14 November,2018

الحوار يستمر بلا أفق أو حلول... بالتزامن مع «الحراك الشعبي» لـ «مواكبة» لقاءات نيويورك السعودية ـ الإيرانية ـ الأميركية!

بري-الحوارإذا كان الرئيس نبيه بري قد نجح في جمع قادة الكتل النيابية ما عدا <القوات اللبنانية> حول طاولة حوار مستديرة داخل مقر مجلس النواب في ساحة النجمة بعد طول غياب، فإن التحدي الحقيقي الذي سيواجه الرئيس بري يكمن في القدرة على استمرار هذه الطاولة أطول مدة ممكنة من جهة، وخروج المتحاورين الـ 16 من جهة ثانية بنتائج عملية تعطي للنسخة الثالثة من الحوار الذي بدأ العام 2006 واستمر في عهد الرئيس السابق ميشال سليمان، صدقية تثبت أن اللبنانيين قادرون على التفاهم فيما بينهم ورسم مستقبل بلدهم من خلال الشراكة الوطنية التي ميزت لبنان ما بعد الاستقلال، لبنان الميثاق ثم لبنان ما بعد الطائف. صحيح أن التجاذبات السياسية كبيرة ومتشعبة، لكن الصحيح أيضاً أن إرادة التلاقي، متى كانت حقيقية، يمكن أن تحدث خرقاً في جدار التشنج القائم بحيث يمهد لسلسلة حلول للمشاكل العالقة والتي أدخلت لبنان في أزمة نظام بعد تعطيل مؤسساته الدستورية الواحدة تلو الأخرى، بدءاً من الشغور الرئاسي الذي يكاد ينجز الشهر الرابع بعد السنة الأولى وليس في الأفق ما يوحي بإمكانية انتخاب رئيس للجمهورية يعيد إحياء المؤسسات، ويكون عامل ثقة بين القيادات التي باتت متباعدة عن بعضها البعض لغياب إرادة التلاقي راهناً.

ومع انعقاد الجولة الثانية من الحوار على وقع حراك مؤسسات المجتمع المدني ضد النظام حيناً وضد الفساد أحياناً مروراً بملف النفايات و<بدنا نحاسب>، بدا المشهد الحواري أسير ما حصل في الجلسة الأولى التي انعقدت وسط حصار أمني ضرب الوسط التجاري وزاد من تعطيل الحياة ضمنه، في وقت كان فيه أنصار المجتمع المدني يراشقون مواكب المتحاورين بالبيض والبندورة، ويهتفون ضد <الحرامية> وزراء ونواباً وفعاليات! إلا أن <حراك الشارع> لم يفعل فعله داخل القاعة وحول الطاولة بدليل أن ما أدلى به أركان الحوار لم يختلف عما يدلون به في وسائل الإعلام والصالونات، من مفردات ملّ اللبنانيون من تكرارها بعدما اطلعوا عليها من <التسريب> الممنهج لمحاضر الجلسة على رغم التوصية التي قدمها الرئيس بري للمتحاورين بإبقاء النقاش سرياً <وبين 4 حيطان> حتى لا يُستهدف برمايات مباشرة تقضي عليه وهو لا يزال جنينا!

 

3 اتجاهات متعاكسة

وفي اعتقاد مراجع مراقبة أن المتحاورين لم يبذلوا في الجلسة الأولى أي جهد يدلل على رغبتهم في تقديم مقاربة للأزمات والملفات المعقدة، تختلف عما كانوا يرددونه دائماً، وظلت دعوات بعضهم إلى الاتعاظ مما يجري في الخارج من حراك مدني يهتف بسقوط أركان الحوار قبل غيرهم من دون صدى، فغرق المتحاورون في التكرار ما أظهر طاولة الحوار <عاجزة> عن إحداث خرق أساسي في البند الأول أي انتخابات الرئاسة وإن أكثر بعض المتحاورين من تقديم مقترحات بقيت في إطار <التنظير> لكنها فرزت المواقف في اتجاهات ثلاثة:

الأول عكسته مطالبة ممثلي قوى 14 آذار بإعطاء الأولوية لانتخاب رئيس الجمهورية <التوافقي> فوراً وبعيداً عن نظرية <الرئيس القوي>. وبرز هذا التوجه من خلال <الطروحات> التي قدمها بعض الحاضرين ولم تزد أي عنصر إضافي على <أدبيات> تيار <المستقبل> والحلفاء في 14 آذار.

