23 September,2018

الخطر الكبير يتهددنا ونجمع على تشخيص الحالة ونتنازع على تشخيص الحل!

5-(7) يعيش لبنان تداعيات أزمة المنطقة ويتأثر بكل ما يجري فيها من أحداث حتى وصل الإرهاب الى عقر داره بعد الحوادث المتنقلة والتفجيرات السابقة وعملية خطف العسكريين في جرود عرسال، في وقت شكّل تحالف دولي لمحاربة الإرهاب، لاسيما في العراق وسوريا وطُرحت علامات استفهام حول توقيت ولادة هذا التحالف وأسلوب عمله وأهدافه وما ينتج عنه على أرض الواقع الجغرافي.

<الأفكار> استضافت في مكاتبها الوزير السابق النائب غازي العريضي وحاورته في هذا الملف الشائك كصحافي عتيق ومحلل استراتيجي حول الأوضاع في لبنان والمنطقة لتحديد البوصلة وأين تتجه الأمور في النهاية.

سألناه بداية:

ــ هل الوزير العريضي خائف من تطور الأمور في لبنان نحو الأسوأ؟

– الخوف شجاعة وحكمة وعقل، خاصة عندما ترى أن هناك خطراً كبيراً يقبل على البلد.

ــ يقول المثل: من خاف سلم… فهل نسلم لأننا نخاف؟

– صحيح، لأننا عندما نخشى أمراً ما، نتعامل معه بمستوى خطورته والخشية منه من خلال رؤية واضحة وخطة متكاملة، فنكون من جهة نقوم بواجبنا، ومن جهة أخرى نتخذ خطوات استباقية لتدارك هذا الخطر المقبل علينا كأفراد أو كجماعة أو كوطن. وقد ننجح في كل الخطة وقد لا ننجح، لكن بالتأكيد لا نفاجأ في الطريق أمام حدث أو ما شابه، لكن لا شك اننا نحد من الكثير من الخسائر، بالإضافة الى كسب الوقت وإفساح المجال أكثر للمعالجة، لكن للأسف نحن لسنا في هذه الحالة. ويكفي أن نرى في لبنان إجماعاً على تشخيص حالة بأننا نواجه خطراً يستهدفنا جميعاً، ولكن نرى نزاعاً في البلد على تشخيص الحل.

ــ يعني نحن أمام <كونسولتو> أطباء لكل منهم رأيه؟

– هذا إذا اعتبرنا أننا أمام أطباء كي لا نظلم الأطباء، وأنا لا أرى أن كل من يتعاطى السياسة هو في هذا الموقع للأسف. وبالطبع ليس الجميع بل ثمة فائض ممن يتعاطون السياسة، لكن هناك قلة ممن يتمتعون بالحكمة والقدرة على التشخيص والاستشراف، وبالتالي القيام بالمبادرات والخطط وما شابه.

منابع الخطر

ــ أين تجد منبع الخطر بالضبط، هل في عرسال أم في طرابلس أو شبعا؟

– هذه مساحات نراها متنقلة الآن تجري فيها أحداث سواء في عرسال أو في طرابلس، أو ما يحذرون منه في شبعا والمحيط. وهذا كله له ارتباط بما يجري في سوريا، ونحن أيضاً عشنا نزاعات فيما بيننا في تشخيص الحالة السورية وثم في تشخيص الحل وحتى ان الموضوع الذي بدأ يأخذ في بداياته طابعاً إنسانياً، أي موضوع النازحين، أصبحنا نحن اليوم نازحين تحت عبء قضية كبيرة جداً أخذت أبعاداً سياسية وأمنية.

ــ نازحون في خيمة دولية؟

– إذا جاز التعبير أقول: نازحون من دائرة التكفير والعقل وحسن التقدير ورازحون تحت ضغط سوء التدبير مع الأسف.

كذبة التحالف

ــ الإئتلاف الدولي لضرب <داعش> تشكل، وبدأ طلعاته الجوية، لكن الرئيس الأميركي <باراك أوباما> قال انه لم يكن يعرف أن <داعش> تملك هذه القدرة، لأن مخابراته لم تقدر جيداً قوة <داعش>، ما يعني أن الهجمة الدولية في المجهول. فماذا تقول هنا؟

– أكبر كذبة في التاريخ هي هذا التحالف… فقبل أيام من اجتياح الموصل كنت أستمع الى إذاعة الـ<بي بي سي> وأنا في السيارة وأحد أبرز رجال المخابرات الأميركية كان يتحدث بالحرف الواحد عن أن أميركا تجري أكبر عملية مراقبة في تاريخ المخابرات على أرض العراق، وهذا يشمل كل أنواع المراقبة.. وهنا أسأل: كيف يقول أبرز رجال المخابرات هذا الكلام ويخرج <أوباما> ويقول انه فوجئ بقوة <داعش>؟!

