16 November,2018

الخبــــراء وأصحــــاب مراكـــــز الدراســــــات يؤكـــــــدون توظيـــف خدمــات الـــوزارات شعبـيـــاً لصـالــــح الأحـــزاب!

 

بقلم طوني بشارة

اظهرت الاتصالات والمشاورات التي يجريها رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري مع القوى السياسية حجم التباينات بشأن توزيع الوزارات، ومرد هذا التباين ليس جديداً في البلاد، فهو يظهر كل مرة عند تشكيل الحكومات اللبنانية، لاسيما في العقود الثلاثة الاخيرة، وتحديداً منذ تصديق البرلمان <لاتفاق الطائف> عام 1989، واللافت انه وعند تشكيل الحكومات اللبنانية، لاسيما في العقود الماضية، تطرح مسألة «الوزارات السيادية» وكيفية توزيعها بين الطوائف الكبرى، إذ جرى العرف أن هذه الوزارات هي إقطاعيات طائفية لزعماء الطوائف الأربع الكبرى (السنة، الشيعة، الموارنة والروم الأرثوذكس)، ولا يمكن، بل ربما من المستحيل، أن يتولى احداها وزير من طائفة غير الطوائف الأربع الكبرى التي سبق ذكرها، مما يشكل تمييزاً، فلا يحق لأي درزي أو كاثوليكي على سبيل المثال تولي إحدى هذه الوزارات حتى لو امتلك القدرة والكفاءة، وعلى أية حال، لا يعني تولي الطوائف الصغيرة حقائب سيادية أن هناك مشروعاً لبناء الدولة.

 وبالعودة الى التاريخ القريب، تلاحظ <الافكار> انه ومنذ تلك الفترة ظهر للاسف التصنيف للوزارات متخذاً ثلاثة مستويات في حكومة تتألف من 30 وزيراً، الأول وضع 4 وزارات وهي الخارجية والداخلية والمال والدفاع في خانة الوزارات السيادية وكرّس العرف بتوزيعها مناصفة بين المسلمين والمسيحيين، والثاني ضم 6 وزارات تصنّف بالوازنة، وأخيراً الوزارات الخدماتية والعادية، والأخيرة لا تستهوي القوى السياسية، ويضاف إلى هذا التصنيف وزراء الدولة، ويبقى وزراء الدولة عادة من دون حقائب مع استثناءات.

 

الواقعية السياسية وتوزيع الوزارات!

وتماشيا مع مبدأ الواقعية السياسية لاحظت <الافكار> ان الوزارات السيادية الأربع قد توزعت مناصفة بين المسلمين والمسيحيين بعد توقيع <إتفاق الطائف>، ويعود تكريس هذا المبدأ إلى نقل صلاحيات رئيس الجمهورية التنفيذية إلى مجلس الوزراء، وبالتالي بات كل فريق سياسي يسعى للفوز بحقيبة أو أكثر من تلك الحقائب، وفيما المداورة ظلت قائمة لسنوات طويلة، الا ان الأمور بدأت بالتبدل بعد العام 2005 مع الجنوح لتكريس مبدأ إحتفاظ قوة سياسية بوزارات محددة، وتجلى الأمر أكثر في الحكومات الثلاث الأخيرة حيث باتت وزارة الداخلية من حصة تيار <المستقبل>، ووزارة المال من حصة حركة <أمل>، والخارجية للتيار الوطني الحر، ووزارة الدفاع لوزير مقرب من رئيس الجمهورية، ولا يزال هذا العرف قائماً وقد أكدته التشكيلة الحكومية المسربة للحكومة المنتظرة.

الوزارات السيادية والتفاهم بين السياسيين!

 استنادا الى ما سبق لا يوجد أي نص دستوري أو قانوني يحدد ما هي الوزارات السيادية والوزارات غير السيادية أو الخدماتية، لكن التفاهم بين القوى السياسية استقر على إعتبار الوزارات التي تتناول الشؤون الأمنية والسياسة الخارجية والمالية «وزارات سيادية»، وهكذا تم إعتبار وزارات: الدفاع الوطني، الداخلية والبلديات، المالية، الخارجية والمغتربين «وزارات سيادية»، واعتبرت الوزارات الأخرى وزارات خدماتية تختلف أهميتها بمقدار إرتفاع موازنتها ومهامها، فوزارات الأشغال العامة والنقل، الصحة العامة، الطاقة والمياه، هي أولى الوزارات الخدماتية، وتأتي من بعدها وزارات التربية والشؤون الاجتماعية والزراعة، كما تكتسب وزارتا العدل والإتصالات أهمية كبرى نظراً لتأثيرهما ودورهما، مما جعل الأحزاب والقوى السياسية تتقاتل في ما بينها للحصول على الوزارات السيادية والوازنة.