الاتجاه الثاني هو الذي عبّر عنه رئيس تكتل <التغيير والإصلاح> العماد ميشال عون الذي يعتبر أن المجلس النيابي الحالي لا يملك شرعية انتخاب رئيس الجمهورية بعد سقوط التفويض الشعبي الممنوح له مع التمديد الأول الذي تكرّر ثانية ما يستدعي إجراء انتخابات نيابية جديدة على أساس النسبية، أو انتخاب الرئيس العتيد من الشعب. وقد استوجب كلام العماد عون حول عدم شرعية مجلس النواب الممدد له، رداً من الرئيس بري رفض فيه التمييز بين <الشرعي> و<القانوني>، لأن المجلس الحالي  – حسب الرئيس بري – هو شرعي وقانوني في آن! كذلك أفرزت مواقف العماد عون حول الاستحقاق الرئاسي جملة ردود فعل كانت أبرزها من الرئيس فؤاد السنيورة والوزير بطرس حرب.

أما الاتجاه الثالث الذي عكسه <المستقلون> داخل أركان الحوار فهو الدعوة إلى التعاطي بواقعية مع الحوار والاتفاق على المسائل التي لا خلاف حولها، مثل تفعيل الحكومة وإيجاد حل لأزمة النفايات التي باتت أزمة على مستوى الوطن. غير ان دعاة الاتجاه الأول تكتلوا في ما بينهم لرفض طروحات دعاة الاتجاه الثاني ما ترك <صدمة> في نفوس المتحاورين فيما الحوار يشق طريقه بصعوبة.

 

لا تحدث اختراقاً!

وإذا كانت الجولة الأولى للحوار عبرت حقل الألغام إلى الجولة الثانية التي انعقدت أيضاً في المناخات السياسية نفسها من دون أي تقدم يذكر، وفي ظل استمرار <الحراك الشعبي> في الطرق والساحات وامتداده إلى عدد من المناطق اللبنانية، فإن المصادر السياسية تجمع على القول إن مسار المناقشات لا يوحي بإمكان التوصل إلى قواسم مشتركة، لأن الافتراق واضح حول كل النقاط الأساسية، بدءاً من مسألة انتخاب الرئيس إلى دور مجلس النواب، إلى استحقاق الانتخابات النيابية وقانونها العتيد، ناهيك بالمواضيع المطروحة الأخرى. ولا تكفي - وفقاً للمصادر نفسها – تمنيات الرئيس بري باستمرار الحوار <بلا قفازات>، ولا حرص معظم المشاركين على ضرورة بقاء الطاولة منعقدة، ليحقق لقاء الأركان الـ 16 نتائج ملموسة مع وجود محورين متناقضين من الصعب أن يلتقيا، علماً أن ثمة من بات يتخوف من المزيد من التصعيد بين هذين المحورين في الآتي من الجولات الحوارية، لا سيما وأن التصريحات والمواقف السياسية التي توالت بعد الجولتين الأولى والثانية لا تبشر بالخير بل بالعكس تؤشر إلى أن <الآتي أعظم>، وأن توصيف <حوار الوقت الضائع> هو الذي ينطبق على مداولات ساحة النجمة في ظل غياب المعطيات التي تدل على إمكانية تحقيق <اختراق> ما في أي من الملفات المطروحة خصوصاً ملف الانتخابات الرئاسية وملف قانون الانتخابات وإن كانت فكرة مناقشته لقيت تجاوباً مشروطاً من أعضاء في <هيئة الحوار الوطني> في ظل تمسك فريق 14 آذار بأن يبقى موضوع الاستحقاق الرئاسي الأول على أجندة النقاش وعدم الانتقال إلى غيره قبل بته، وترى المصادر السياسية نفسها أن الملف الرئاسي سيبقى جامداً طالما لم يتحقق أي تقدم يؤشر إلى مقاربة إقليمية له لأن مفتاح قصر بعبدا لم يعد في ساحة النجمة بل في غيرها من الساحات العربية المشتعلة، وفي أيدي قوى إقليمية لم تقرر بعد أن أوان بت هذا الاستحقاق قد حان.

