21 November,2018

الخبير الاقتصادي البروفيسور جاسم عجاقة: المشروع لا يتطلب أكثر من أربعة أشهر ضمناً المناقصة والمعاملات الادارية!

 

بقلم طوني بشارة

جاسم-عجاقة

تعرَّف لبنان على الطاقة الكهربائية من خلال نشاط القطاع الخاص، وتولَّت الشركات الخاصة الانتاج حيث بدأت العمل بالطرق البدائية في العام 1925 في بيروت ثم في طرابلس ومن بعدهما انتقلت الى المدن اللبنانية الاخرى، بعد حصولها على الاذن من السلطات الرسمية المختصَّة، وفقاً لنطاق جغرافي حددته الدولة، يتضمَّن الانتاج والتوزيع.

في العام 1954 استردَّت الدولة اللبنانية الامتيازات الممنوحة من الشركات بالتراضي، ولاسيما امتياز <التوزيع العام للطاقة في مدينة بيروت وضواحيها> وامتياز <انشاء واستثمار شبكة توزيع الطاقة الكهربائية تحت التوتر العالي> وامتياز <انشاء واستثمار مصنع كهربائي على نبع الصفا>.

في 10/7/1964 أُنشئت مؤسسة كهرباء لبنان بموجب المرسوم رقم 16878، ومن مهامها انتاج ونقل وتوزيع الطاقة الكهربائية على كافة الاراضي اللبنانية، وقد منحت هذه المؤسسة امتيازات لادارة القطاع في بعض المناطق، منها كهرباء زحلة، وكهرباء قاديشا وكهرباء عاليه.

تملك المؤسسة حصرية الانتاج من سبعة معامل حرارية تعمل على الفيول والديزل والغاز، في الذوق والجية وصور وبعلبك والزهراني ودير عمار والحريشة، وفيما الطاقة الانتاجية المفترضة لهذه المعامل هي 2038 ميغاوات، ولكنها فعلياً تنتج 1685 ميغاوات كحدٍ اقصى.

كما تملك المؤسسة ثلاثة معامل انتاج على الطاقة المائية وهي معامل الليطاني، ومعامل شركة نهر البارد، ومعامل نبع الصفا، والقدرة الانتاجية الدفترية لهذه المعامل هي 220,6 ميغاوات ولكنها فعلياً لا تنتج هذه الكمية.

كما وتدير المؤسسة شبكة واسعة من خطوط النقل الرئيسية، تبلغ 1615 كلم، منها 1336كلم هوائي و279كلم تحت الارض، ولكنها في الوقت ذاته تحتاج الى وصلات اضافية، ويبدو ان حاجة لبنان للطاقة تُقدر حالياً بـ2250 ميغاوات، ومعدل النمو السنوي لزيادة الاستهلاك يُقدَّر بـ3 بالمئة، مما يوصِل حاجة لبنان الى 2500 ميغاوات في حدود العام2020.

إذاً هناك ازدياد في الحاجة دون حلول جذرية، مما يعني ان لبنان وحتى تاريخه ما زال يعاني من ازمة خانقة في مجال الكهرباء، حتى بات شائعا بأنه تأتي أزمة وتذهب أزمة، وتبقى أزمة الكهرباء ثابتة تعاصر كل التطورات والازمات وتأبى الذهاب، فمنذ سنوات خلت خرج وعد الى اللبنانيين بكهرباء 24 على 24 ساعة عام 2015، مر العام 2015 وسينقضي العام 2017 والوعد ليس بـ24 ساعة بل بنصف هذه الساعات بات حلما، وتطبيق الخطة الكهربائية واجه مجددا الخلافات السياسية، وفيما يكتفي المسؤولون بتوصيف الواقع يبقى المطلوب منهم الحلول.

ويبقى ملف الكهرباء من الازمات <العويصة> التي تعتبر فضيحة في التاريخ اللبناني واصبحت جزءا من الحياة اليومية للبناني حتى تهافت اللبنانيون على تطبيقات هاتفية تخبرهم بمواعيد انقطاع وحضور التيار الكهربائي في اليوم الذي يحدده مستعمل التطبيق، وهي من المفارقات المضحكة المبكية.