واستطرد قائلاً:

هذا أولاً، وثانياً، إذا أدرك حجم هذا الخطر، فإنه اتبع سياسة انتقائية واستنسابية تخدم المصالح الأميركية – الإسرائيلية لا أكثر ولا أقل، بمعنى أنه من خلال منطق الرئيس الأميركي فهو قال انه يريد مواجهة هذا الإرهاب، لكنه لا يريد روسيا ولا ايران، ما يعني انه يقول سلفاً انه لا يريد مواجهة هذه الحالة… فإذا اعترف بأن مخابراته أخطأت في التقدير، فإن روسيا تعاني من هذه الحالة منذ سنوات في الشيشان وقامت بمعالجات أمنية كانت مكلفة جداً على مستوى الواقع الروسي والشعب الروسي والعلاقات الروسية الداخلية والخارجية، وبالتالي إذا كان <أوباما> يريد معالجة هذا الأمر، فإن روسيا سبقته في ذلك، وعلى الأقل كان عليه أن يجري اتفاقاً مع روسيا دون أن يسقط نقاط الخلاف الأخرى معها، في ساحات أخرى، لكن لا يجوز إسقاط الإيجابي بسبب الحالات الأخرى أو اسقاط المشترك.. وثالثاً، فإن إيران معنية كدولة إقليمية كبرى في المنطقة بأمنها واستقرارها أو بمشاكلها، وهي متهمة من دول عديدة بأنها تتمدد وتتشدد وتمد اليد الى دول عربية وتمارس كذا وكذا، لكن ثمة من يقول إن أميركا سلمتها العراق بعد الشعار  الكبير باستئصال الإرهاب وعلاقة صدام حسين بتنظيم <القاعدة> ووجود أسلحة دمار شامل في العراق، لكن تبين أنهم جاءوا لاستخدام أخطر أسلحة الدمار الشامل وهي الفتنة المذهبية. فهذا هو الدمار الشامل وهذا هو الاستثمار الأكبر للأميركيين وللإسرائيليين. فالأميركيون تعاونوا مع ايران في أفغانستان، واستفادت ايران من ذلك وأصبحت شريكة في أفغانستان. وهنا أسأل: هل هي مصادفة إعلان التحالف الدولي بالتزامن مع الإعلان عن نتائج الانتخابات الأفغانية بعد أربعة أشهر من الانتظار، وحيث تم تركيب رئيس محسوب على الأميركيين (أشرف غني) ورئيس الحكومة مدعوم من ايران (عبد الله عبد الله)؟!

إقصاء المالكي والتوافق الأميركي – الايراني

ــ لو سلمنا جدلاً بذلك، ما معنى إقصاء نوري المالكي في العراق؟

– المالكي سمي بقرار أميركي – ايراني وخرج بقرار أميركي – ايراني، وبالتالي فالتواصل بينهما قائم، فلماذا لا يكون التوافق في موضوع الإرهاب إذاً؟!

وتابع يقول:

– أما رابعاً، وميدانياً فما أقوله ترجم على الأرض عند وصول <داعش> الى اربيل العراقية، فأوقف الزحف وتم استنفار كل القوات الغربية بقيادة أميركية وفتحت المخازن والمستودعات ليتسلح الأكراد أو يرسم الخط الأحمر بأنه ممنوع الاقتراب من اربيل ومن بغداد.. فالمنطقة الكردية كردية والمنطقة الشيعية شيعية وممنوع الاقتراب منهما، لكن المنطقة السنية يتم الاقتتال فيها سنة وسنة، وسنّة وشيعة، وأكراد وعرب، ويُقتل المسيحيون فيها والأيزيديون، لكن ممنوع المساس بكردستان الأكراد والنفط. وإذا كان الغرب أهل مروءة ونخوة وشجاعة لمساعدة الأكراد، فها هم الأكراد في سوريا يتعرضون لهجمة من العدو ذاته وهو <داعش> وقد هجّر حوالى 160 ألف كردي الى تركيا، ومع هذا لم نسمع كلمة واحدة ولم يقم الغرب بأي إجراء.. فأين النخوة والشهامة والمروءة هنا؟