وفي رأي المصادر نفسها أن هذه الحقيقة يدركها جميع المشاركين في طاولة الحوار وهم ينتظرون أي تطور إقليمي لمتابعته عن قرب، وما البقاء على الطاولة إلا للإفساح في المجال أمام <لبننة> أي صيغة سيتوصل إليها <الكبار>، ولعل هذا ما يدفع إلى إبقاء الطاولة منعقدة وعدم تعطيل جلساتها الحوارية على رغم عدم تحقيق أي تقدم يذكر.

 

تبادل اتهامات بين 8 و14 آذار

وإذا كانت الاتهامات المتبادلة بين طرفي الحوار تزايدت خلال الأسبوعين الماضيين عبر وسائل الإعلام وانتقلت ولو بنبرة مختلفة إلى طاولة الحوار في جلستها الثانية، فإن المصادر السياسية اعتبرت أن اتهام فريق 8 آذار لفريق 14 آذار باتخاذ موقف مسبق بتفشيل الحوار من خلال الترويج بأن لا أمل من الحوار إذا لم يحسم مسألة انتخاب رئيس جديد للبلاد قبل البحث في أي قضايا أخرى، قوبل باتهام قوى في 14 آذار لفريق 8 آذار بالعمل على  تحويل الحوار إلى <مؤتمر تأسيسي> يعيد صياغة الواقع السياسي في لبنان وفق أسس جديدة تقوم على <الدمج>  بين اتفاق الطائف ومؤتمر الدوحة على أن تكون للقوى الإقليمية المتصارعة، ولا سيما السعودية وإيران كلمة الفصل في الصيغ المتداولة لتركيبة النظام اللبناني العتيد. ويحرص أركان في 8 آذار على نفي اتهامات فريق 14 آذار من خلال التأكيد بأنه لا يوجد أي سعي لإحداث تغيير في النظام السياسي الراهن بدليل أن الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله دعا أكثر من مرة تيار <المستقبل> إلى التحاور مع التيار الوطني الحر على النقاط الخلافية الراهنة، ولم يشر يوماً إلى البحث بصيغ سياسية بديلة للطائف أو <شقيقة> له، وإن هذا الموقف الذي يحرص السيد نصرالله على إعلانه في كل مناسبة ينسحب على مواقف قيادات 8 آذار بالجملة والمفرق بمن فيهم العماد ميشال عون. لكن <التطمينات> التي يرددها أركان 8 آذار لا تلقى آذاناً صاغية لدى قوى 14 آذار التي يصر <الصقور> فيها على رفض <المؤتمر التأسيسي>، وعلى القول بأن طاولة الحوار لن تقدم شيئاً جديداً وبالتالي فإن مشاركة 14 آذار فيها تنطلق من مراعاة الرئيس بري والتجاوب مع مساعيه لأنه <متميز> في الكثير من مواقفه عن حلفائه في قوى 8 آذار، إضافة إلى تمايزه عن العماد عون.

