23 September,2018

”الحكيم“.. حيث لا يجرؤ الآخرون

سمير-جعجعلم يكن يُدرك الشاب العشريني سمير جعجع، ابن بلدة بشرّي، أن ظروف الحياة وقساوتها في بلده، وإنقلاب الأوضاع من سلم إلى حرب، سوف تأخذه من مقاعد كلية الطب في الجامعة الاميركية وبعدها الجامعة اليسوعية قبل تخرجه بسنة واحدة، إلى جبهات الإقتتال والدماء، لكن مع مفارقة مهمة، وهي أن الدماء سوف تنتقل معه إلى حيث سيمضي وسوف تبقى <رفيقته> في السلاح والجراح.

قاتل بشراسة، فكان القائد العسكري، وهادن بشرف، فكان القائد والحكيم. تنقل على جبهات الموت، خسر العديد من أصدقائه وأقاربه ورفاق دربه، لكنه لم يحن هامته إلا للصلاة على أرواحهم. رافقته دعوات الوالد فريد جعجع المعاون أول المتقاعد من الجيش اللبناني وصلوات صوت الطهارة الوالدة ماري حبيب جعجع. أُصيب في اكثر من مرةّ، لكن الحياة ظلّت مكتوبة له على جبين سنوات حاولت أن تخذله في بعض محطّاتها، لكن الزنازين أو <صومعة التأمل>، كما يُحب أن يُسميها، ملّت من صبره بعدما ضجّت حيطانها من صلواته ومطالعاته التي ربما فاقت عدد أشهر سنوات الظلم ومحاولات كسر الإرادة وهزمها، خصوصاً بعدما حوّل الترهيب والتهويل اليومي، إلى موسيقى في خياله، يطرب لسماعها.

ظل سمير جعجع قائداً لـ<القوّات> بعدما لبس ثوب الحرية وتنفسها وأبقى على سجّانه في مكانه. ظل حكيماً في حياته العادية والسياسية التي فُرضت عليه من باب الوفاء لنهج الشهداء ووعده لهم بإكمال <المسيرة>، فسكن الجبال (معراب) كما تسكن النسور القمم، وحوّل المكان إلى نقطة <ضم> وإنفتاح على الجميع دون تمييز ولا إستثناء. وعلى الرغم من محطّات القهر والظلم التي مرّ بها، فما زال يُحافظ على مساحة واسعة في داخله، للفرح والغناء والأناشيد والتراتيل. يُضيف كل هذه المزايا، إلى ميزة بالغة الأهمية مكوّنة من ذاكرة لا تخون ولا تشيخ، ولذلك، ربما عليك أن تتحضر لسؤال يُمكن أن يتعلّق بأحوال رجل كان حارساً لمبنى تابع لإحدى مؤسسات الحزب، منذ ثلاثين سنة، وربما أكثر، او عن رفيق قديم شاركه ذات يوم في هجوم على هذا المحور أو ذاك الموقع، وويل عندئذ لمن تسقط الرجال الرجال، من ذاكرته.

للرجل حياة لا تقل ولا تزيد عن حياة الناس العادية، مع فارق أنه لا يهوى النوم ولا الأكل، فالأمر بالنسبة اليه سيّان خصوصاً مع رجل لا يرى في الطعام سوى وسيلة للبقاء والاستمرار في العطاء، وما أجمل العطاء عنده، عندما يتعلّق بطفل يحتاج إلى علاج وتكاليف ومتابعة، هنا تبدأ رحلة جديدة لحزب <القوّات>. على الجميع أن يبقى مستنفراً ومُحاطاً بكل التفاصيل والإجراءات. تنام عيون الأطباء، وسؤال الحكيم عن حال الطفل لا يتوّقف. شو صار؟ مين عم يتابع الموضوع؟ شو بعد ناقص؟ بدي تقرير مفصّل.

أحد عشر عاماً في الزنزانة تحت الأرض حسبها في المواقف لا في الزمن. تعرّض لمحاولات إغتيال كثيرة، آخرها في نيسان العام 2012 ، لكنه نجا منها جميعها. حوكم عن جرائم وملفات حرب، في وقت كان فيه البقية ينعمون بالعفو والحرية وبغطاء أمني سوري ــ لبناني وهو الذي رفض هذا الغطاء يوم ذهب إلى <القرداحة> ليقدم واجب التعزية للرئيس السوري حافظ الأسد بوفاة نجله باسل. يومها ولدى خروجه تحت المطمر من صالة التعازي، عرض عليه اللواء الركن غازي كنعان زيارة دمشق <في أقرب وقت> لتسوية المشكلات العالقة بين حزبه والنظام السوريّ، لكن الإجابة الحكيمة جاءت من الحكيم <جئت لمواساة والد مفجوع، لا لإنكار مبادئي، أو الموافقة على ما هو مرفوض>.

سمير جعجع أو الحكيم، حكاية وسيرة لا يُمكن أن تمر عليهما مرور الكرام، في ما لو أردت ان تسرد حقيقة لبنان أو مواقف رجاله الثابتة.

أما حكاية الشهيد رشيد كرامي فلها موقع آخر وتاريخ آخر.