22 September,2018

الدكتــــورة وفـــــاء بــــــري: حَمَيـــت ولـــــدي مــن مدرستــه وهـــو اليـــوم خـبـيــــر مــالـــــي كـبـيــــر فــي مـونـتـــــريـال!

بقلم كوزيت كرم الأندري

5 

تكرار، حشو، روتين، ضغط، تنافسية عالية، كآبة… المشهد الأكاديمي، في لبنان، مُحبط للتلامذة ولأهلهم الذين يرزحون، معهم، تحت ثقل متطلبات التحصيل الأكاديمي، مع ما يرافق ذلك من تَبِعات على الصحة، من الصداع إلى الآلام في الظهر مروراً باضطرابات في النوم ومشاكل أخرى، كما تُظهر أكثر من دراسة في هذا المجال… الأكاديميون يشكون، من جهتهم، من أجيال عنيدة غير منضبطة، ومن أمٍ وأبٍ يدافعان عن أبنائهما، مهما فعلوا! الجميع يعاني… وقد حملت <الأفكار> هذه المعاناة إلى الدكتورة وفاء بري، وهي خبيرة في التخطيط والهندسة التربوية واللغوية، وأستاذة باحثة في الجامعة اللبنانية، ورئيسة مركز الأبحاث في كلية الآداب.

ــ دكتورة وفاء، من أين أبدأ…؟ الجميع غير راضٍ: إدارات المدارس تشكو من ممارسات التلاميذ وبعض الأهل، والأهل يشكون من المدرسة بكل ما ومن فيها، والطلاب يرزحون تحت ثقل الضغط النفسي المتعدّد الجهات…

 – إن التحول الذي طرأ على مهنة التعلّم والتعليم كبير جدا، وجزء مهم من هذا التحوّل يكمن في فقدان الجوهر الأساسي لمهنة التعليم. مفهوم التربية – الرسالة بات شبه معدوم. أما الأسباب فعديدة والمسؤولية موزّعة على أكثر من طرف. التربية ليست مرتبطة بشخص واحد ولا بجهة واحدة. هي سلسلة، وكسر جهة ما من هذه السلسة يولّد نقصا وثغرة في مكان آخر، فكيف بالحَريّ إذا انكسر أكثر من جهة؟! البيت <مكسور>، والمجتمع <مكسور>، والنظرة للمثل العليا <مكسورة>…

ــ أين يبدو لكم الوضع أكثر سوءاً: في المدرسة أم في الجامعة؟

– الجامعة تستخدم <المنتج> الذي يحمل معه تراكمات وثغرات المدرسة، من سنة إلى سنة. وقد اكتشفت أن بلدا كالعراق، مثلا، سبّاق في مجال التربية، بالرغم من كل الحروب والأحداث التي مرّت به. هذا ما استنتجته، فعلاً، حين عملت، كخبيرة تربوية مع <منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة> (اليونيسكو) على إعادة هيكلة التعليم العالي في بغداد.

ــ لمَ هم سبّاقون؟

– قوّتهم تكمن في تعاطيهم بجدية مع منظومة العلم والتعليم. هناك، حتى اليوم، قدسيّة للتربية في البلاد العربية، وقد لمست هذا الواقع من خلال عملي التربوي في سوريا والعراق والسعودية ومصر…

ــ هل نحن، في لبنان، بعيدون جداً عن المنهج الدراسي الأمثل؟

– هناك مبادئ خاصة بالمدرسة العصرية، على كل مدرسة أن تقيّم وضعها لترى أين هي من هذه المبادئ. يجب أن تصبح المدرسة مكانا لا يعلِّم الطفل، بل <يحثّه> على التعلم… مكاناً يعطي مفاتيح البحث عن المعرفة، بدلاً من أن يعطي المعرفة. من مبادئ المدرسة العصرية، أيضا، العمل على الطفل بحيث يصبح مستقلا، واثقا من نفسه، مبتكرا ومتجدداً. الصين، مثلاً، تريد أن تعتمد مبدأ <ابتُكر في الصين> بدلاً من عبارة <صُنع في الصين>، وتعمل في هذا الاتجاه. ألمانيا، من جهتها، أوجدت لنفسها في الدول الكبيرة، منها اليابان وأميركا وأستراليا، مكاتب للرصد التربوي، تراقب كيفية تطوّر هذه البلدان، تربوياً، فتستفيد من خبرة الآخر وتسعى إلى تطبيقها.

