23 September,2018

الخطأ الكبير كان عندما سمح للخاطفين بالانسحاب ومعهم العسكريون الأسرى!

 

SAM_0070لا يزال ملف العسكريين المخطوفين في جرود عرسال الجرح النازف في الخاصرة اللبنانية، في وقت تهدد التنظيمات الإرهابية باختراق الحدود اللبنانية شرقاً وتضع ضمن سلة شروطها للإفراج عن العسكريين بنداً يتعلق بإقامة منطقة عازلة تصل مساحتها الى 600 كلم في الجرود بدءاً من بلدة الطفيل الحدودية حتى عرسال. فكيف يرى المحللون العسكريون الخروج من المأزق ومواجهة كل الاحتمالات؟

<الأفكار> استضافت في مكاتبها العميد المتقاعد الأميرال البحري سمير الخادم وحاورته في هذا الملف، بالإضافة الى مسألة تسليح الجيش اللبناني وجهوزيته وواقع القوة البحرية اللبنانية، علماً ان العميد الخادم أصدر كتاباً باللغة الفرنسية عن الواقع اللبناني خلال الانتداب الفرنسي عام 1941 تحت عنوان: Le Liban Sous Mandat Français/ Le Sous – Marin Souffleur/ Beyrouth, Juin – Juillet1941.

وسألناه بداية:

ــ كيف تقارب ملف العسكريين المخطوفين وطريقة التعامل معه؟

– في رأيي ان الاتفاق الذي حصل عند بداية الأحداث يوم 2 آب/ أغسطس الماضي كان سلبياً جداً على الجيش ولم يكن لمصلحة العسكريين. ومع احترامي لهيئة العلماء المسلمين، فما كان يجب السماح للمسلحين بالخروج من عرسال سواء من <جبهة النصرة> أو من <داعش> بسياراتهم وأسلحتهم الكاملة وذخيرتهم بمعية العسكريين، سواء من الدرك أو الجيش.. فهذا الاتفاق الذي نص على انسحابهم على أن يسلموا العسكريين عند إتمام الانسحاب كان خاطئاً، وكان من المفترض أن يتم اتخاذ رهائن من المسلحين مقابل العسكريين، على أن يتم إطلاق الجميع فيما بعد بالتزامن، وكان الجيش قادراً على ذلك، ولكنه مُنع من ذلك.

ــ من منعه ومن هو المسؤول هنا؟

– لا نريد تحميل القيادة العسكرية أي تبعات لأنها تعرضت لضغوطات سياسية كبيرة من عدة جبهات، وكان الأفضل في الأساس ترك القيادة تتصرف وهذا لم يحصل، والجيش بعدما جمّع قواته اثر المعركة كان قادراً على التدخل وحسم الموقف من خلال حركة عسكرية، لكن الحركة السياسية أعاقت ذلك وهذا لم يكن لصالح الجيش أبداً.

ــ وماذا عن الشروط الموضوعة لإطلاق العسكريين؟

– كل الشروط ليست لصالحنا، لاسيما إنشاء منطقة عازلة وعدم محاصرة عرسال.. فعرسال جزء من لبنان وأهلها ليسوا غرباء، ولا بد من إجراءات يجب أن يتخذها الجيش حرصاً على أمن عرسال ولبنان، لأن الخطــأ لم يعـــد مسموحـــاً اليـــوم كي تتكرر تجربـــة 2 آب/ أغسطس الماضي، فــــإذا اخــترق المسلحون جبهــــة من الجبهـــات أو هاجمـــوا حاجـــزاً مــن الحواجـــز أو خطفــــوا رهـــائن  جـــدداً، فإن هذه التداعيـــات ستكون مضرة بالجيش وبسمعتــــه لاســـيما وان الجيش يتكبد دائماً الشهداء والجرحى، وبالتالي فهذه الجبهة يجب أن يعززهــــا الجيش منعاً لحصول أي خرق محتمل من قبل المسلحين أو لتفادي حصول أي مفاجآت لم يعد ممكناً السماح بها.

