25 September,2018

الخلافــــات المارونيـــــة - المارونيــــــة عـــطلت انتخـــاب الــــرئيس وأدخـــلت الخـــارج فــي اللعبـــة!

SAM_3301

الشغور الرئاسي تجاوز الثلاثة أشهر ولا تلوح في الأفق أي مؤشرات توحي بقرب إجراء الانتخابات الرئاسية التي تعطل باقي المؤسسات وتسير بالبلد نحو الفراغ الكلي بكل ما تحمل الكلمة من أخطار تهدد هذا الوطن الذي يئن تحت وطأة العناوين السياسية واختلاف القوى السياسية فيه، وبسبب الأوضاع الأمنية المفتوحة جنوباً وشرقاً وفي الداخل على كل الاحتمالات، ناهيك عن الملفات المالية والمعيشية والمطلبية وأولها سلسلة الرتب والرواتب. فهل الاستحقاق الرئاسي بات قراراً إقليمياً دولياً، أم لا يزال صناعة لبنانية؟ وهل الكرة الآن في الملعب الماروني أم ماذا؟

<الأفكار> التقت رئيس المجلس الماروني العام الوزير السابق وديع الخازن داخل مكتبه في مبنى المجلس عند محلة الكرنتينا شرق بيروت وحاورته في هذا الخضم، فكان كعادته موضوعياً وشفافاً وحاسماً في تشديده على ضرورة انتخاب رئيس جديد للجمهورية لأن ذلك يشكّل المفتاح الأساسي لحل باقي المشاكل بدل الدخول في النفق المجهول، موضحاً أنه لا بدّ من تنازل الأطراف وتفاهمها لما فيه مصلحة العباد والبلاد.

وسألناه أولاً:

ــ أكثر من ثلاثة أشهر والشغور الرئاسي يتمادى، فهل ننتظر التوافق الداخلي المفقود حتى الساعة؟ أم التوافق الدولي الإقليمي ومن المسؤول عن هذا التعطيل؟

– كانت الفرصة سانحة خلال ثلاثة أشهر لانتخاب رئيس للجمهورية، لكننا لم نفلح في ذلك داخلياً بسبب الخلافات المارونية – المارونية التي حكمت بعدم انتخاب رئيس جديد. ونعلم جميعاً مدى التشنج عند كل مرجعية مارونية مؤهلة لأن تكون مرشحة للرئاسة، ونحن سعينا مراراً لدى تلك المرجعيات بدءاً من الرئيس أمين الجميل، والجنرال ميشال عون، والنائب سليمان فرنجية، والدكتور سمير جعجع، إلا اننا لم نفلح رغم وجود نيات طيبة وجدية، لكنها تقف عند حدود التنازل، علماً أن الجميع قالوا انهم مع انتخاب رئيس للجمهورية وأنهم يستعجلون هذا الأمر ويولونه كل الأهمية والاهتمام، على الصعيد المسيحي خصوصاً واللبناني عموماً، وأنه سينسحب بشكل إيجابي على الوضع المسيحي المشرقي الذي يعيش وضعاً خطيراً اليوم نتيجة التهجير الجماعي الحاصل في العراق، وطلبنا أن تترجم هذه الأقوال بالأفعال، لكنها للأسف لم تترجم عملياً وقد بحّ صوت البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي وهو ينادي بضرورة الإسراع في انتخاب رئيس للجمهورية، وطلبه من المجلس النيابي الشروع فوراً بانتخاب رئيس، ولكن الحسابات  السياسية الانتخابية الضيقة تسد الأبواب، مما يمنع توافر نصاب كامل لانتخاب الرئيس خاصة وان الدستور اشترط حضور أكثرية الثلثين.

البطريرك صفير.. لا للنصف

زائداً واحداً

ــ سبق لوزير الاتصالات النائب بطرس حرب أن طرح أن يتم الانتخاب بالنصف زائداً واحداً. فما رأيكم في مبادرته؟