ــ قرأت أن هناك بلداناً لم تعد تعتمد نظام العلامات ولا تقيّم الطلاب وفقه…

– بالنسبة للنتائج والعلامات، بات السباق تجاريا. عندما أعلّق، كمدرسة، يافطات لأتباهى بنتائج تلاميذي، هذا معناه أنني أسوّق لنفسي على أنني مدرسة ممتازة، في حين أن الواقع قد يكون عكس ذلك تماما! أعرف مدرسة، مقرّها خارج العاصمة، ينجح جميع تلامذتها بتفوق وتنويه في الشهادة المتوسطة (<البروفيه>). استغربنا وتساءلنا عن السبب، فاتضح لنا أنهم يبدأون بتحضير برنامج <البروفيه> من الصف الذي يسبقه أي من الثامن الأساسي، وبذلك يلقّنوه للطلاب أربع أو خمس مرات. ليس هذا هو المطلوب! هذا الحشو هو أبعد ما يكون عن التربية! فلنأخذ الأميركيين مثالاً في ذلك: هم يعتمدون Les quatres C (الـ<سي> الأربعة): La Communication التواصل، La Collaboration التعاون، La Créativité الابتكار و La Critique الحسّ النقدي. يجب أن يربى الطفل على هذه الأسس. ثم إن هناك نقطة أخرى ومهمة جدا، تتمثل في تفاعل الولد مع التكنولوجيا. هو <فاعل> على مواقع التواصل الاجتماعي و«متلقّ> في المدرسة… <ما فيّي رجعو لورا! بالحياة العملية سبقني، لازم إلحقو…!>.

ــ هناك المدرّس والمعلّم والأستاذ والدكتور… وما إلى هنالك من صفات. لكن هل يفهم هؤلاء، حتماً، في <التربية>؟

– <أكيد لأ>! التربية اختصاص قائم بذاته. أن تتخرجي من كلية الآداب، مثلا، بشهادة في اللغة الإنكليزية وآدابها، أو اللغة الفرنسية وآدابها، لا يجعل منك مدرّسة أو مربّية. كلية التربية هي <إم الصبي> في هذا المجال وهي تنظم، كل سنة، دورة لإعداد المدرسين. لكن أعود وأكرر أن هذا غير كافٍ…

ــ وفق خبرتكم الطويلة والغنية في مجال التربية والتعليم والتدريب، وسفركم إلى الخارج وأبحاثكم واطلاعكم على أكثر من نسق دراسي… ما هو المنهج الافضل؟

– لم يعد يمكننا التغاضي عما نسميه اليوم <التربية الفارقية> L’éducation différentielle اذ لا يمكنني أن أعطي معلومة ما بالطريقة عينها لجميع التلاميذ وأن أتوقع منهم استيعابها بالطريقة نفسها! لكلٍّ قدراته والكفاية مختلفة جدا من طفل إلى آخر. <هِنّي لكبار وبتضطرّي أحيان تعيديلن الشغلة مرة أو مرتين وبأسلوب مختلف!>، إذ هناك أشخاص يلزمهم وقتا أطول لفكّ رمز الفكرة التي قلتها لهم، فما بالك بالصغار؟!

ــ لكن كيف يمكن للمعلمة أن تتأقلم أو تتماشى مع قدرات كل تلميذ، أليست المسألة معقدة من حيث التطبيق؟

– ليس المطلوب منها التوجه إلى كل تلميذ بمفرده. فقد قمت بدراسة حول هذه النقطة، واتضح لي أن الصف، أي صف، لا يحوي أكثر من ثلاثة مستويات، وحين نتحدث عن مستويات نعني بكلامنا كل المواد، لا سيما اللغات منها. في اللغات، تحديدا، لا يمكنني أن أعلّم الجميع بطريقة واحدة وأن أنتظر منهم نتيجة واحدة! <واحد بالبيت إمّو بتحكيه فرنسي، واحد نص عنص، واحد أبدا…> عليّ، كمدرّسة، أن أعرفهم كي أحترم نمطهم.

 ــ وكيف أعرفهم؟

– من خلال اختبار أقوم به في بداية السنة وهو بمنزلة تشخيص Diagnostic لكل منهم. أردد، دائما، للمدرسين الذين أدربّهم: <قبل دخولكم الصف، خذوا ملف كل طالب واطّلعوا عليه لتعرفوا من هم تلامذتكم، كيف كانت نتائجهم السنة الفائتة، من كان لديه مشاكل، من كان يعاني من وضع اجتماعي صعب>… <إذا واحد كان يعمل مشاكل ما بفوت عم ربّيه من الأول! بفوت لإستوعبو وحبو وإكسرلو طريقتو…>.