وبالعودة الى التشكيلات الحكومية السابقة والى لغة الأرقام، تمكنت <الأفكار> من الاستنتاج بأنه ومنذ إقرار إتفاقية <الطائف> وحتى عهد الحكومة الحالية (التي اطلق عليها حكومة تصريف الاعمال) عرف لبنان 17 حكومة، توزعت فيها «الوزارات السيادية» الأربع على الطوائف الأربع الكبرى بصورة عادلة، إنما لم تحترم المداورة بشكل تام إذ لم يتول أي شيعي منصب وزير الداخلية والبلديات كما لم يتول أي أرثوذكسي منصب وزارة الخارجية والمغتربين فاستحوذ الشيعة والموارنة على وزارة الخارجية والمغتربين (8 منها للموارنة)، كما استحوذ الشيعة والروم الارثوذكس على وزارة الدفاع الوطني (9 وزارات للروم الارثوذكس و5 وزارات للشيعة) وتوزعت وزارة الداخلية بين الروم الأرثوذكس والسنة والموارنة، وكانت وزارة المالية من نصيب السنة والشيعة (8 وزارات للسنة و5 وزارات للشيعة) وقد جاء تولي وزراء شيعة حقيبة المالية في الحكومات الثلاث الاولى بعد <الطائف> إضافة إلى ان المداولات التي جرت في <الطائف> كانت سبباً في تمسك الشيعة بوزارة المالية بالرغم من تخليهم عنها لمدة 22 سنة (من العام 1992 حتى العام 2014).

وتمعناً بالتشكيلات الـ17 نلاحظ أن بعض «الوزراء السياديين» تولوا الوزارة أكثر من مرة وبعضهم لمرة واحدة، فقد تولى الرئيس الشهيد رفيق الحريري مهام وزارة المالية 3 مرات، وتولى الوزير محسن دلول مهام وزارة الدفاع الوطني 3 مرات، وتولى الوزير فارس بويز مهام وزارة الخارجية والمغتربين 5 مرات، وتولى الوزير إلياس المر مهام وزارة الدفاع الوطني 4 مرات، وتولى الوزير ميشال المر مهام وزارة الداخلية والبلديات 3 مرات.

ولكن وبما ان الدستور لم يصنف الوزارات وبالتالي لم يوزعها على الأحزاب والطوائف، فلماذا هذا الاقتتال والتهافت على تولي بعض الوزارات دون سواها؟ وبالتالي ما سبب هذه الهرطقات السياسية التي أدت للأسف الى تأخير لا بل عرقلة تشكيل الحكومة؟

<الأفكار> وانطلاقا من مبدأ العلمية الموضوعية نقلت اراء العديد من أصحاب مراكز الدراسات والخبراء والمحللين السياسيين والاقتصاديين أمثال الدكتور أنطوان صفير، الأستاذ ربيع الهبر، البروفيسور كمال حمدان، الدكتور غازي  وزني… وغيرهم، الذين اكدوا ان الوزارات الضخمة دورها لا يساهم فقط في حصول المرشّح على لقب نائب، بل قد يتجاوزه إلى تغيير موازين قوى كتل نيابية بأكملها، فيما يشدّد الدكتور أنطوان صفير أستاذ القانون الدولي على أن تسخير خدمات الوزارات لأغراض سياسية انتخابية يعتبر رشوة منظَّمة يجب المحاسبة عليها، كما وأكد الخبراء جميعهم انه وكما عند كل تشكيل حكومة يبدأ السباق في لبنان على ما تعرف بـ«الوزارات الخدماتية»، التي تعتبر بمثابة الحملات الانتخابية المجانية للأحزاب ومرشّحيها للانتخابات.