– أذكر هنا ان غبطة البطريرك مار نصر الله صفير حينما تأخرنا في انتخاب رئيس للجمهورية بعد انتهاء ولاية الرئيس إميل لحود، رفض الحديث عن انتخاب رئيس بالنصف زائداً واحداً واعترض على ذلك ولم يقبل بأن ينتخب رئيس بالنصف زائداً واحداً لأن رئيس الجمهورية يجب أن تكون لديه صفة تمثيلية مميزة ويكون على الأقل حائزاً أصوات ثلثي المجلس النيابي، ولذلك لا نزال اليوم نسعى للتوافق رغم علمنا أن كل الأوراق لم تعد في أيدينا وأصبحت خارج لبنان عند دول إقليمية ودولية وتحديداً عند الإدارة الأميركية والمملكة العربية السعودية والجمهورية الإسلامية الإيرانية، واليوم أيضاً الجمهورية العربية السورية، لأن الأوضاع في سوريا تغيرت تماماً عن السابق وأثبت النظام السوري وجوده وحضوره وستضطر الولايات المتحدة، بعدما حصل ما حصل في العراق وسيطرة <داعش> هناك وتمدد <النصرة> وغيرها من المنظمات الإرهابية في سوريا والعراق وما فعلته بالأقليات تحديداً وبباقي أطياف الشعبين السوري والعراقي، أن تعيد النظر في سياستها تجاه سوريا وتتعاطى مع النظام السوري كأمر واقع، لأن هذا النظام أثبت وجوده سواء على صعيد الجيش الذي حافظ على وحدته وتماسكه وتعلقه برئيسه بشار الأسد، أو على صعيد تأييد أكثر من نصف الشعب السوري للرئيس الأسد، مما جعل الغرب وأكثرية الدول العربية تعيد النظر في سياستها تجاه سوريا، وبالتالي سوف نرى نوعاً من التنسيق الأمني مع سوريا حين تسعى الإدارة الأميركية تحديداً الى إزالة هذه الظاهرة <الداعشية> كما سبق وأنهت <القاعدة> في أفغانستان، لأن هذه الظاهرة لا تشكّل خطراً على البلدان العربية فقط، بل تشكل خطراً على الغرب، لاسيما وأن هناك مرتزقة من الغرب يقاتلون مع <داعش>، وبالأمس حذّر رئيس وزراء بريطانيا <دايفيد كاميرون> من هذا الأمر، وكذلك وزيرة خارجية ايطاليا <فيدريكا موجيريني> وكشفت عن وجود العديد من المواطنين الإيطاليين الذين يحاربون مع <داعش> وتخوّفت من أن يرتد هؤلاء الى الدول الأوروبية.

ــ يعني الكرة ليست في الملعب الماروني بل في الخارج؟

– طبعاً، صحيح ان للبطريرك الراعي كلمته ووزنه، وهناك مرشح جدي معلن هو الدكتور سمير جعجع ومرشح  غير معلن هو العماد ميشال عون الذي يقول ان لديه كتلة نيابية وازنة، إلا ان الدكتور جعجع مستعد للتنازل عن ترشيحه شرط أن يتم التوافق مع العماد عون على مرشح توافقي يرضى عنه الاثنان معاً، ولكن حتى الساعة فالجنرال عون مصرّ على ترشيحه ويعتبر نفسه الأقوى وأن له أحقية بالوصول الى سدة الرئاسة.

ــ كثر الحديث مؤخراً عن مرشح تسوية يعمل لتسويقه رئيس كتلة النضال الوطني النائب وليد جنبلاط بالتنسيق مع الرئيس نبيه بري. فهل هذا المرشح يكون الحل في كسر الجمود الحاصل؟

– لا يمكن الاستمرار على هذا المنوال من المراوحة والجمود ومواصلة الفراغ في سدة الرئاسة، ويجب الإسراع في انتخاب الرئيس ليصار الى إعادة انتظام عجلة الدولة والمؤسسات سواء على صعيد مؤسسة الرئاسة الأولى أم على صعيد باقي المؤسسات الأخرى، أو حتى على صعيد المؤسسات الأمنية لأن هذا الشغور يرتد سلباً على الوضع الأمني والوضع الإداري وحتى على الوضع العام كله، وهذا ما نراه من خلال اليأس الذي دبّ في نفوس الناس الذين باتوا يكفرون بكل شيء وفي حال تطورت الأمور لا سمح الله نحو الأسوأ أمنياً، وهذا شيء مستبعد لأن الجيش يمسك الأمور جيداً، ندخل في نفق نعرف كيف ندخله، لكن لا نعرف كيف نخرج منه في النهاية.

انتظار المفاوضات الأميركية – الإيرانية

ــ تتحدث عن معطيات محددة تشير الى ان إنجاز الاستحقاق في شهر تشرين الأول/ اكتوبر. فإلى ماذا استندت في ذلك؟

– الولايات المتحدة والغرب قررا تمديد المفاوضات مع ايران حتى 24 تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل وبالتالي فالملف السوري إضافة الى الملف اللبناني سيكونان على طاولة المفاوضات بينهما، لأن أميركا لديها مصالح في لبنان والمنطقة وإيران، وكذلك سوريا لديها مصالحها في لبنان وحلفاؤها أيضاً، وعلى رأسهم حزب الله الذي يشكل وزناً ذا أهمية في نظر الكثيرين سواء على الصعيد السياسي أو على الصعيد الشعبي، وآسف أن أقول ان تجربة عام 2008 مع الرئيس السابق ميشال سليمان ستتكرر من جديد مع الرئيس العتيد، وكان أحب لنا أن تكون اللعبة ديموقراطية وحرة، لكن مع الأسف لم نعرف كيف نتصرف ديموقراطياً رغم ان لبنان يتغنى بالديموقراطية وهو البلد الوحيد الذي ينعم بها في المنطقة. لكننا أسأنا التعامل مع ديموقراطيتنا وأسأنا فهمها أيضاً.