ــ أليست المهمة صعبة؟

– إطلاقا! لاسيما حين نفكّر أن جزءا كبيرا من المعلمات هن أمهات. فلتتعامل مع تلامذتها كما تتعامل مع أطفالها في المنزل، معتمدة التوجيه وإعطاء الملاحظة بحبّ. <ما فِيا تكون إم بالبيت وعسكرية بالصف>. علينا أن نتفهّم وضع كل تلميذ. <يلّي مش نايم، يلّي إمو تخانقت مع بيو مبارح، يلي ما معو يشتري الكتب>… فحين يعاني طفل ما من وضع اجتماعي صعب، كيف أسمح لنفسي بأن أطلب منه الحضور والانتباه والنتيجة نفسها التي يحققها <طفل مرتاح>؟!

ــ لكن قد تقول المعلمة إنها ليست هنا لتقوم بدور المعالجة النفسية.

– ليس المطلوب منها أن تكون معالجة نفسية. نحن نتحدث عن حالات إنسانية بسيطة. حين يصبح التعاطي إنسانيا، لا يعود هناك من حاجز بينك وبين الطفل بل تنسجين امتدادا بينكما، وعندما يشعر بشيء من العاطفة والاهتمام اللذَين يراهما في منزله فإنه سينفتح لك تلقائيا. هناك معلّمات يدخلن الصف، في بداية السنة، متسلّحات بالتهديد الباطني، فيقلن لتلامذتهن: <ما بتعرفوا مين أنا… اسألوا عني. عم تاكلّو راسو للولد من أول لحظة!> أسلوب التهويل هذا Intimidation مرفوض!

ــ بين موقف الأهل تجاه صرامة العقاب ومفاده <ما بدّا هلقد!>، وإصرار المدرسة عليه كسبيل للتوصل إلى الانضباط المطلوب، أين تقع الحدود ما بين الانتظام والاستبداد؟

– فلنتفق، بداية، على أمر أساسي: ما من تحصيل علمي في غياب الانضباط. إذاً الانضباط شرط من شروط الوصول إلى المعرفة. <إذا ما بجمّد حالي وبروء وبركّز ما فيها المعرفة تفوت لجواتي وتترسّب>. لكن لا بد من أن نعرف، أيضا، ما هو الانضباط La discipline … إنه عقد أو اتفاق أتوصل إليه مع التلاميذ أنفسهم. <التلميذ بيلتزم بالميثاق إذا شارك فيه. هيك بيتحدد الانضباط، مش بفوت عم سقِّط علين قوانين>…

ــ هل نحن بعيدون جدا عن المدرسة العصرية أو المنهج الأفضل؟

– بعيدون، نعم، لأننا مضغوطون ومناهجنا كثيفة لدرجة أنها لا تريح إدارة المدرسة ولا المعلمة ولا الطفل. إنها حلقة مترابطة والجميع يرزح تحت هذا الثقل.

ــ حجّة البعض، في الدفاع عن <الحشو> وكثافة المواد والمعلومات، هي في كون الطلاب اللبنانيين يبرعون في الخارج.

– ولكن ما هي التربية؟ هل تقتصر التربية على أن أصنع بضعة مبدعين، أم أن أربي مجتمعا سويّاً؟!

ــ بالحديث عن هدف التربية، خبرتك مع طفلك، آنذاك، أكثر من مدهشة. أتشوّق لسماع إنجازك هذا!

– كان ابني روي مجتهدا ونتائجه ممتازة حتى الصف السادس الأساسي حيث دخل في مرحلة المراهقة. راح يتراجع تدريجيا، إلى أن ساء الوضع بشكل كبير في صف <البروفيه>. كنت عضوا في لجنة الأهل في مدرسته وهي مدرسة خاصة معروفة جداً، وكنت أكرر لمعلميه <قد لا ترونني طوال السنة، لكن إن وقعت أي مشكلة أحمّلكم المسؤولية في حال لم تُعلموني بذلك في الوقت المناسب>. حين تأزّم وضع روي، قصدت المدرسة وتحدثت في الموضوع مع المسؤولين، <لقيت ما حدا مستوعب شو عم بحكي. محدلة وماشية، ما في مجال للضعيف، ولا للمراهق ولا لأي تقصير>… قابلت المدير وانتقدت بقساوة نظامهم الآلي اللاإنساني، وبناء عليه قررت سحب روي من مدرسته قبل نهاية العام الدراسي… إستغرب وحاول إقناعي بالرجوع عن قراري هذا، فأصررت وقلت له: <إبني كان شاطر والدليل مسارو طول هالسنين، بلّش بالمراهقة وما عرفتوا تساعدوه، يعني إذا بتركو بين إيديكن رح تفشّلوه!>.

