11 December,2017

الحياد في الخلاف العربي ــ الإيراني.... مهزلة!

 

بقلم خالد عوض

سعد حريري

هناك أمر إستراتيجي لا يمكن للبنان أن يستمر معه بالإختباء في سياسة النعامة. الحياد في الخلاف الإيراني العربي غير مقبول. لا هو خيار إستراتيجي صائب ولا هو موقف منسجم مع تاريخ لبنان العربي.

أحد أوجه الحرب الأهلية في لبنان خلال ١٥ سنة كان عروبة لبنان وهويته. المسيحيون خافوا من هذه الهوية واعتبروا أنها تتمثل في ممارسات منظمة التحرير الفلسطينية أو أن الكيان اللبناني بمفهومه التعددي سيذوب في واحة الإسلام العربي والأنظمة العربية الديكتاتورية. ثم اقتنعوا أن البعد العربي للنموذج اللبناني هو قوة للبلد بعدما كانوا هم أساساً السباقين إلى صنع جوانب كبيرة من قوة الهوية العربية. وختم مؤتمر <الطائف> عام ١٩٨٩ النقاش حول هوية لبنان العربية من خلال دستور لا يسمح بالإجتهاد في تفسير هوية لبنان.

الحياد يصح عندما يكون هناك خلاف عربي عربي أو صراع داخلي داخل النظام العربي الواحد أو في دولة عربية. لم يوبخ أحد لبنان على حياده في الخلاف بين أربع دول عربية وقطر. وإذا حصل توبيخ فهو مردود لأن لبنان غير معني في شأن خليجي ــ خليجي أو خليجي ــ عربي. لا السعودية قاطعته ولا مصر غضبت منه ولا قطر طلبت تضامنا من لبنان. ولكن عندما يحصل خلاف إيراني عربي يجب أن لا يكون موقف لبنان فيه أي التباس.

حزب الله حزب لبناني، ولكنه عندما يهاجم آل سعود ليلاً ونهاراً، ويتعاطف مع شعب اليمن لأنه محارب من دول الخليج ولا يتعاطف مع الشعب السوري حتى لو تعرض للهجوم الكيميائي وبراميل البارود والتهجير والنزوح القسري، من غير الجائز أن يصبح ملهماً لسياسة الحكومة اللبنانية. لا يمكن التصديق أن علي عبد الله صالح حليف الحوثيين وبالتالي حليف حزب الله هو مثال الرئيس الذي ينصف شعبه أو أن بشار الأسد هو صورة للرئيس الذي يحكم بالعدل. لذلك للحزب أن يخطب كيفما يشاء من دون أن يعني ذلك أن على الحكومة اللبنانية أن تسايره في رأيه.

سياسة النأي بالنفس الفاشلة بكل المقاييس حتى اليوم، رغم جاذبية شعارها، تصلح في سوريا لأن الخلاف عربي عربي بين نظام وشعبه. ولكنها لا تنفع في الخلاف الإيراني العربي. المسألة ليست مسألة مصالح إقتصادية بقدر ما هي حول شكل الهوية الجغرافية التي سفكت دماء لبنانية كثيرة من أجل تأكيدها. مهما كان شكل النظام في هذه الدولة الخليجية أو تلك، ومهما كان أداء هذا الحاكم العربي، لبنان لا يغير هويته فقط لأنه لا يعجبه نظام هنا أو حاكم هناك. ولبنان هنا هو الدولة وموقف الحكومة، وليس موقف احزابه، الحرة في التعبير عن موقفها من دون أي إلزام لأحد على تبنيها. حتى العراق يكون مخطئاً وغير متصالح مع تاريخه عندما يعلن نفسه على الحياد بين إيران والسعودية. هل كان العراق يطلب من الدول الخليجية عندما كان يحارب إيران في أقصى المعارك الإقليمية الحديثة وأفظعها أن تبقى على الحياد؟

من الأحرى على لبنان والعراق أن يعترفا أنهما مغلوب على أمرهما بدل التلطي وراء موقف ضعيف وغير متناسب مع منطق الهوية التي اختاراها. يسمونه اليوم هذا الموقف الواهن بالحياد. أي حياد هذا عندما تدعم إيران الحوثيين في قصفهم للسعودية وتحارب أهل الشام؟ أما مسألة <داعش> والمتاجرة الرخيصة بمحاربة الإرهاب، فلا يمكن التصديق أن القاعدة العسكرية الإيرانية في سوريا هي لمنع الإرهاب من أن يتجدد. كفى إستخفافاً بعقول الناس، مرة النصرة ومرات <داعش> وفي جبران النهاية قاعدة عسكرية بعد أن زال خطر التنظيمين الارهابيين.

ليس المطلوب من لبنان إرسال جيشه للحرب في اليمن مع <الشرعية> هناك كما فعل حزب الله في سوريا، وليس المطلوب من لبنان أن يقف ضد الحوثيين أو ضد أي فريق في اليمن كما فعل حزب الله في سوريا، ولكن في ظل خلاف عربي ــ إيراني هو اليوم عنوان بيان الجامعة العربية، ليس الحياد مسألة فيها نظر بل فيها تخاذل.

لو حصل خلاف بين تركيا وأي دولة عربية وتكاتف العرب مع هذه الدولة، لا يمكن للبنان أن يقف على الحياد. لن يكون المطلوب منه مقاطعة تركيا ولكن على الأقل يجب أن يكون موقفه واضحاً لا لبس فيه.

ما يحصل من تأزم للعلاقات اللبنانية ــ الخليجية غير صحي أبداً لمستقبل لبنان والجو الدبلوماسي المناوئ للسعودية الذي قاده وزير الخارجية جبران باسل فيه تسرع إلى حد التهور.

أنكر أمين عام حزب الله السيد حسن نصر الله أي علاقة لحزب الله بالصواريخ البالستية في اليمن ولكنه لم ينكر ضلوعه في الحرب هناك ولو بأشكال مختلفة. وحتى لو كان هذا الدور إستشارياً، لا يمكن لحزب يساعد طرفاً يحاول إحتلال جزء من الأراضي في جنوب السعودية ويقصف مدنها أن يجلس في مجلس الوزراء ونعتبر كل هذا شأناً لبنانياً داخلياً.

هناك دور على اللبنانيين أن يلعبوه في مسألة وجود حزب الله خارج لبنان. الكلام أن هذا الموضوع أكبر من لبنان وشأن إقليمي كذب وجبن. يريد حزب الله أن يحارب في السند والهند فليكن له ذلك ولكن ليس بغطاء شرعي إسمه الحكومة اللبنانية. وعندما تتعرض دولة عربية لنيران تؤججها أياد غريبة ويجتمع العرب على التنديد بمصدرها، فأمام لبنان دور هو إما إطفاء الحريق وهذا هو منتهى المنى أو التضامن الكامل مع اشقائه العرب، ومن دون أي تحفظ.

التاريخ والجغرافيا والإقتصاد والمنطق والدستور تؤكد أن لبنان دولة عربية بل مؤسسة للجامعة العربية. لهذا لا داعي لأن يجرنا حزب الله إلى رحلة مكلفة على كل الصعد للبحث من جديد عن هوية البلد.