24 July,2019

الحــركات النقابـيـــة والعماليــــة والمطلبيـــة في لبــــنان صــــراع مستمــــر مــــع الطائفيــــــة!  

بقلم صبحي منذر ياغي

1   عادت «هيئة التنسيق النقابية» في لبنان الى التحرك والدعوة للاعتصامات والتظاهرات ووضع آلية تحرك جديدة لإقرار سلسلة الرتب والرواتب، ويواصلمياوموالكهرباء إضرابهم، وتشهد الساحة حراكاً مطلبياً دائماً، وتتزامن هذه التحركات مع حلول عيد العمال العالمي الذي كان ثمرة نضالات وكفاح دائم للحركات العمالية في العالم التي ناضلت وكافحت حتى توصلت الى نيل حقوقها بعد ان امتزج دماء شهدائها بحديد المصانع وقمح الحقول.. والحركة العمالية والنقابية في لبنان شهدت فصولاً من النضالات منذ الاستقلال، ومازالت لليوم مستمرة في نضالاتها لتحقيق العيش الكريم.

أصبح الأول من أيار/ مايو عيد العمّال العالمي، في لبنان، حسب الكاتب عدنان حمدان أثراً بعد عين، أو كاد يصبح في خبر كان، لولا بقعة الضوء التي تنير النضالات المطلبية التي تخوضها «هيئة التنسيق النقابية» وبعض التحركات المناطقية والجهوية، وعمّال مصانع ومؤسسات يتعرضون للصرف التعسفي، أو الانتقاص من مكتسباتهم التي حققوها بفعل عرقهم ودمهم أحياناً.

يأتي الأول من أيار/ مايو هذا العام مفتقداً حركة نقابية عمّالية كانت موحدة وهي اليوم منقسمة على نفسها، كل واحد فيها يغني على ليلاه السياسي، ضارباً عرض الحائط الحاجات الاقتصادية والاجتماعية والمعيشية للطبقة العاملة، وإن حاول الالتفات إلى المطالب، فالبيان حاضر للتأييد والتحذير من مغبة العواقب ومن النزول إلى الشارع.

الحركة العمالية والفلاحية تمتد جذورها برأي الكاتب وليد ضو إلى أواسط القرن التاسع عشر… وفي عام 1909، أصدرت السلطنة العثمانية أول قانون يتعلق بتأسيس الجمعيات. عام 1912، صدر قانون ثانٍ يتعلق بإنشاء الجمعيات المهنية أو الحرفية.

في عام  1908، تأسست تعاونية مستخدمي سكة حديد شام- حماه، كما تأسست عام 1912 أول منظمة نقابية لعمال وموظفي السكة، وتشكلت في العام نفسه جمعية عمال المطبعة الأميركية التي «اتخذت اسم نقابة بدءاً من عام 1926». وسعت سلطة الاستعمار الفرنسي الى احتواء الحركة العمالية والنقابية، فرخصت عام 1919 لاتحاد عمالي عام لم يدم طويلاً واستبدلته بحزب العمال العام في لبنان الكبير الذي كان من مهامه الدفاع عن السيطرة الفرنسية على سوريا، والدفاع عنالوحدة بين العمال والرأسماليين.

بعد ذلك، توالى نشوء المنظمات النقابية، بفعل«التطورات التي طرأت على القطاع الصناعي»، فأعيد إحياء نقابة (جمعية) عمال ومستخدمي شركة سكة الحديد عام 1919، كما تأسست جمعية خاصة لعمال الدخان في بكفيا عام 1922، وأعيد الترخيص عام 1923 لجمعية عمال المطابع. وترافق هذا النشوء المتصاعد مع حملة قمعية شرسة شنتها قوات الانتداب الفرنسي شملت حل نقابات وإحالة قيادييها إلى المحاكمة، هذا عدا عن القمع الذي تعرضت له التظاهرات العمالية.

وتجمع معظم الابحاث والدراسات التي تناولت تاريخ الحركة العمالية والنقابية في لبنان انه ومنذ العام 1969، بدأت التحركات الجماهيرية والنقابية تسلك طريقها نح3و الثورة الاجتماعية بشكل تصاعدي لمطالبة الطبقة الحاكمة بحقوها ومطالبها، في ظل نظام تميز بالاقطاعية والامتيازات الطائفية والمحسوبيات، فشهد لبنان في تلك الفترات انتفاضات الطلاب، وتحركات المعلمين وإضراباتهم، وانتفاضات عمال المصانع.