ــ يا لجرأتك! وماذا كانت ردة فعل ابنك على قرارك هذا؟

– تحدثت معه، والأهم، أنني تعاطفت معه وجعلته يشعر أنني بصفّه ولست ضده! قلت له <رح نعمل كونترا أنا وياك>. هكذا، إتفقنا على أن أخصص له أستاذا لمادة الفيزياء وآخر للرياضيات، أما التاريخ والجغرافيا فاتفقنا أن نضع برنامجهما بنفسينا، على أن أساعده أنا في اللغات… جعلته يحمل مسؤولية ومنحته ثقتي، طالبة منه أن يدير وقته وبرنامجه بنفسه. قلت له: <أنا في عملي خلال النهار، إليك مفتاح البيت. حين تضجر أو تتعب وتشعر أنك تحتاج إلى استراحة يمكنك أن تقصد النادي القريب من المنزل للتمويه، ومن ثم تعود وتتابع الدرس>.

ــ <أوف>! كيف تجرّأت على المخاطرة بهذا الشكل؟!

– استرجيت!> هناك مخاطرة في كل <بيداغوجيا>. <ما فينا نقول بركي فشل، ما هو هيك هيك فشلان! هالمدرسة عم بتفشّلّي ياه، خليه يفشل هو ومرتاح، ليه بدي فشلو هو وتعبان نفسيا؟> أنا أؤمن بأنه لا يجوز أن يرسب الطفل في أي من الصفوف خلال مشواره المدرسي. ففي كل سنة ينضج الإنسان وينمو إدراكه، وإن عانى اليوم من ضعف ما، فقد يقوى غداً!

ــ وما كانت نتيجة سحب روي من صف <البروفيه> وإكماله السنة في البيت، تحت إشرافك؟

– نجح في امتحان الدولة مع تنويه <جيّد>، أكمل دراسته بعدها في مدرسة أخرى، وهو اليوم مستشار مالي كبير في <مونتريال>، وقد حاز هذا المركز في سن صغيرة نسبيا، بعدما حصل على شهادة الماجستير من مدينة غرونوبل الفرنسية، وكان طليع دورته. أطروحته نشرت على الإنترنت، وكان هذا أمراً غير مسبوق، وقد نال عليها علامة 19 على 20!

 ــ أنحني أمام حكمتك كمربية وعظمتك كأم! حميتِه من الفشل!

– صحيح! <أنا ربّحتو سنة وما تركتو يسقط> وأفرح حين أقولها. لكلّ منّا لحظة أو لحظات سقوط في الحياة. فلنترك هذه السقطة، إذاً، للأمور الكبيرة. <مش حرام يسقط بصف سخيف؟!> من الضروري تقوية أولادنا، من الداخل، لحمايتهم من تسلّط بعض من يمارس هذه المهنة. كنت أقول لطفلي: <إذا عيّطت لمعلّمة مش عم بتعيّط عليك. هي بتعيّط تصطفل. إذا قالت حكي مش حلو مش عم تقولو إلك، هي هيك ببيتا تصطفل. إنت عمول حالك لا شفت ولا سمعت>. تتحرّك لكرامتك حين تُهان بشكل مباشر.

ــ ما رأيكم في مكافأة الولد بالأختام والملصقات والوجوه الباسمة أو العابسة… هل تحبذونها؟

– لمَ لا؟ هناك ما نسمّيه <المنافسة الايجابية>. من الضروري أن يُكافأ الطفل إن قام بعمل جيد، فأنت تحثينه، بذلك، على المضيّ في هذا المسار وتعزيزه. أذكر، هنا، حادثة حصلت معي يوم كنت طفلة في العاشرة من عمري. كنت أرتاد وأخوتي مدرسة خاصة ذات مستوى جيد جداً، وكانت معنا في الصف فتاة وضعها صعب… دخلت، في بداية السنة، معلّمة الرياضيات وراحت تؤنبها لعدم شرائها كتاب الرياضيات، وهددتها بالطرد من الصف إن لم تأت في الغد ومعها الكتاب، فراحت الفتاة تبكي. بعد عودتي من المدرسة قلت لوالدي إنني أضعت كتابي، فأحضر لي كتاباً آخر مستعملا ليعاقبني على قلة مسؤوليتي. في اليوم التالي، أعطيت زميلتي في الصف كتابي الجديد وتركت المستعمل بين يدَيّ. أخبرت أبي حقيقة ما جرى في الليلة عينها. <ضلّ عسنة يخبّر هالقصة لكل الناس وحسّسني إني بطلة>. المديح الذي تلقيته حثّني على القيام، في ما بعد، بأمور حسنة ولطيفة.