في الشتاء لا كهرباء بسبب الاعطال والطقس العاصف كما يقولون وفي الصيف لا كهرباء بسبب الضغط على الشبكة مما يتسبب باعطال وتصبح رؤية الكهرباء من الامور النادرة خلال اشهر الصيف الثلاثة، وكل عام يكون الوضع الى أسوأ، فهل المبررات منطقية في ذلك وهل كل ما صرف على الكهرباء ليس كافيا لتلافي الضغط والأعطال؟ وهل دول العالم تعاني من كل هذه الاعطال في الشتاء والصيف ام ان هناك سوء ادارة وهدر اموال؟

إزاء هذا الواقع وبعد التجاذبات حول قضية البواخر اقترح الوزير سيزار ابي خليل انتاج الطاقة على الرياح، وتم طرح فكرة الإنتاج كبداية في عكار، فكيف ستتم الية الإنتاج؟ وهل يعتبر هذا الحل امرا مستداما؟ وهل هو حل منطقي لازمة متجذرة في لبنان؟

أسئلة كثيرة لا بد من طرحها على الخبير الاستراتيجي البروفيسور جاسم عجاقة حول هذا المشروع إذ ان ملف الكهرباء دخل مرحلة النقاش الطويل والاخذ والرد بالتزامن مع قضية مناقصة استقدام البواخر لانتاج الطاقة هذا الصيف.

عجاقة وأزمة الكهرباء

الخبير الاقتصادي والاستراتيجي البروفيسور جاسم عجاقة يعتبر ان هذا الموضوع ليس بجديد، وقد أفضى المسح الذي تمّ القيام به في الماضي إلى إعتبار عكّار منطقة ملائمة من ناحية قوة الرياح، والحديث اليوم عن هذا الأمر يأتي في ظل إستكمال خطّة الوزير باسيل.

ويتابع عجاقة:

– لكن المُلفت في الأمر هو السرعة التي تمّ فيها إقرار المشروع وهذا يطرح السؤال عن أسباب هذه السرعة؟ على كل الأحوال فالكمية المُرتقبة من هذا المشروع لا تتعدّى مئات الميغاوايات من الكهرباء، وذلك عن طريق مناقصة كلّف مجلس news_image_file_12248الوزراء وزير الطاقة والمياه القيام بها، وهذا الأمر سيمتد الى أشهر قبل البدء بالمناقصة، مما يعني أن المشروع قد يمتدّ الى سنتين أو أكثر ابتداءً من فض العروض.

ــ ماذا عن الكلفة وهل هي فعلياً اقل من كلفة الانتاج الحالي بواسطة الفيول والغاز؟

 – من المعروف أن الكلفة لا تتجاوز الـ60 ألف يورو للميغاوات الواحد (كلفة ثابتة بحسب <2009Boccard>، أما الكلفة بحسب الإنتاج فهي صفر). بالطبع الكلفة أقل إذ أن كلفة الإنتاج لا تتعلّق بحكم الإنتاج على عكس الإنتاج بواسطة الفيول والغاز اللذين يُكلفان بحدود الـ 255 ليرة للكيلوات ساعة بحسب وزارة الطاقة والمياه، وهنا يكمن كل الفرق، أضف إلى ذلك أن الإنتاج بواسطة الرياح ليس له تداعيات بيئية من ناحية التلوث، وبالتالي فإنه أفضل بكثير من الإنتاج بواسطة الفيول والغاز، لكن هناك مُشكلة واحدة وهي مرتبطة بالضجيج الناتج عن عمل المراوح الا انه يُمكن تخطّيها من خلال إبعاد المراوح مسافة 10 كلم عن المناطق السكنية.