مزارعو التبغ: يا حادي العيس

وفي التاريخ النضالي للأحزاب والقوى الوطنية اللبنانية سجلات حافلة بالتظاهرات التي نظمت دفاعاً عن قضايا قومية وقضايا وطنية واجتماعية ومنها تظاهرة لنقابة مزارعي التبغ في الجنوب بتاريخ 28/ 1/ 1973 التي تصدرها قادة الحركة الوطنية وعلى رأسهم الزعيم كمال جنبلاط الذي تحدى قرار وزارة الداخلية في منع التظاهرة، وأمّن لها الحماية السياسية، وقد اضطرت الحكومة وقتها الى الإذعان والسماح بالتظاهرة. وشارك في التظاهرة عدد من رجال الدين ابرزهم الراحل السيد هاني فحص الذي شرح سابقاً كيف شارك في هذه التظاهرة: <كنتُ في العراق يومئذٍ عندما قرأت في الصحف عن اضطراب أوضاع مزارعي التبغ في الجنوب، وبعد عودتي بيومين أو ثلاثة أيام، كنت أستمع إلى أنين هؤلاء وأنظر إلى عيونهم ومن بينهم والدتي، وأنا من عائلة عانت مرارة واقع تلك الزراعة وآلام مزارعيها وشقائهم، فلم أتضامن معهم فحسب، بل شعرت أنني معني بالموضوع بشكل شخصي، فأنا تعبت ورأيت وعانيت مثل كل المزارعين، لذلك لم أشعر انني أقود المزارعين بل أنا لحقت بهم. لقد رأيت والدي في التظاهرة وأنا على سطح مبنى <الريجي>، هذه التظاهرة التي تبدو للمراقب منظمة بينما كانت عند المزارعين عفوية..>.

خلال هذه التظاهرة، سقط المزارع حسن الحايك أمام «الريجي» في النبطية، فخلده الشاعر الجنوبي شوقي بزيع بقصيدة مميزة غناها مارسيل خليفة تقول في مطلعه4ا: <يا حادي العيس ســـلم لي على أمي / واحكي لها ما جرى واشكي لها همي>!

 

إضراب الأديرة

 

وفي كتابه «تاريخ لبنان الحديث: من الإمارة الى اتفاق الطائف»، يذكر الباحث فواز طرابلسي خلال تناوله الحركات الاجتماعية في لبنان ودورها في تشكل المشهد السياسي قبيل الحرب الأهلية أبرز التحركات العمالية والتظاهرات والاعتصامات التي شهدها لبنان للمطالبة بحقوق اجتماعية ومعيشية. ففي عام 1970 نظم «شركاء» الأديرة المارونية في تنورين وميفوق (جرود البترون وجبيل) إضرابات وتظاهرات واعتصامات، مطالبين بحصة أكبر من المحصول وبتوزيع أراضي الكنيسة على الفلاحين. في ميفوق، تدخل الجيش ضد الفلاحين، وفي الجنوب تحولت «الريجي» الى مزرعة خاصة للزعماء التقليديين الذين حشوها بالأزلام والمحاسيب وتحكموا برخص الزراعة يوزعونها على أنصارهم الذين يؤجرونها بدورهم للمزارعين. فقامت تظاهرة شارك فيها آلاف مزارعي التبغ في 22 كانون الثاني/ يناير 1973 باحتلال مباني إدارة «الريجي» في النبطية مطالبين بزيادة قدرها 20 بالمئة على سعر منتجاتهم. في اليوم التالي، أطلق الجيش النار على المتظاهرين فأردى اثنين من المزارعين. بعد أيام، سار 20 ألف متظاهر في شوارع بيروت متضامنين مع مزارعي التبغ.

