22 September,2018

الحوار بين «المستقبل » وحزب الله قبل نهاية السنة: تهيئة مناخات ايجابية في انتظار الاتفاق الاقليمي والدولي!

marcel-ghanemلن يتأخر رئيس مجلس النواب نبيه بري في إنجاز مشروع جدول الأعمال الخاص بالحوار المرتقب بين تيار <المستقبل> وحزب الله، بحيث تعقد الجلسة الحوارية الأولى خلال النصف الأول من كانون الأول (ديسمبر) الجاري في مقر الرئاسة الثانية في عين التينة، أو في أي مكان آخر يتفق عليه الطرفان، فالمسودة التي وُضعت لعناوين اللقاء باتت معروفة و<سهلة> بعد استبعاد المواضيع الخلافية وتأجيلها الى وقت لاحق، وبعدما تحدد ممثلو الجانبين، بحيث سيكون مدير مكتب الرئيس سعد الحريري السيد نادر الحريري ممثلاً <التيار الأزرق> على أن ينضم إليه النائب جمال الجراح إذا ما بلغ الحوار مرحلة متقدمة، في حين يمثل المعاون السياسي للأمين العام لحزب الله الحاج حسين الخليل الحزب وقد ينضم إليه ــ عند الضرورة ــ المسؤول الأمني الحاج وفيق صفا أو أحد نواب <كتلة الوفاء للمقاومة>. ولم يحسم الرئيس بري احتمال مشاركة معاونه السياسي الوزير علي حسن خليل، أو هو شخصياً، في الجلسة الحوارية الأولى لإعطاء هذا الحدث الزخم الذي يستحق، لاسيما وأن سنوات عدة مرت منذ انقطاع التواصل بين <المستقبل> وحزب الله.

   وهكذا شكلت اطلالة الرئيس الحريري عبر برنامج <كلام الناس> من المؤسسة اللبنانية للإرسال، الضوء الأخضر للعاملين على خط الحوار بين <المستقبل> وحزب الله، ومنهم من يعتبر من جناح <الحمائم> في <التيار الأزرق> في مواجهة <جناح الصقور> الذي يتزعمه الرئيس فؤاد السنيورة الذي أكد في مجالسه خلال الأيام الماضية انه بقدر ما يؤيد معاودة الحوار بين تياره وحزب الله، بقدر ما يخشى من عدم تحقيق أي تقدم أساسي في هذا المجال ما يجعل الآمال المعلقة على الحوار تتهاوى… إلا ان مخاوف الرئيس السنيورة لم تعدّل في توجه الرئيس الحريري نحو الحوار مع حزب الله، على أن تكون وظيفته الأولى تخفيف الاحتقان السني ــ الشيعي، فضلاً عن البحث في السبل الهادفة الى ملء الفراغ الرئاسي وليس البحث في أسماء المرشحين.

   وتؤكد مصادر <المستقبل> ما سبق أن أعلنه الرئيس الحريري نفسه بأن الحوار مع الحزب سيطول وجولاته ستتعدد لأن نقاط التباين ليست قليلة، ما يجعل من المبكر الحديث عن لقاء ثنائي بين الحريري والسيد حسن نصر الله في الوقت الحاضر ريثما تنضج الظروف وتتوضح صور الاستحقاقات العالقة. غير ان هذه المصادر تتحدث عن <رغبة حقيقية> في الوصول الى نتائج ايجابية من الحوار بين الطرفين، رغم إبقاء موضوعي السلاح ودور الحزب في سوريا خارج نقاط البحث لأنهما من المسائل المرتبطة بالأوضاع الاقليمية، ولا علاقة مباشرة للعلاقات الثنائية اللبنانية ــ اللبنانية فيهما. وهذا التوافق على استبعاد موضوعين خلافيين أبقى مواضيع أخرى على طاولة البحث لعل أهمها الاستحقاق الرئاسي، وهو ما جعل الرئيس بري يبدي ارتياحه لعدم وجود شروط مسبقة لاطلاق الحوار.

قراءة هادئة لأسباب الحوار

   وفي الوقت الذي حرصت فيه أوساط <المستقبل> على التمهيد ايجاباً للحوار الموعود والاستناد الى ما أعلنه الرئيس الحريري حول أهداف الحوار وغاياته، اختلف تقييم الأطراف السياسيين لـ<التجاوب> الذي أبداه الحريري مع الدعوة التي أطلقها السيد نصر الله في خطبته عشية ذكرى عاشوراء الشهر الماضي، بين مرحب على تفاؤل، ومرحب على حذر، وثالث يرى ان لا فائدة من هكذا حوار لأن الخلاف على النقاط الأساسية لا يزال قائماً. ويقول <المرحبون> ان لا بديل عن الحوار في هذه الظروف المصيرية، في حين يرى المرحبون بحذر ان الأجواء ليست جاهزة حالياً لتحقيق انجاز حواري كبير وحاسم، إلا ان مجرد حصول اللقاءات الثنائية يحدث <صدمة ايجابية> تعيد بعضاً من الأمل الى نفوس اللبنانيين بإمكانية قيام حوار ما مثمر ذات يوم عندما تتوضح الصورة الاقليمية ولاسيما ما يتصل منها بالخلاف السعودي ــ الإيراني أو بالمفاوضات حول الملف النووي الإيراني.

