20 November,2018

الدخول في رأس محمد البعلبكي!

 

بقلم وليد عوض

f5122251-a63f-40fd-8367-68c4932d8069_846312_194394_large

عن نقيب الصحافة الراحل محمد البعلبكي سالت جرعات لا تنتهي من الحبر. رحل الرجل عن ستة وتسعين عاماً أغناها بالمواقف النضالية ودخل السجون وتعرف الى فيلسوف إيراني وراء القضبان قال له في يوم من الأيام: <اسمع يا محمد.. مهما كثرت ذنوب البشر فإن الله أرحم الراحمين، ولن يظلم أحداً>.

وأنا أعرف محمد البعلبكي منذ امتهاني لهذه المهنة الصحافية المقدسة عام 1955. ولست هنا في مجال تعداد الخطأ والتأشير على الصواب بل أعرف ان الرجل كان معجوناً بالصحافة، وانه حين أنشأ جريدة <كل شيء> قبل انتقالها الى حضانة وفيق العلايلي ومحمد بديع سربيه كان يناضل في غمار الحزب القومي السوري الذي أنشأه أنطون سعادة الذي مات تحت المشنقة عام 1949. ولم يكن محمد البعلبكي، خريج الجامعة الأميركية أثناءها، خارج جناح الحزب والعقاب الذي لحق بالحزب.

وعلى رأس الأشهاد أقول انني ما عرفت رجلاً يختزن الشعر والأدب مثل محمد البعلبكي.

وفي حضرة الملك فهد بن عبد العزيز خاطبني حامي الحرمين الشريفين بقوله: <لقد قرأت مقالتك عن اليد العليا واليد السفلى وأشهد انك أصبت المرمى>!

وقال محمد البعلبكي على مسمعي: <هذه أعظم شهادة سمعتها عنك>.

علاقاتي بالنقيب البعلبكي كانت تتخطى دائماً حدود لبنان. وكان صديق دولة الكويت الأغر، ومن هذه الصداقة استفاد المستشار الصحافي الكويتي واجد دوماني، وكان يلازمه ملازمة الغصن للشجرة، ومن واجد دوماني كان محمد البعلبكي يستشف أخبار دولة الكويت والعلاقات الكويتية ــ العربية. وذات غداء في الكويت، عند الطابق الأعلى لفندق <ميريديان> نظر محمد البعلبكي الى الصحون التي تمتلئ بين أيدي الزبائن فتبسم وقال: <الآن عرفت سر البدانة في الكويت>.

ولأنه من معقل الجامعة الأميركية في بيروت فقد شده رباط مقدس بالسياسي الراحل اميل بستاني منشئ شركة <كات> مع عبد الله الخوري وحسيب الصباغ، ولم ينصف أحد اميل بستاني كما أنصفه محمد البعلبكي حين روى حكاية عنه تعود الى عام 1949، وتقول الحكاية ان الوسيط الدولي النمساوي <فولك برنادوت> سقط اغتيالاً أمام فندق <القدس>، وحامت الشبهات حول ثلاث ميليشيات: <أرغون> و<شترن> و<الهاغانا>، وأكثر من أصابته التهمة <اسحق شامير>. لكن الموضوع ليس هنا. لقد اكتشف اميل البستاني ان العرب لم يكلفوا أية شخصية، أو أي وفد بالسفر الى <ستوكهولم> للمشاركة في تشييع ابن العائلة الحاكمة الكونت <برنادوت> فماذا تراه فعل؟

ويتابع محمد البعلبكي الرواية فيقول: <في موكب التشييع ظهر اعرابي يعتمر كوفية ويرتدي عباءة، وأشر عليه المشاركون في الجنازة وقالوا انه موفد العرب>!

وللحقيقة لم يكن هذا الموفد العربي سوى اميل البستاني.

كان اميل البستاني في نظر محمد البعلبكي اللبناني العربي البالغ الوعي في التعامل مع العرب. كان يدرك بأن أي تقصير أوروبي بحق العرب ولاسيما قضية فلسطين التي مزقها مجلس الأمن الى أرض محتلة، وأرض تبحث عن هوية، كما يقول الشاعر الفلسطيني محمود درويش: <أبحث عن وطن>. وإذا كان هناك تقصير أميركي بحق العرب، منذ الرئيس <هاري ترومان> الذي جاء رئيساً مكان الراحل <دوايت أيزنهاور>، فالحق في رأيه كان على العرب لأنهم لم يحسنوا مد الجسور مع الغرب. ووحده مؤسس المملكة العربية السعودية الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود عرف بثاقب فكره كيف يكون التعامل مع أقوياء العالم.

وعلى بارجة أميركية في قناة السويس كان الاجتماع التاريخي للملك عبد العزيز مع الرئيس الأميركي <دوايت أيزنهاور> عام 1945. ومع رئيس وزراء انكلترا <ونستون تشرشل> الناصر في الحرب ضد ألمانيا النازية والامبراطورية العثمانية كان له اجتماع في لندن.

بعد ذلك كله، وأنا أترحم على قيمة صحافية اسمها محمد البعلبكي، لا أريد أن أبحث عن مديح، بل أريد أن أدل على أفكار محمد البعلبكي الذي جعل من جريدته الاسم الذي يرضي شعوره بالعز وهو <صدى لبنان>!

وفي ذمة الله يا ابن السادسة والتسعين!