ــ تحدّثتم عن التنافس الإيجابي، لكن لا يمكن أن نتغاضى عن ذاك السلبي، وأعني به <البلطجة> Bullying. هل وضعنا، نحن الأهل، هذه الروحية في نفوس أطفالنا عن غير إدراك؟!

– في مكان ما، نعم. في أيامنا هذه، يمتص الطفل الكثير من السلبية في عائلته، من الأخبار السامة على الشاشات، إلى تأفف الأهل وتذمرهم من الوضع الاقتصادي والمعيشي… هناك أولاد يذهبون بحالة <إستشراس> إلى مدارسهم. هم، في نهاية المطاف، مرآة عائلاتهم!

ــ قد نكون أخطأنا، أيضا، في جعله محور العالم وبما شابه من ممارسات، ما عزز لديه نوعاً من النرجسية؟

– هذا صحيح إلى حد بعيد، إنها ظاهرة الاتّكالية المستشرية في بيوتنا. <أهلنا تعبوا لنحن نترفّه شوي، فصار بدنا نعمل المستحيل لنرفّه ولادنا>، لكن حصلنا على نتيجة هي عكس تلك المرجوّة. كنا، نحن، أكثر استقلالية في تلبية حاجاتنا وأكثر مشاركة في الأعمال المنزلية واليومية، وكنا نشعر مع أهلنا أكثر…

ــ دكتورة وفاء، <نحن ربّينا غلط>؟ سأنطلق من نفسي: أمي ربّتنا بغريزتها وليس بشهاداتها، فجاءت النتيجة مُرضِية، كي لا أقول جيدة أو جيدة جدا. نحن، اليوم، نستند إلى عشرات النظريات و<الفلسفات> في تربية أطفالنا، والنتيجة… شبه مخذلة!

– أرى أن المشكلة الأساسية تكمن في عدم حث الطفل على استحقاق هذا الحب. أحبّكَ نعم، هذا أمر ثابت، ولكن ماذا فعلت، أنت، لكي تستأهل هذا الحب؟ لا نحدّثهم في جوهر الحياة، كأن نقول لهم، مثلاً، <أنا قمت بهذا وذاك وذلك في عملي، وواجهت هذه المشكلة، ومررت بكذا وكذا، ولكن الحمد لله استحققت راتبي في نهاية الشهر>، <اليوم الولد بدّو كل شي بلا ما يعمل شي>.

ــ صُدمت حين قرأت عن حالات – متطرفة طبعا وخارج لبنان – تصل إلى الانتحار بسبب الضغط الدراسي. كذلك قرأت دراسة، لعلماء نفس، ينذرون فيها بأمر طارئ: دخول أطفال، لا تتجاوز أعمارهم الأربع سنوات، عيادات الطب النفسي! هل من أمل في <حرق> هذا المنهج التعليمي الضاغط واستبداله بآخر سلِس…؟

– يوم قرّرت الدولة، في تسعينات القرن الماضي، تجديد المناهج الدراسية في لبنان، كانت تلك الخطوة التطويرية الأولى في هذا المجال منذ زمن الحرب! هناك اتجاه، اليوم أيضا، لإعادة تطوير المناهج وتحديثها، لكن يجب أن تكون الرؤية مشتركة ما بين الخاص والعام. هو عمل مشترك ما بين وزارة التربية والمركز التربوي والمجتمع الأكاديمي… وهنا أشير إلى أن الحرب انتهت على أرض الواقع، إلا أن آثارها لم تنته بعد. لم نخرج من الحرب سالمين، لا بل ندفع ثمن أضرارها حتى اليوم، وعلى كافة المستويات.

ــ دكتورة وفاء، سؤال أخير – على مضض! – هل من مهن ستختفي ومهن أخرى ستأخذ مكانها في السنوات المقبلة؟

– تماماً! قرأت دراسة أميركية مفادها أنه ستتم أتْمَتَة Automatisation  43 بالمئة من المهن التي نمارسها اليوم أي أنها لن تحتاج إلى عناصر بشرية لإتمامها، وأن 65 بالمئة من طلاب الحضانة سيعملون، حين يكبرون، في مهن غير موجودة اليوم!