ــ هل هذا خط التقسيم الجديد؟

– ليس فقط خط التقسيم، بل المصالح بالدرجة الأولى، ثم إثارة النعرات لاسيما وأن مسألة الأكراد في سوريا جاءت باتفاق بين تركيا و<داعش> بعد اطلاق سراح المخطوفين الأتراك في الموصل وبعد إنجاز الصفقة، أعلن الحديث عن المنطقة العازلة وهذا ما أعلنه الرئيس التركي <رجب طيّب أردوغان> شخصياً وأكد انه بحث هذا الأمر قبل العملية في قمة الأطلسي مع الرئيس <أوباما> والقادة الغربيين، ما يعني أن كل ما نفذ كان من خلال صفقة دولية، و<داعش> جزء منها من موقعه بطريقة غير مباشرة، لكن كل واحد أدى دوره في هذه العملية، إنما في النهاية ومن خلال منطق <أوباما> فإنه باع الأكراد في سوريا بعدما استنفر لحمايتهم في العراق، واليوم أثير من جديد موضوع الكيماوي السوري للقول للنظام ان الطائرات الغربية أصبحت في سماء سوريا والطلب منه تسليم ما تبقى من هذا السلاح الكيماوي، وهذا السلاح بالطبع سيسلم لإسرائيل.

ــ وهل التحالف في وارد ضرب مواقع للجيش السوري؟

– لا… هنا أيضاً اعتراف أميركي رسمي بأنه تبين للإدارة الأميركية انها لم تحسب ان بقاء الأسد سيؤدي الى تمدد التنظيمات الإرهابية بهذا الشكل، رغم ان الأميركيين هم الذين بدأوا بالقول ان الأسد فقد شرعيته ويجب أن يرحل خلال شهرين أو ثلاثة إلخ… فما عدا ما بدا؟

وأضاف:

– وأهم من ذلك فهم اليوم يتحدثون عن شرعية دولية رغم كل ما يحصل في سوريا، والى حين لقاء وزير الخارجية السوري وليد المعلم بوزير الخارجية الروسي <سيرغي لافروف> كان الموقف السوري متبايناً مع الموقفين الروسي والإيراني، حيث كان لا يعترض على الضربات الغربية ويفتخر بأن النظام أبلغ قبل وقت من بدء العمليات سواء بشكل مباشر أو غير مباشر من قبل صالح الفياض موفد رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، لكن بعد لقاء المعلم – <لافروف> خرج الأول ليقول ان الضربات غير شرعية.. فما الذي جرى؟! أضف الى ذلك أن أمين عام الأمم المتحدة <بان كي مون> قال بالحرف الواحد عند بدء التحضير للتحالف: إن ذلك لا يحتاج الى قرار دولي، لأن ثمة مجموعات قامت بأعمال إرهابية ووحشية ضد مدنيين وقد تداعت بعض الدول الى إنشاء تحالف للمواجهة، لكن الكل اليوم يعترف بأنه أخطأ في التقدير والتدبير والمنطقة تدفع ثمن ذلك، ثم أسأل: هل سمعت كلمة عن اسرائيل التي تمارس الإرهاب والأعمال الوحشية في غزة وحتى الآن، بعد وقف النار في غزة، ولماذا لا يكون هناك تحالف دولي ضد إرهاب اسرائيل، أو على الأقل لتنفيذ القرارات الدولية الصادرة بخصوص القضية الفلسطينية؟! فالغرب لا يلزم اسرائيل بتنفيذ القرارات الدولية، وإنما ينزعج من محمود عباس (أبو مازن) إذا وقف على منبر الأمم المتحدة وطالب بتطبيق القرارات الدولية وتحديد مهلة زمنية لإقامة الدولة الفلسطينية كي لا يبقى التفاوض مع اسرائيل مفتوحاً ويستمر معه الابتزاز الاسرائيلي بما ينعكس على الوضع العام ويهدد السلم والأمن والاستقرار في المنطقة والعالم.. فكيف نصدق السياسة الأميركية؟!