ويقول أحد أركان 14 آذار في هذا السياق إن المشاركة في هيئة الحوار <كشفت> أن طروحات العماد عون الرئاسية غير قابلة للتطبيق وستُرفع من التداول عاجلاً أم آجلاً، وإذا ما تقرر القفز فوق البند الرئاسي للبحث في بنود أخرى ولو من باب <إعلان النيات>، فإنه سيكون لقوى 14 آذار الموقف الموحد و<المناسب> الذي قد يصل إلى حد تعليق مشاركتها في الحوار إلى حين إقرار الفريق الآخر أو بعضه <الفاعل> على الأقل بالعودة إلى البند الأول، أي البند الرئاسي. ولوحظ أن السفير السعودي في بيروت علي عواض عسيري عكس <تطلعات> القيادة السعودية بأن يتجه الحوار إلى انتخاب رئيس للجمهورية.

بري مصرّ على التفاؤل!

وسط هذه <التشنجات> المعلنة التي توحي بتعثر عمل <هيئة الحوار الوطني> منذ انطلاقتها، مع خوف من تعطلها، يقف الرئيس بري وحيداً في إبراز <تفاؤله> بأن الحوار الذي انطلق لن يتوقف على رغم ما يقال خارج طاولة ساحة النجمة وعلى المنابر وفي الإعلام، ويؤكد وجود إرادة استمرار الحوار لدى الأفرقاء جميعاً بلا استثناء بدليل التوافق الفوري على تحديد موعد ثانٍ للحوار، إضافة إلى الاتفاق على ضرورة <تسهيل> حل <عقدة> النفايات من خلال مجلس الوزراء الذي انعقد في اليوم نفسه للجولة الحوارية الأولى بمشاركة جميع <مكونات> الحكومة. ويرى الرئيس بري أن الجولة الأولى التي كانت بمثابة <فشة خلق> لجميع المشاركين ستليها جولات من <النقاش الهادئ والبنّاء> في الملف الرئاسي الذي كان يمكن أن يُحل في جلستين اثنتين أو ثلاث، جازماً بأن لا طرح لمسألة <المؤتمر التأسيسي> مطلقاً وأن من يروّج لذلك يستهدف استمرار الحوار.

وما لم يقله الرئيس بري مباشرة، ذكرته مصادر قريبة من عين التينة في معرض <الترويج> لاستمرار الحوار وعدم توقفه، إذ أشارت إلى أن المشاركين في الحوار باتوا <أسرى> الاستمرار فيه لأن ما من طرف قادر على عرقلته والامتناع عن المشاركة فيه، لا سيما وأن النقاش في الملف الرئاسي هو فرصة أخيرة ليكون الرئيس العتيد <صنع في لبنان> من جهة، وللرد على <الحراك المدني> الذي يعتبر أن الطقم السياسي الحالي فشل في إدارة البلاد ما يبرر المطالبة بـ<إسقاطه>. وفي هذا السياق تقول المصادر المتابعة إن تجاوب أركان طاولة الحوار ما كان ليحصل لولا بروز <الحراك المدني> واتساع رقعته وحجم المتجاوبين مع المطالب التي أطلقها خصوصاً في تظاهرة 29 آب/ أغسطس الماضي، وبالتالي فإن اجتماعات الحوار ستتواصل طالما أن مجموعات <الحراك الشعبي> تفترش الشوارع والساحات في بيروت والمناطق مع إضراب فريق منها عن الطعام أمام وزارة البيئة، لأن ثمة من يعتقد بوجود <مسارين> حالياً لإحداث تغيير ما في المشهد اللبناني، <مسار> سياسي تقليدي تمثله طاولة الحوار، و<مسار> شعبي تغييري يمثله <الحراك المدني>، فهل سيصل أحد المسارين إلى خط <النهاية السعيدة> بإرادة ذاتية لبنانية، أم أن على <قادة> المسارين والمشاركين فيهما أن ينتظروا ترياقاً ياتي من اجتماعات نيويورك لا سيما بين الجانبين الإيراني والسعودي في الأيام القليلة المقبلة على هامش الجمعية العمومية للأمم المتحدة، أم أن <التوقعات> بأحداث <ساخنة> مع مطلع الخريف المقبل، ستصحّ كي تأتي <التسوية> على نار مرجل غضب الشارع؟!