   في غضون ذلك، أجرت مصادر مطلعة قراءة هادئة لموضوع الحوار المرتقب بين <المستقبل> وحزب الله انتهت الى النقاط الآتية:

   ــ أولاً: ان استبعاد موضوعي السلاح ومشاركة حزب الله في الحرب السورية يعني تسليم الطرفين بأن مصير الموضوعين خارج عن قدرتهما الذاتية او رغبتهما الفعلية في الوصول الى حلول حاسمة في هذين الموضوعين، وهما يجسدان البعد الاقليمي للخلاف بين <التيار الأزرق> وحزب الله، وعليه فإن حل هاتين المسألتين لا يقتصر على إرادة الطرفين فحسب.

   ــ ثانياً: في ما خص ملف الرئاسة الأولى، وبالتالي قانون الانتخابات النيابية المقبلة، فإن مقاربتهما من قبل الطرفين ستكون أشبه بتكرار مواقف سابقة قيلت سواء في مجلس النواب أو خارجه، أو في الخطب والمناسبات الشعبية. ذلك ان الواضح ان الرئيس الحريري حدّد سلفاً موقفه بالقول ان البحث الرئاسي سيتناول <مواصفات الرئيس> وليس اسمه، في وقت قال حزب الله سلفاً موقفه قبل بدء الحوار من خلال تسمية السيد نصر الله لرئيس <تكتل التغيير والاصلاح> العماد ميشال عون مرشحاً وحيداً لا تنازل عن ترشيحه إلا إذا هو ــ أي عون ــ رغب في ذلك. وفي هذا السياق، تؤكد مصادر العماد عون ان <التنحي> غير وارد لديه مهما اشتدت الضغوط للأسباب التي باتت معروفة. وبالتالي فإن البحث في الملف الرئاسي لن يؤدي الى نتيجة، إلا إذا استطاع ممثل الحزب إقناع ممثل <المستقبل> بالايجابيات التي يمكن تحقيقها في حال السير بالعماد عون رئيساً للجمهورية، خصوصاً ان الرئيس الحريري كرر في المقابلة التلفزيونية انه لا يضع <فيتو> على أحد، رغم مناداته بـ<المرشح التوافقي> ما فسّرته المصادر نفسها على أنه <تناقض في الموقف> حيال مسألة حساسة كالاستحقاق الرئاسي، لاسيما وان خيار <المرشح التوافقي> ليس مقبولاً عند حزب الله حالياً.

   أما بالنسبة الى قانون الانتخابات النيابية، فإن الحوار حوله يمكن أن يلقي الضوء على معطيات جديدة، لكن ذلك لا يعني الاتفاق على الصيغة التي اقترحها الرئيس بري، والتي سارع الرئيس الحريري الى رفضها معلناً التمسك بالمشروع المقدم من <المستقبل> و<القوات اللبنانية> والمدعوم من النائب وليد جنبلاط. ولعل من يتابع مداولات لجنة التواصل الانتخابي يمكنه أن يستنتج سلفاً تعذر الوصول الى اتفاق حول هذه المسألة في المدى المنظور.

دعم الحكومة القاسم المشترك الأبرز

   ــ ثالثاً: الوضع الحكومي الذي قد يشكل النقطة الأسهل في الحوار المرتقب بين <المستقبل> وحزب الله، حيث سيؤكد الطرفان على أهمية استمرار هذه التجربة التوافقية التي ولدت في لحظة تاريخية لم تتكرر منذ شباط (فبراير) 2014، وبالتالي يبدو الاتفاق سهلاً على ضرورة تفعيل العمل الحكومي وتسهيل شؤون الناس وعمل الادارات والمؤسسات وعدم ربط كل شيء بالاتفاق السياسي الكبير خصوصاً إذا ما كانت المعطيات تشير الى ان لا اتفاق قريباً في المسائل الحساسة. وبذلك تكون حكومة الرئيس سلام المستفيدة الأولى من الحوار المتجدد، علماً أن وزراء الحزب و<المستقبل> على حد سواء لم يتواجهوا يوماً في ما بينهم خلال جلسات مجلس الوزراء ولا هم <عرقلوا> مشاريع من أجل العرقلة فحسب لأن ملاحظات وزراء حزب الله كانت دائماً قابلة للنقاش، وكذلك الأمر بالنسبة الى وزراء <المستقبل> الذين كانوا يتفادون أي مواجهة مع وزيري الحزب، ولو حصلت هذه المواجهة بالواسطة!