فتش عن مصالح اسرائيل

 

ــ والخلاصة؟

– كل ما يحمي اسرائيل مضمون ومطلوب. أما الصراع السني – السني فيجب أن يبقى مفتوحاً لخراب ودمار المنطقة، والفتنة المذهبية السنية – الشيعية يجب أن تبقى مفتوحة لتأتي اسرائيل وتقول إن الصراع العربي الاسرائيلي ليس هو سبب عدم الاستقرار في المنطقة، بل هو الإرهاب الذي يعتبر سمة إسلامية وسنية بشكل خاص، وان الأصوليات هي الخطر الكبير في المنطقة، وان ما فعلناه ببعضنا كعرب لم تفعل اسرائيل منه شيئاً حتى في غزة وفي كل الحروب بدءاً من العام 1948 حتى اليوم، بدليل أن هناك 10 ملايين هجروا من سوريا التي دمرت ولم يبقَ فيها حجر على حجر، ولم يبقَ فيها بشر أيضاً. والأموال العربية هدرت والثروة العربية رصدت للاقتتال فيما بين العرب. وكل ما كتب ونشر وصوّر عن جرائم ذبح وقتل واستئصال قلوب وأكباد، أمر لم يحصل في تاريخ الحروب العربية – الاسرائيلية لتخلص اسرائيل الى نتيجة بأنها الدولة الديموقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط، وأن العرب قتلة وجهلة وذبّاحون وعنصريون وإرهابيون.. فهذا كلام اسرائيلي للعالم كله، للإشارة الى ان اسرائيل تعيش في دائرة تحيط بها كل أشكال الإرهاب والمخاطر: <حماس> في غزة، حزب الله في لبنان، النصرة والإرهابيون في الجولان، و<داعش> على أبواب الأردن، فكل هذا يحبط اسرائيل التي لا تستطيع حسب قولها، العيش في هذه المنطقة دون أن تتخذ إجراءات تناسبها ولا تقبل أن يتم انتقادها بكلمة، وبالتالي فهناك خطورة لكل ما يجري واستغلال للوضع القائم بحيث تقول اسرائيل إن <أوباما> يشكل تحالفاً دولياً من كل أصقاع الأرض لمحاربة <داعش> واسرائيل تسأل: ألا يحق لنا أن نواجه هذا الإرهاب داخل بيتنا؟! ثم إن رئيس وزراء بريطانيا <دايفيد كاميرون> يقول إنه سيأتي من بريطانيا الى بغداد لمواجهة الإرهاب، فماذا يقول عنا ونحن نواجه الإرهاب داخل بيتنا وداخل أرضنا؟! هذا هو المنطق الإسرائيلي الذي يستغل ما يحصل للقول إن من حق اسرائيل أن تتخذ أي إجراء لحماية أمنها الاستراتيجي، لا بل تطلب من الغرب أن يوفر كل الاحتياطات والاحتياجات الأمنية الاستراتيجية التي تضمن اسرائيل واستقرارها، وبالتالي فالرابح الوحيد من كل ما يجري في المنطقة هو اسرائيل، لا بل تعمد اسرائيل الى مصادرة آلاف الدونمات في الضفة الغربية والدور الآن على النقب، لا بل ان المفاوضات توقفت مع الفلسطينيين بسبب غور الأردن بعدما أصر الفلسطينيون على انسحاب اسرائيل من غور الأردن، لكن الاسرائيلي لم يقبل حتى بوجود قوات أطلسية ولم يقبل بقوات أميركية، بل يريد غور الأردن وحسم المسألة ويرفض أي نقاش حولها، باعتبارها منطقة استراتيجية وسياجاً أمنياً خشية وصول الارهاب الى اسرائيل.

واستطرد قائلاً:

– أضف الى ذلك ان رئيس وزراء العدو <بنيامين نتانياهو> ومن منبر الأمم المتحدة وقف وقال إن المبادرة العربية (التي أقرت عام 2002) أقرت لشرق أوسط كان قائماً آنذاك، ولكن هذا الشرق الأوسط انتهى، بمعنى أنها أقرت يوم لم تكن هناك <نصرة> في الجولان ولم يكن ثمة <حماس> في غزة، ولم يكن ثمة حزب الله يهدد اسرائيل، وبالتالي الواقع اليوم مختلف تماماً وهذه مسألة انتهت دون أن يلقى كلامه أي اعتراض غربي أو عربي.