مبادرة حسن النيّة

ــ لو كنت مكان القيادة، ماذا تفعل؟

– طبعاً القرار السياسي هو الأساس والسلطة السياسية هي التي تعطي الأوامر، لكن في تقديري ان المسألة تقارب من زاوية كل واحد يريد قطف ثمارها. وما يؤخر التقدم في التفاوض يبدو أنه بدون عذر، لاسيما وأن كل دول العالم تفاوض لاسترجاع أسراها بدءاً من ألمانيا وفرنسا وإسرائيل وغيرها، وما يجب أن يحدث اليوم قبل الغد هو تهدئة الخواطر، بمعنى إبداء حسن النيّة بين عناصر التفاوض من خلال بادرة ما. ونحن لدينا 3 نقاط ارتكاز لمبادرة حسن نية تجاه المسلحين: الأولى ان هناك فئات من المسجونين الإسلاميين الذين قضوا مدة محكوميتهم، ولا بد من الإفراج عنهم، والثانية إصدار الأحكام بحق الذين قضوا تقريباً مدة محكوميتهم المفترضة والإفراج عنهم والثالثة ضرورة محاكمة كل المتورطين بقضايا إرهابية وتفجيرات بسرعة وتحديد الأحكام الصادرة بحقهم نهائياً، حتى ان هناك بعض الموقوفين لم يحاكموا بعد منذ أيام حوادث نهر البارد عام 2008. فهذه الأمور لا تؤثر على الوضع السياسي، إنما معنوياً توصل رسالة إيجابية كبادرة حسن نيّة من المفترض أن تقابل بمبادرة من المسلحين الذين قد يفرجون عن بعض العسكريين المرضى أو الكبار في السن.

ــ من يطالب القضاء بذلك؟

– من المفترض أن يتحرّك وزير العدل في هذا الموضوع ويعطي تعليماته بالاتفاق مع الحكومة، على أن يتم إجراء جردة بكل الموقوفين والسجناء، فمن قطع مدة محكوميته يفرج عنه، ومن يجب أن يحاكم فليحاكم، ويصدر الحكم عليه، وبالتالي تتحسن الأجواء من خلال هذه الطريقة. وأنا كنت سابقاً ضابط ارتباط عند معبر المتحف أثناء الحرب، وكان المذيع شريف الأخوي، رحمه الله، يقول إن الطرقات سالكة وآمنة. فقلت له ان لا شيء سالكاً وآمناً، لكن حصل أن جاءني أحد السوريين وقد فقد أحد أقاربه، فتحدثت مع حزب الكتائب ولم نجد له أثراً، فطلبت آنذاك من الأدلة الجنائية البحث عن رفاته، وكانت هناك مقبرة في تحويطة فرن الشباك لهذه الغاية، وفعلاً فتشوا عنه فوجدوه جثة هناك، فشكرني أقاربه والحمد لله أن اهله ارتاحوا عندما علموا بمصيره، حتى لو كان ميتاً. فهذا مثال على ما يجب فعله في سجن رومية لجهة إصدار الأحكام بحق الموقوفين ليعرفوا مصيرهم والبريء الذي قضى محكوميته يطلق سراحه، والمُدان تصدر الأحكام بحقه، وانتهى الأمر.

وتابع يقول:

– وبالتالي يجب أن يصل الموضوع الى نهاية، علماً ان المسلحين حاولوا عن طريق الأهالي الضغط على الحكومة من خلال الاعتصام والتظاهر، حتى يحدث خلاف كبير بين الفريقين وتنشب الفتنة لا سمح الله، خاصة لو سقط قتيل أثناء الاشتباك كي ينسى موضوع الأسرى ويصبح الشعار ان الجيش والقوى الأمنية يقتلان الأهالي، لكن هذه المحاولة لم تنجح ولم تقع الفتنة، والمسلحون الذين يعانون الأمرّين في البرد والشتاء يعرفون انهم يتحملون مسؤولية سلامة الأسرى في هذا الطقس القارس والثلج، ويهمهم بالتالي أن يصل موضوع التفاوض الى نهاية قريبة.