   وتتابع المصادر في قراءتها الهادئة للمبادرة الحوارية المتجددة، فتشير الى أنه في ما عدا المواضيع الواردة سابقاً، ليست هناك صعوبات في التوافق على أي موضوع آخر بين <التيار> والحزب خصوصاً إذا كانت أجواء الحوار ايجابية وهادئة، ومن يعرف الحاج حسين الخليل والسيد نادر الحريري يجزم بأن <الهدوء> و<الروية> و<تدوير الزوايا> من الصفات التي تتوافر في شخصية الرجلين، وبالتالي فإن المناخات الايجابية ستكون سائدة طوال اللقاءات الحوارية وان لم تنتج شيئاً حاسماً لاسيما وأن هذا الحوار يأتي بعد سلسلة محطات سلبية بلغت فيها القطيعة والعداء بين الفريقين درجة غير مسبوقة وضعتهما على مرتبة عالية من التخاصم والاحتراب السياسي والإعلامي ما جعل البعض يعتقد ان لا عودة الى الوراء في حالة التجافي القائمة، وبالتالي فإن الحرب بينهما ستطول… إلا ان <التساكن> الذي حصل داخل حكومة الرئيس سلام بين <التيار الأزرق> والحزب شكل مقدمة لمناخ مقبول عززته اللقاءات التي عقدها وزير الداخلية والبلديات نهاد المشنوق مع قيادات من الحزب ولو تم ذلك في ظل <ربط النزاع> المعلن من الوزير <المستقبلي>.

الحوار حاجة متبادلة

   وفي وقت يضع فيه <المستقبليون> مبادرة زعيمهم في إطار <المصلحة الوطنية العليا> و<تفادي مخاطر الفتنة السنية ــ الشيعية>، تلاحظ المصادر نفسها ان ثمة اعتبارات أخرى لا يجوز تجاهلها ومنها بروز قناعة لدى تيار <المستقبل> بضرورة إعادة تقييم مواقفه السياسية وما تلاها من سلوك خلال الأعوام الماضية، وصولاً الى إعادة تكوين علاقات مع الخصوم السياسيين ولاسيما منهم حزب الله، علماً أن هذا المسار <المستقبلي> الجديد بدأ من خلال الحوار الذي قام مع العماد ميشال عون قبل أشهر. إضافة الى ذلك فإن ثمة من يرى داخل <المستقبل> ضرورة للتعاطي مع التطورات الاقليمية بواقعية وموضوعية، خصوصاً بعد بروز تحولات في مسار المواجهات في عدد من الدول ولاسيما منها سوريا. كذلك فإن التعاطي الدولي مع ملف الارهاب، دفع بـ<المستقبل> الى مقاربة هذا الملف الدقيق من زوايا مختلفة عن تلك التي تحكمت به سابقاً.

   وتنهي المصادر نفسها <قراءاتها الهادئة> بالاشارة الى ان الحوار المرتقب بين تيار <المستقبل> وحزب الله لن يتوقف مهما تأخرت نتائجه وذلك لسببين:

   ــ الأول حاجة كل من الطرفين الى الانخراط في الحوار مع الآخر بصرف النظر عما سيؤول إليه النقاش المعمّق، لأن مجرد اللقاء واطلاق عجلة الحوار سيحدثان مناخات ايجابية تنعكس على الأوضاع العامة في البلاد وتخفف من منسوب الاحتقان الذي ارتفع في الآونة الأخيرة، ما يوفر <هدنة> سياسية خلال موسم عيدي الميلاد ورأس السنة ويعيد بعض الحيوية الى الحركة السياحية والاقتصادية في البلاد لتعويض بعض الخسائر التي منيت بها القطاعات الاقتصادية في الأشهر الماضية.

   ــ أما السبب الثاني، فهو يتعلق بضرورة مواكبة الاتصالات الاقليمية والدولية الدائرة حول الاستحقاق الرئاسي، بأجواء ايجابية في الداخل اللبناني حتى إذا ما وصلت هذه الاتصالات الى نتائج عملية، تكون الساحة اللبنانية جاهزة لتبنيها وتأمين تنفيذ مفاعيلها، وهذا يتطلب حداً أدنى من التفاهم والتحاور بين اللبنانيين من مظاهره عودة التواصل بين <المستقبل> وحزب الله، ذلك ان أي اتفاق دولي واقليمي يحتاج الى ترجمة لبنانية ستكون متعذرة إذا تعطلت لغة الكلام بين الأفرقاء اللبنانيين!

   تبقى الإشارة الى ان الحوار متى سيبدأ سيواكب حتماً جلسات محاكمة المتهمين الخمسة باغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه في المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، وهؤلاء يذكر القرار الاتهامي الدولي انهم ينتمون الى حزب الله… فهل يمكن تجاوز هذه المصادفة شكلاً ومضموناً؟