ــ الى أين سنصل من خلال هذا السيناريو؟

– حرب مفتوحة بين بعضنا البعض وفتن متنقلة بهدف تفتيت المنطقة وتقسيمها ومصادرة ثرواتها. فالمنطقة ستكون مرهونة. والدليل أن الجدل حول نفط <داعش> في سوريا حيث يقرأ البعض جانباً واحداً من خلال ضرب منشآت النفط بهدف تجفيف منابع المال لـ<داعش>، وهذا صحيح. لكن ماذا عن الجانب الآخر حيث تقول أميركا إن النفط ليس للنظام وليس لـ<داعش>، انسجاماً مع السياسة التي رسمت بعد حرب اكتوبر 1973، عندما استخدم الملك فيصل سلاح النفط في وجه اسرائيل وقال الغرب آنذاك بوضوح ان النفط سلعة عالمية وتدار عالمياً ويحدد سعرها عالمياً فالنفط ملك الحضارة وليس ملك القابعين عليه، وسنعيد أموال هؤلاء البدو الى خزائنها الأولى وسنعيد كل دولار دفعته الحضارة الإنسانية. فهذا كلام غربي مكتوب وموثق.

ــ الى متى ستبقى رئاسة الجمهورية معطلة وهل هذا انعكاس لأحداث المنطقة؟

– هناك استقالة لبنانية من المسؤولية، وأمام هذا البازار الكبير في العالم، ما هي أولوية لبنان؟! لا شيء.. وبين العام 1975 والعام 1990 كانت هناك قضية واحدة هي القضية الفلسطينية وساحة واحدة هي الساحة اللبنانية، حيث يتم اللعب عليها وكل المحيط مزدهر، وكان الاهتمام بلبنان ولم يكن لبنان فقط أولوية بل كان الأولوية بذاتها، وكنا نرى الوفود والتحركات والمساعدات واللجان والمؤتمرات وكل الأجناس من البشر بالمفرق والجملة والمبادرات، لأن البازار كان على الساحة اللبنانية والترجمة كانت خارج لبنان حول القضية الفلسطينية ومتفرعاتها، ولكن الآن نرى أن محور الحديث في صنعاء والعراق هو العراق، وما يجري في سوريا ومصر وليبيا وتونس والبحرين والصومال والسودان، فأين موقع لبنان في هذه الأولويات؟! فإذا كان ثمة بازار في الدول الكبرى قد يكون لبنان في الموقع الأخير، وبالتالي ماذا ننتظر نحن؟ علينا أن نستفيد من الفرصة التي أتيحت لنا عبر عدم جعلنا أولوية وساحة، لكننا للأسف، صرفنا الكثير من  أوراق هذه الفرصة، ومع هذا لا تزال الفرصة لدينا، ولو لم تكن الإمكانات كما هي في السابق. فالمسؤولية لبنانية كيفما ذهبنا في التحليل وسنصل الى نتيجة أقل مما يحلم أي فريق في النهاية، وإذا حصل صدام فلبنان لا يحكم إلا بالتسوية، والصدام في الخارج يستخدم لبنان ويدفع الثمن اللبنانيون. وإذا أخطأنا في تقدير الصراع نسيء الى واقعنا اللبناني، وبالتالي نحن ندفع الثمن في كل الحالات.. ولذلك أقول انه اذا كانت الأمور ذاهبة الى تسويات، فمن قال إن الاولوية هي للبنان؟! قد تكون لليمن أو للعراق أو للإرهاب أو لسوريا، ولا أحد يعلم. وسنبقى ننتظر إذا لم نتحرك الآن، لأننا في النهاية سنذهب الى تسوية، فلماذا لا نذهب الى تسوية على البارد الآن وبهدوء وبعقل بارد ونجنب البلد الكثير من الخضات؟!

ــ يعني ذلك أنك لا ترى رئيساً في القريب؟

– طبعاً لا… فالمعطيات لا توحي بذلك..

ــ وهل الرئيس التسووي هو المطلوب؟

– رئيس مقبول من الجميع يعرف كيف يتعامل مع الأزمة لا أكثر ولا أقل.. فالمطلوب هو حماية التنوع في لبنان، وكذلك حماية النسيج الاجتماعي ومعالجة بعض القضايا المطروحة، لاسيما المعيشية منها بصورة خاصة.