ــ أين لبنان من دول العالم في هذا المجال حيث هناك فائض في الطاقة المنتجة؟ واي دول تعتمد على هذا النوع من الانتاج؟

– تقريباً كل الدول الغربية تعتمد على هذا النوع من الإنتاج حيث قد تصل إلى 49 بالمئة في بعض المناطق مثل جنوب إستراليا، وأهم هذه البلدان هي: الصين (145,362 ميغاوات)، الولايات المُتحدة الأميركية (74,471)، ألمانيا (44,947)، الهند (25,088)، إسبانيا (23,025)، بريطانيا (13,603)، كندا (11,205)، فرنسا (10,358)… لكن للأسف تبقى النسبة الإجمالية من إنتاج الكهرباء بواسطة الرياح في العالم ضئيلة ولا تتعدّى الـ 2,5 بالمئة فقط!

ــ هل هو انتاج مستدام و فيه استمرارية؟

– بحكم أن هذه الطاقة تنتج من الرياح ولا تتطلّب أي عامل مواد أوّلية أخرى فهي في طبيعتها طاقة مُتجدّدة وبالتالي إنتاجها مُستدام وإستمراريته لامحدودة، لكن هناك بعض التفاصيل التقنية التي قد تؤدّي إلى وقف الإنتاج مثل سرعة الرياح والتي من المفروض أن تكون بين الـ 15 كلم في الساعة والـ 90 كلم في الساعة، وخارج هذا النطاق فمن الصعوبة على المراوح أن تعمل بشكل فعّال.

مصادر اخرى للانتاج

 

ــ ما هي مصادر الانتاج الاخرى الممكن اعتمادها في لبنان ( طاقة شمسية، طاقة مائية، من النفايات، او من مصادر اخرى….)؟

– من المنطقي القول أن إنتاج الكهرباء من الطاقة الأحفورية يبقى الأكثر رواجاً نظراً لفعّاليتها الإقتصادية، إلا أن هذا الأمر محصور بشكل دقيق بإنتاج الكهرباء من الغاز وليس كما يجري في لبنان حيث يتمّ الإعتماد على الفيول مع كلفته العالية والتلوّث البيئي الذي يُخلّفه. وفي ظل الإستراتيجية الحرارية، يُمكن للبنان الإعتماد بشكل جدّي على الكهرباء المُنتجة من الرياح ومن الطاقة الشمسية، والأهم في ما يتعلق بالطاقة الشمسية أن يتمّ إستخدامها على صعيد فردي نظراً الى أن المنازل تُشكّل المراكز الأكثر إستهلاكاً للكهرباء! وهذا الأمر يفرض سياسة واضحة من قبل الدولة تجاه إستهلاك الكهرباء في المنازل.

ــ ولكن أين هي الكلفة الاقل؟

– في المُطلق تأتي الرياح والطاقة الشمسية في الدرجة الأولى مع صفر كلفة إنتاج، وبعدها تأتي الطاقة النووية مع 7 يورو للميغاوات ساعة ومن ثم الكهرباء المُولّدة من الفحم مع 20 يورو للميغاوات ساعة، وأخيراً الطاقة الأحفورية مع 45 يورو للميغاوات ساعة، لكن الكلفة ليست المعيار الوحيد إذ أن الفعّالية الإنتاجية تبقى عنصراً أساسياً، ومن هنا نشأ ما يُسمّى بالإستراتيجية الحرارية (Energy Mix) والتي تفرض التنويع في مصادر إنتاج الكهرباء.

وعن سرعة التنفيذ يقول عجاقة:

– ما من شك الطاقة بواسطة الرياح تبقى الأسرع في التنفيذ إذ أن تركيب مزرعة صغيرة من المراوح بقدرة 100 ميغاوات على الأرض (وليس في البحر) يتطلّب فترة شهرين فقط، وبالتالي، فإن مشروع عكّار إذ ما تمّ القيام به بشكل جدّي فإنه لا يتطلب أكثر من 4 أشهر ضمناً المناقصة والمُعاملات الإدارية، إلا أن تجربة لبنان في هذا السياق تقول أن فترة سنتين هي فترة واقعية.