ــ هل المطلوب أن يحصل اتفاق دوحة كما حصل عام 2008؟

– ليس بالضرورة ولن نصل الى اتفاق دوحة جديد، فالأمر يحل عبر اتفاق اميركي – ايراني – سعودي – سوري – أوروبي – فاتيكاني أيضاً لأن البطريرك الراعي سافر يوم الخميس الماضي الى الفاتيكان لكي ينقل الهواجس التي تختلج في نفسه وقلبه ويحرك ملف الرئاسة من جديد، وطبعاً فالفاتيكان ليس بعيداً عن الواقع اللبناني وهو يتحرك في جميع المحاور لإنضاج الطبخة الرئاسية، إلا ان الفاتيكان وحده لا يكفي، وكل ما يهمنا أن نخرج بعد انتخابات الرئاسة متفقين لأنه إذا لم تحصل تنازلات لا يستطيع الرئيس الجديد أن يحكم من خلال سلطاته مهما كان قوياً وشخصيته مميزة، إذ لا بد من حصول تنازلات إسلامية ومسيحية لكي يحكم الرئيس بالعدل، خاصة وان البلد يحتاج الى من يحكمه ويديره بشكل جازم وجدي حيث لا يستطيع الاستمرار في هذا الواقع الذي يعيشه.

ــ على ذكر الرئيس ميشال سليمان وتجربة 2008، فهل يتكرر الأمر وتكون عرسال سبباً في انتخاب قائد الجيش العماد جان قهوجي كما كان مخيم نهر البارد سبباً في انتخاب الرئيس سليمان؟

– لا أعتقد أن هذا سيحصل لأن هناك قراراً إقليمياً ودولياً بعدم تفجير الأوضاع في لبنان والكل ملتزم به رغم محاولات فتح ثغرات أمنية في أماكن عديدة، لكن هذه المحاولات تبقى محدودة ولا تتوسع وتقمع في مهدها، وبالتالي فإن انتخاب رئيس الجمهورية لن يكون على <السخن> بل <على البارد>.

ــ يعني الرئيس العتيد لن يكون عسكرياً؟

– لا أستطيع التكهن، لكن كل إنسان يستوفي الشروط المطلوبة للترشح رغم عدم وجود ترشيح الزامي، إذ ان كل شخص يحق له أن يكون رئيساً للجمهورية، سواء كان عسكرياً أم غير عسكري، لكن نحن نفصل الموضوع العسكري عن الموضوع السياسي لأن السياسة متى دخلت الى الأمور الأمنية أفسدت الأمن وعطلت ضبط الإيقاع الأمني في البلد.

التشكيك بالجيش مرفوض

ــ هل التشكيك بالجيش والمؤسسة العسكرية هو من باب الرمي على قائدها كمرشح للرئاسة؟

– نحن نرفض كلياً كل تهجّم على المؤسسة العسكرية وعلى الجيش الوطني اللبناني لأنه مع باقي القوى الأمنية ضامن للاستقرار الذي تنعم به في لبنان على هشاشته. ونحن نشد على يد الجيش وعلى باقي القوى الأمنية لكي تستمر في مهامها رغم صعوبتها كي نبقى ننعم بهذا الاستقرار على هشاشته كما قلنا والذي يفتقده محيطنا العربي، بحيث إذا قارنا بين الوضع اللبناني وبين الأوضاع في باقي الدول العربية لا سيما في سوريا والعراق، نقول اننا بخير والحمد لله وان وضعنا جيد رغم البؤر الأمنية والقنابل الموقوتة التي تنفجر في أوقات وأماكن محددة لكنها محدودة ومحصورة، وبالتالي هناك سحر ساحر يضبط الوضع الأمني ويمنع تفجره بالكامل على أمل أن يبقى مضبوطاً لأننا لم نعد نتحمل أي هزات، فاللبناني سئم ذلك وهو يريد التفتيش عن لقمة عيشه ويضع حقيبته قرب الباب استعداداً للهجرة إذا انفجر الوضع، وهذا لا بد من إزالته من نفس اللبناني والعمل على العيش بكرامته وبتطلعاته المستقبلية.

