياً أم من حيث تشويه السمعة…

ــ هل من يطلق شائعة يعي تأثيراتها الحقيقية؟

– إن كانت شائعة مقصودة طبعا يعي تأثيرها. <بكونوا عارفين وين بدن يوصلوا>.

 

الشائعة والرأي العام

 

ــ هل يمكن أن تكون الشائعة أداة لجس نبض الشارع في قضية ما؟

– تماماً! هناك هيئات رسمية وحكومات ومصارف تطلق شائعة معينة لجس نبض الناس قبل اتخاذ قرار ما. <بزتّوا مثلاً معلومة اقتصادية> لهدف معين. لمَ نذهب بعيداً؟ خذي ما حصل في مسألة الضرائب وسلسلة الرتب والرواتب. عقد المعنيون مؤتمراً لتوضيح الأمر وأكدوا أن لائحة الزيادات التي تناقلها الناس <مش مظبوطة>، لكن الشعب بنى كل تحركاته على تلك اللائحة <المغلوطة>. في هذا الموضوع، مثلاً، ضُخمت الحقائق. من أطلق ووزع تلك اللائحة أراد هكذا بلبلة… لكن، في المقابل، وعى المسؤولون أنه في حال حصلت مواقف مشابهة <فيه رأي عام بقيم القيامة>.

ــ كيف يمكن أن يغير التضليل الإعلامي اتجاهات الرأي العام والقرارات السياسية والعسكرية؟

– خذي حرب الخليج عام 1990. تم، في تلك المرحلة، تأليف هيئة باسم <تحرير الكويت>، راحت تعمل على جلب الغرب، لاسيما الأميركيين، لمساندتها ولتبديل اتجاه الرأي العام. فـ<اخترعوا> ما أسموه <Les couveuses koweïtiennes> أي الحضّانات الكويتية. دفعوا لشركة علاقات عامة هي <هيل أند نولتون Hill and Knowlton > عشرة ملايين دولار لتحريف الحقيقة، فأتت الشركة بشاهدة زور اسمها <نيرة>، تحدثت أمام لجنة حقوق الإنسان التابعة للكونغرس الأميركي أثناء غزو الكويت من قبل القوات العراقية التابعة لصدام حسين. فأخبرت، وهي تبكي، عن مجازر ارتكبها نظام صدام تمثلت في انتزاع الجنود العراقيين لأطفال كويتيين رضّع من الحضّانات ورميهم على الأرض ليلقوا حتفهم. لكن عام 1992، تم الكشف عن أن الاسم الأخير للشاهدة <نيرة> هو الصباح، وعُلم أنها ابنة سعود الناصر نصير الصباح، سفير 4دولة الكويت لدى الولايات المتحدة آنذاك!

ــ ما هي الوسيلة الأخطر للتضليل الإعلامي: الإنترنت أم التلفزيون؟

– لا بل التلفزيون، على عكس ما نعتقد! صحيح أنه على وسائل التواصل الاجتماعي <مين ما كان بقول شو ما كان> لكن ليس جميع الناس على اتصال بشبكة <الإنترنت>، وبالتالي فإن <الإنترنت> لا يطال جميع الشرائح. أما التلفزيون فيطال الجميع، الصغير والكبير، الأمي والمتعلم، وذلك لأهمية الصورة. إن درسنا واقع الحروب في المجتمعات العربية، ومنها <الربيع العربي>، لوجدنا أن كل وسيلة إعلامية تناولتها بطريقة مختلفة. <ياما ضُلّلنا وياما رُكّبت صور على صور>. نحن مضلَّلون جداً.

ــ لمَ الاعتقاد بأن المجتمعات العربية هي أكثر قابلية لانتشار الشائعات؟ (علماً أنها موجودة في الغرب أيضاً…)

– لأننا شعوب غير مستقرة، غير ثابتة، <مضعضعة>، ولا تثق بحكامها…

ــ علامَ يستند خبراء الدعاية السياسية، على علم النفس؟

– صحيح. فقد أنشأ النمساوي- الأميركـــي <إدورد بيرنيز> ما نسميه بـ<البروباغاندا>، وهو ابن أخت مؤسس علم التحليل النفسي <سيغموند فرويد>. هكذا عمل على تطبيق الاكتشافات التي توصل إليها خاله في مجال علم النفس لتصميم الحملات الدعائية في أكثر من مجال، على أساس أن الجماهير تُقاد من قبل نخب قادرة على استخدام كل التقنيات النفسية. فقد استخدم <بيرنيز> أفكار خاله لإقناع الأميركيين بأمور كثيرة، وكان من زبائنه <شركة التبغ الأميركية – البريطانية>. ففي عشرينات وثلاثينات القرن الماضي كان التدخين شبه ممنوع في أميركا. كان <تابو>. أراد <بيرنيز> أن يروج لشركة التبغ هذه، فاعتمد شعاراً مفاده أن المرأة المدخِّنة هي امرأة حرة. ساوى ما بين عملية التدخين ومفهومَي الحرية والاستقلالية. كذلك تم تصوير الرجل المدخِّن على أنه مفكّر ومثقف. تماماً كـ<بيرنيز>، هناك اليوم شركات كبيرة <بتشتغل لتخبطلك مخّك>.

ــ هل التضليل الإعلامي ممارسة ملازمة، برأيكم، للأنظمة الديموقراطية؟

– لا شـــــك في أن عمليـــــة غســــــل الدمــــــاغ تـــــزداد في الأنظمـــــة الديموقراطيـــــة، وكذلك خطــــــورة التضليــــــل. هنــــاك قـــــول شهـــير للمؤلف والفيلسوف الأميركي <نعوم تشومسكي> مفاده بأن <البروباغاندا> في النظام الديموقراطي هي كالعنف في النظام الديكتاتوري. خذي، مثلا، التضليل الذي حصل إعلامياً حول الدافع الذي حثّ الشاب التونسي طارق الطيب محمد البوعزيزي على إضرام النار في نفسه عام 2010، وكانت عمليـــــة إحراق نفسه هذه إحدى شرارات الثــــــورة في تــــونس. قيـــــــل، حينـــــــــذاك، إن البوعزيــــــزي قام بذلك لأنه شاب جامعي يعاني من البطالة، وبالتالي تم ربط ما قام به بالأزمة الاقتصادية في تونس. لكن الواقع هو أنه أحرق نفسه احتجاجاً على مصادرة السلطات لعربة كان يبيع عليها الخضار والفواكهة لكسب رزقه، وللتنديد برفض السلطات قبول شكوى أراد تقديمها في حق الشرطية التي صفعته أمام الملأ، كما رُوِّج. التحقيق أظهر أن البوعزيزي لم يكن شابا جامعيا يعاني البطالة وأن مسألة الصفعة كانت أكذوبة!