ــ الملاحظ أن الخاطفين طرحوا مطالب جديدة لا علاقة لها بالموقوفين الإسلاميين وهي تتمحور حول إقامة منطقة عازلة وتأمين ممر آمن لهم، فما مغزى ذلك؟

– هذا صحيح، فهم يريدون المؤن والطعام في هذا الشتاء بسبب الحصار المفروض عليهم، ولذلك أقول إن هذا الموضوع يجب أن يأخذ المنحى الإنساني وليس المنحى العسكري ويتم حله بسرعة، لاسيما إذا خرج بعض الموقوفين من السجون وأُطلقت النسوة، وهذا أمر لا يؤثر على الدولة واستراتيجيتها، ومن الممكن أن يحصل كمبادرة حسن نيّة لتسريع التفاوض وإنجازه.

الحصار قد يؤدي للاختراق

ــ هل هناك خوف بسبب الحصار وطلب المسلحين للممر الآمن من أن يقوموا باختراق للحدود نحو بعض البلدات اللبنانية في جوار بلدة عرسال التي تحولت الى خط تماس؟

– منطق العلم العسكري يقول حتى أيام الرومان انه عند حصار الأعداء لا يعقل أن يقطع خط الأمل بالنجاة والحياة، بل يترك لهم ممر للانسحاب، ونحن نغلق على المسلحين في جرود عرسال كل شيء، وفي هذه الحالة إذا اشتد الضغط عليهم سيقومون بمحاولة خرق لأي نقطة ضعيفة للجيش، بغية خطف رهائن واحتلال قرية ما، ولذلك  يجب ألا نصل الى هذا الاحتمال، خاصة وان المسلحين ليسوا في وارد أن يكون لبنان هو محورهم الأساسي، بل سوريا والعراق. لكن إذا صعبت الأمور عليهم فمن الممكن أن يغيروا استراتيجيتهم ويتحول لبنان الى هدف عندهم، وبالتالي تصبح القرى الحدودية المحور الأساسي لديهم لتأمين الإمداد اللوجستي، ونأمل ألا نصل الى مثل هذه الحالة، خاصة وأن الكثير من المسلحين هم من المرتزقة لقاء المال، حتى ان أجر الضابط يبلغ 5 آلاف دولار يومياً فيما الاختصاصي يعطى ألف دولار يومياً.

ــ وهل يؤثر انتشار حزب الله في منطقة القلمون على استراتيجيتهم؟

– أكيد… ومن دون أي عواطف أقول إنه لولا تدخّل حزب الله لكان المسلحون احتلوا قرى لبنانية، خاصة بلدة عرسال، ولذلك فإطالة الوقت ليست لصالح أحد.

ــ هل يصل الحوار بين حزب الله وتيار <المستقبل> الى حلول على هذا الخط؟

– أكيد سيصل الى حل لبلدة عرسال يتم التفاهم عليه بينهما.

ــ ماذا عن استعداد الجيش لاحتمال أي خرق، خاصة وأن البريطانيين أقاموا أبراجاً في جرود عرسال ورأس بعلبك؟

ــ الجيش عزز مراكزه هناك وهمّه ألا يتم اختراق الجبهة أو قيام المسلحين بأي عملية مفاجئة وهذه كارثة إذا حصلت لا سمح الله، حيث لا يمكن للجيش أن يتحمل ذلك.