سر تحرك جنبلاط

ــ تحركات النائب وليد جنبلاط نحو كل الأطراف وجولته على كل المناطق لاسيما الجنوبية منها هل هي نتيجة استشعاره الخطر حتى من بوابة الجنوب في شبعا وكفرشوبا ومنطقة حاصبيا، لاسيما وأنه رجل الرادار؟

5-(13)

– الأمور لا تحتاج الى رادار، حصلت مشاكل على الأرض في شبعا ومحيطها وفي عين عطا وأثارت نفوساً وغلياناً وشحناً وتعبئة وطرحت أسئلة كثيرة.. فالأمور لا تحتاج الى <أنتينات> ورادارات مع تأكيدنا على أن وليد بك يمتاز بهذه الميزة والصفة، لكن دعك من كل ذلك وأسأل: لمَ هذه المشاكل على الأرض؟ فميزة وليد بك انه لا يترك الشارع يدير نفسه بانفعال، ولا يترك المجال والقرار لأهل الانفعال مهما تكون مبرراتهم واقعية ومنطقية، لكن يجب أن نذهب أبعد ونقرأ مغزى المشاكل والأحداث وما قد تجر من انعكاسات، وهنا المحك والامتحان وأهمية القيادة السياسية.. فوليد جنبلاط لم يذهب الى راشيا وحاصبيا للسياحة وهو لا يمارس ترف السياحة والانتقال من بنشعي الى شبعا مروراً بكفرشوبا والهبارية والبقاع الغربي وراشيا، لو لم يكن يعرف خطورة ما يجري، خاصة وأن وضعه الأمني دقيق، لكن يرى أن ثمة ضرورة للتواصل المباشر مع الناس من كل الفئات والبيئات ليقول كلاماً واضحاً وشجاعاً وصريحاً حول قراءته للمرحلة المقبلة.

ــ هو أول من تجرأ وقال بالتفاوض والمقايضة لاسترجاع العسكريين. فما معنى ذلك؟

– كنا نقول هذا الكلام حرصاً على بقاء الخطاب السياسي متماسكاً، لاسيما للحفاظ على وحدة الحكومة والمؤسسات الأمنية وعلى رأسها الجيش اللبناني، لكن للأسف نظراً للولدنة والخفة والأحقاد في طريقة مقاربة القضايا كان لا بد من قول كلام واضح وصريح بهذا الاتجاه. فالمسألة لا تتحمل أحقاداً أو انفعالات أو خفة في التعاطي.. ففي مكان ما لا بد من أكتاف تحمل مسؤولية سياسية في البلد.. هات رجالاً وهات أكتافاً وبين الأكتاف أعطني عقلاً ورأساً.

ــ هناك حركة سعودية – ايرانية تجلت في نيويورك.. فكيف تقرأ ذلك؟

– نحن معنيون بهذا الأمر، ولذلك دعونا من بداية الطريق لهذا الحوار.. فإيران ليست عدواً رغم الخلاف معها حول كثير من القضايا، ففي النهاية العدو هو اسرائيل، وبالتالي لا بد من التعاطي مع هذه الدولة الإقليمية. ولذلك في كل لقاءاتنا الداخلية والخارجية كنا نقترح الحوار العربي – الإيراني وتحديداً السعودي – الايراني. وبدأ هذا الحوار، فهذا شيء جيد جداً ونحن نأمل أن يستمر هذا الحوار على قاعدة ما تحدث به وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل وقال كلاماً بليغاً بهذا المعنى ما حرفيته: <نتجاوز أخطاء الماضي ونذهب الى تعاون بين دولتين قويتين قادرتين في المنطقة>، هذا عين الحكمة والعقل ونحن نتطلع الى مثل هذا الحوار، لكن دون مبالغة أو إفراط في التفاؤل.. فهذه بداية قد تتعرض لكثير من الاستهدافات من قبل من لا يريد مثل هذه العلاقة المباشرة، بل يريدون ابتزاز العرب بإيران واستخدام العرب في وجه إيران أو إبقاء الفتنة مفتوحة بين ايران والعرب وامتداداً بين سني وشيعي وما شابه… فهذه بداية وقد تتعرض لهزات وقد يتأخر التفاوض والوصول الى نتائج ولذلك يجب أن نعرف كيف نواكب هذه الحالة بحرص وبأمل دون إفراط في الحساب بالرهان، كما حصل عند زيارة مساعد وزير خارجية ايران أمير عبد اللهيان للمملكة العربية السعودية، حيث اعتبر البعض أن البحث بالرئاسة في لبنان قد بدأ.. هذا أولاً، وثانياً من العيب أن نبقى ننتظر مثل هذه الأمور لأن الكرة سترتد في النهاية الينا وقد يكون جدول الأولويات مختلفاً عما نفكر به أو نأمل ونحلم به..