وبالتالي نوهوا بأنه يتم توظيف خدمات هذه الوزارات شعبيا لصالح الأحزاب، بينما يفترض بها أن تكون حقوقاً مكتسبة للمواطن بغضّ النظر عن الانتماء السياسي للوزير أو انتماءات المواطنين وطوائفهم، وشددوا على أن الوزارات الخدماتية تلعب دورا أساسيا في تجيير الأصوات في الانتخابات النيابية التي لم ولن تكون مجانية في لبنان، وهي قد تصل إلى درجة تغيير موازين قوى كتل انتخابية بأكملها بحسب الانتماء المذهبي والطائفي بالدرجة الأولى والحزبي بالدرجة الثانية، وذلك عبر تخصيص الخدمات لفئات ومناطق معينة يستفيد منها الحزب والوزير في تجيير الأصوات بالانتخابات النيابية.

وركز الخبراء وأصحاب مراكز الدراسات على أن معظم الوزارات يمكن الاستفادة منها في هذا الإطار، إنما يبقى بعض منها متربعاً على عرش الخدمات، مثل الداخلية والشؤون الاجتماعية والصحة والأشغال العامة والاتصالات، مذكرين بما يعرف

في لبنان بـ«الزفت الانتخابي»، في إشارة إلى مشاريع تعبيد الطرقات التي تنشط وتتزايد في لبنان قبيل كل موسم انتخابي أي كل أربع سنوات.

وأجمع الخبراء على أن معظم الوزارات في لبنان يمكن الاستفادة منها في هذا الإطار، لاسيما الأشغال العامة والنقل والطاقة والمياه والداخلية والشؤون الاجتماعية إضافة إلى وزارتي الصحة والسياحة، «فكل منها عبر أساليب معينة تكون على صلة أو تواصل مع المواطن بشكل مباشر أو غير مباشر عبر البلديات والجمعيات»، وتابعوا قائلين انه وانطلاقا من الواقع اللبناني الذي تكون فيه الخدمات الوزارية على تماس مباشر مع المواطن أو عبر البلديات، يمكن تصنيف الوزارات الخدماتية على فئتين: أولى، وتتضمن الأشغال العامة والنقل، والطاقة والمياه، والاتصالات، والصحة، والشؤون الاجتماعية، وثانية، هي السياحة والتربية والبيئة والثقافة بالإضافة إلى وزارتي الزراعة والصناعة»، مع العلم أن وزارات الداخلية والخارجية والدفاع والمال تصنف فعلياً في خانة الوزارات «السيادية» الحساسة، اما القوى السياسية فتزاحم بعضها البعض للقبض على الوزارات الخدماتية لتأمين أكبر قدر ممكن من الخدمات للناخبين والتأثير في قراراتهم الانتخابية، ويجري ما يعرف بتوزيع الحصص بدل أن يتم تشكيل حكومة تكنوقراط تكون مهمتها الإشراف على الانتخابات»، ويؤكّد معظمهم أنّ «أفضل الحكومات هي تلك التي تنظم العملية الانتخابية من خلال مسؤولين ووزراء حياديين غير مرشحين للانتخابات وغير منتسبين للأحزاب كي تبقى العملية الانتخابية بعيدا عن تأثير الأحزاب والطوائف»، ويشدد الخبراء على انه في نهاية المطاف الزمن الانتخابي هو زمن خدماتي، وتشكيل حكومة من شخصيات حزبية أو محسوبة على الحزبيين سيفتح الباب أمام هذا الأمر عبر الاستفادة من هذا الموقع واستعمال خدمات الوزارات لفئة دون غيرها بحسب مصالحه ومصالح حزبه وطائفته الانتخابية، بدل أن تكون الخدمات عامة وشاملة للجميع.. كما إنّ عدم توزيع الخدمات التي هي أساسا من حق المواطن، بطريقة عادلة، يعتبر رشوة يجب المحاسبة عليها».

ختاما الوضع الاقتصادي على شفير الانهيار والمؤسسات بمعظمها تحاول الصمود في ظل الركود الاقتصادي، وبالمقابل الأحزاب والطوائف بسبب اطماعها ومصالحها السياسية الخدماتية تسعى لكسب بعض الوزارات التي تراها دسمة وبالتالي تجر البلد نحو الهاوية غير آبهة بصرخة الشعب الذي لولاه لما وصلت هذه الأحزاب الى مناصبها السياسية.