 

تسليح الجيش

ــ نأتي الى تسليح الجيش ونسأل عن السلاح الفرنسي بهبة سعودية، وهل يمكن أن يحصل الجيش على السلاح اللازم لاسيما طائرات <الغازيل> التي اعترضت اسرائيل لدى فرنسا على تسليح الجيش بها؟

– هذا صحيح، فإسرائيل اعترضت على الطائرات المتقدمة التي تحمل صواريخ موجهة، وتستطيع القيام بمساندة من الجو للبرّ. وأعتقد أن الفرنسيين سيسلموننا الأسلحة لإرضاء لبنان، علماً ان الباقي من الأسلحة هو من المعدات والذخائر والشاحنات، وهناك موافقة ضمنية بأن يحصل الجيش اللبناني على السلاح، ويجب أن يقوى ويدعم ويتسلح، علماً ان اسرائيل تعرف انه مهما تسلح الجيش اللبناني لن يكون نداً لها. وهناك إرادة دولية بحماية لبنان ودعم الاستقرار فيه. فلبنان ليس متروكاً وهناك غطاء دولي يحميه من الاتحاد الأوروبي، وفرنسا وأميركا لا تسمحان بأن يفلت الوضع في لبنان بشكل كبير، رغم انه من الممكن أن تحدث مشاكل وأحداث متنقلة واختراقات لبعض الجبهات، لكن البلد لن يفلت وسيحافظ على الحد الأدنى من الاستقرار.

ــ وهل يمكن أن تتجدد موجة الاغتيالات كما يتوقع البعض؟

– لبنان يعيش اليوم مرحلة <الستاتيكو> والتوازن الموجود فيه سيبقى كما هو ولا يريد أحد خربطة الأمر الواقع فيه، والسبب هو أن لبنان يشكل <الترمومتر> للمنطقة ومصلحة الدول الكبرى يهمها الاستقرار في لبنان، بما في ذلك أميركا لأن لبنان هو منجم ذهب للمعلومات والاستخبارات، حيث يعرفون ماذا يحدث في سوريا والعراق وكل المنطقة، بما في ذلك اسرائيل من خلال لبنان.

ــ ألم يكن منجم ذهب المعلومات  موجوداً في حرب أهلية دامت لمدة 15 سنة زمن السبعينات؟

– هذه الحرب كانت حروب الغير على لبنان، أما اليوم فحروب الغير تحدث في سوريا والعراق وفي غزة، ولبنان محيد حالياً. وعلى كل حال، فالوجود المسيحي حمى لبنان من الفتنة، وإلا لكان الوضع كما هو الحال في سوريا والعراق. ولذلك فالدول الكبرى في الاتحاد الأوروبي وخاصة فرنسا وأميركا والفاتيكان تحرص على استقرار لبنان.

ــ كأميرال وقائد سابق للقوة البحرية اللبنانية نسألك: هل لدينا فعلاً قوة بحرية واعدة؟

– القوة البحرية تعمل بصمت وبالكتمان ولا أحد يراها، كما حال القوى الجوية والبرية. والبحرية اللبنانية رغم صغرها تقوم بدوريات في كل الشاطئ اللبناني وتعمل على حمايته، واليوم ستعزز القوة البحرية من خلال الهبة السعودية عبر زوارق الدورية السريعة. وهنا لا بدّ من أن نقدم الشكر لألمانيا التي أعطتنا العديد من المراكب وعملت على تأمين المراقبة البحرية الرادارية، بحيث ان كل الشواطئ مراقبة. كما نوجه التحية للقوة البحرية التابعة لقوات <اليونيفيل> التي تقوم بدوريات خارج وداخل المياه الإقليمية اللبنانية وتراقب البحر، وعندما ترى ما يثير الشبهة تتصل بالبحرية اللبنانية لتفتيش المنطقة المشبوهة، وقد حصلت حتى الآن 16 ألف عملية بحرية منذ إنشاء هذه القوة البحرية. كما لا بد من شكر فرنسا على دعمها للبحرية، خاصة وان ضباط البحرية اللبنانيين يتدربون في فرنسا.