ــ هل دعوة حث المسيحيين على دخول الدولة بإدارتها ومؤسساتها وعسكرها من باب التشبث بالأرض والحد من الهجرة والبقاء لمواجهة الأخطار المحيطة بلبنان؟

– أكيد… فهذا تحفيز مستمر للمواطنين للبقاء وخاصة بالنسبة للمسيحيين ودعوتهم  للانخراط في عجلة الدولة لأن هذا الأمر ينسحب إيجاباً على الوحدة الداخلية. وكما انطلق لبنان عبر استقلاله بتثبيت العيش المشترك فنحن نحرص اليوم على العيش المشترك وعلى الحوار الدائم لأن هذا هو الضمانة الوحيدة لاستمرار لبنان بجناحيه المسيحي والمسلم. وأنا سمعت تكراراً من مراجع إسلامية رفيعة المستوى حرصها على العيش المشترك وأنها لا يمكن أن تستغني عن الوجود المسيحي، ولذلك علينا تنمية العلاقة المسيحية – الإسلامية لاستمرار لبنان. والحمد لله ان هناك شبه إجماع مسيحي إسلامي على رفض الاوضاع الأمنية الشاذة وخاصة وجود ظواهر غريبة كـ<داعش> و<النصرة> وهذا صمام أمان وضمان لعدم تكرار تجربة عرسال مرة ثانية.

ــ يعني لا خوف على المسيحيين في لبنان؟

– طبعاً، يجب أن نتفاءل دائماً رغم كل السواد الذي يحيط بنا لأنه لا يمكن العيش بدون تفاؤل، واليأس يوصل الى الإحباط والهجرة، ونحن نفهم أن الأوضاع صعبة، لكن لبنان مرّ عبر تاريخه بأزمات كبرى وأوضاع أصعب وتجاوزها، حتى ان العثمانيين حكمونا 400 سنة وبقينا متشبثين بالأرض مسلمين ومسيحيين. واليوم من خلال تضامننا معاً نحن قادرون على التصدي لكل أشكال الإرهاب وجرائمه الفظيعة التي ترتكب في سوريا والعراق والتي حاول تصديرها الى لبنان من خلال أحداث عرسال لولا العناية الإلهية ومسارعة الجيش الى نحره ورده على أعقابه الى ما وراء الحدود.

لا لدعوات التسلح

ــ في ظل الحديث عن الخوف هناك دعوة من البعض للتسلح في الشارع المسيحي. فكيف تنظرون الى ذلك؟

– هذا خطأ. وأنا أرفض كلياً فكرة التسليح، وقد شاهدنا ما حدث عام 1975 بسبب التسليح، وطبعاً كانت المبررات آنذاك بالدفاع وما الى ذلك لكن طالما أن هناك جيشاً وطنياً ضامناً للأمن، فمن المعيب أن نعمد الى التسليح. ومن الممكن جداً أن يتفاهم اللبنانيون مع بعضهم البعض في المناطق والبلدات ليساندوا الجيش مسيحيين ومسلمين، وهذا أمر مجاز حالياً، لكن التسليح بشكل عام هو أمر مرفوض وأنا شخصياً ضد كل أشكال الأمن الذاتي وضد الأمن بالتراضي أيضاً، ولهذا نريد دعم الجيش مادياً ومعنوياً ليقوم بمهامه على أكمل وجه. ونأمل هنا ألا نفوّت فرصة المليارات الثلاثة التي أعطاها مشكوراً خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز للبنان ونعرف كيف نتصرف ونقوم بمقاربة للاستفادة من هذه المساعدة لتقوية الجيش خاصة وان هناك شيئاً غير واضح في هذا الملف، وبالتالي على الدولة أن تنكب كلياً لحسم هذا الملف وإنهاء صفقة الأسلحة الفرنسية على أن يصل المليار الآخر ويعطى للجيش وللقوى الأمنية الأخرى.

ــ التمدد مطروح كخيار طالما لم يتم انتخاب رئيس للجمهورية وتجنباً للوقوع في الفراغ. فما هي مقاربتكم لذلك؟

– لا نستطيع الذهاب الى انتخابات نيابية في ظل قانون انتخاب لا يضمن التمثيل الصحيح، خاصة وأن المسيحيين معترضون على قانون الـ60 ويعتبرون أن الغبن لحق بهم من جرائه، ولذلك لا بد أولاً من انتخاب رئيس للجمهورية كأولوية وهو يؤلف حكومة تتقدم بمشروع قانون انتخابي يرضى عنه المسيحيون ومن خلاله تجري الانتخابات وبأسرع وقت ممكن، ولذلك نحن اليوم أمام التمديد القسري بحيث يمكن التمديد بين 6 أشهر أو سنة، لكن حتى لو حصل تمديد لمدة سنتين وأكثر يجب أولاً وضع الأولوية الأولى بعد انتخاب الرئيس وهي إقرار قانون انتخاب عادل وبعدها إجراء الانتخابات.