 

وعمال معمل غندور

 

ومن أبرز التحركات العمالية إضراب عمال <معامل غندور> للحلويات البالغ عددهم 1200 عامل وعاملة في معمل الشياح، وأعلن العمال إضرابهم في تشرين الثاني/ نوفمبر 1972 مطالبين بزيادة الأجور وبحق التنظيم النقابي، خلال تظاهرة لهم في 11 تشرين الثاني/ نوفمبر عند باب العمل. أطلقت الشرطة النار عليهم، فسقط يوسف العطار، عضو «اللجان العمالية» المرتبطة بمنظمة العمل الشيوعي، وفاطمة الخواجه عضو الحزب الشيوعي اللبناني وجرح 14 شخصاً. نظم الاتحاد 2العمالي العام يوم إضراب عام لاستنكار العنف الرسمي والتضامن مع عمال معامل غندور، فيما عمّت موجة من الغضب أنحاء البلاد. أما حكومة الرئيس صائب سلام التي رفضت التحقيق في ظروف إطلاق الشرطة النار على تظاهرة سلمية، فقد أصرّت على استحصال الأحزاب اليسارية والقومية على إذن مسبق من وزارة الداخلية لتظاهرة الاحتجاج التي كانوا يعدّون لها. وقد حصلت التظاهرة وانتهت الى تجمع عارم في ساحة البرلمان خطب فيه كمال جنبلاط، فيما المتظاهرون يهتفون: «99 لص و17 حرامي!» (على عدد نواب المجلس وأعضاء الحكومة). وفي 15 كانون الاول/ ديسمبر، أعلن أصحاب معمل غندور إقفال معملهم وصرف جميع العمال ثم فتحه بعد أسبوع وأعاد توظيف العمال باستثناء 100 عاملة وعامل اعتبروا قادة الإضراب والمحرضين عليه. ومع أن اليسار نظم تظاهرة جديدة يوم 25 كانون الاول/ ديسمبر، فإن حصيلة معركة غندور لم تخلف غير المرارة والغضب. وعلّق الملحق العمالي في السفارة الأميركية على الحدث قائلاً: ان التظاهرة والإضراب العام كانا بمنزلة «نجاح متواضع» لصالح اليسار الذي نجح في الانتقال الى الهجوم وربح «الحرب الدعاوية»، إلا انه خلص الى القول ان لا اليسار ولا الحركة النقابية حققا أي إنجاز ملموس للعمال في نهاية المطاف.

اضراب الاساتذة عام 1972

في عام 1972، شهد لبنان إضراباً على المستوى الوطني العام شمل 16,000 أستاذ في التعليم الرسمي يطالبون بزيادة أجور وحق التنظيم النقابي والتقاعد بعد 25 سنة من الخدمة. استمر الإضراب شهرين قبل أن يجري تعليقه بعدما أعلنت وزارة التربية التوقف عن دفع المعاشات للأساتذة. لكنه عندما تجدد من كانون الثاني/ يناير الى تموز/ يوليو 1973، أعلن رئيس الحكومة صائب سلام فصل 324 أستاذاً على اعتبارهم «المحرضين» على الإضراب. انطلقت موجة من تحركات الاحتجاج والتضامن مع الأساتذة شملت كل أنحاء البلاد، فيما تحوّل اعتصام الأساتذة المصروفين والمضربين عن الطعام في بيروت الى محجة تتقاطر اليها وفود من مختلف قطاعات الحركة الاجتماعية. حتى الكنيسة المارونية تدخلت للمطالبة بإعادة الأساتذة المصروفين الى مدارسهم، ولكن دون جدوى.

صيادو الاسماك والشهيد معروف سعد

ثم كانت تظاهرة صيادي الاسماك في صيدا يوم 26 شباط/ فبراير 1975 من أبرز التظاهرات التي ربما كانت سبباً لبداية غليان الحرب الاهلية التي انفجرت مع حادثة عين الرمانة يوم 13 نيسان 1975. بدأت هذه التظاهرة احتجاجاً على تشريع الدولة لاحتكار شركة <بروتيين> صيد السمك على طول الساحل اللبناني، وكان على رأس هذه التظاهرة المناضل الصيداوي معروف سعد الذي فارق الحياة متأثراً بإصابته خلال إطلاق نار مجهول المصدر على التظاهرة في 6 آذار/ مارس 1975، وشهدت البلاد اضرابات وإقفالاً عاماً احتجاجاً على مقتله الذي كان بمنزلة الشرارة الاولى لاندلاع الحرب الاهلية.

5 

الاتحادات العمالية: أداة سياسية

وحسب تحقيق حول الاتحادات العمالية اعده الزميل ايوب خداج استند فيه الى دراسات وأبحاث، يوجد  في لبنان 52 اتحاداً عمالياً يضم ما يزيد عن 500 نقابة. وقد أدى هذا الانقسام في الحركة العمالية إلى ضعف قدرتها على التعبير عن مطالب أعضائها. ويقول المراقبون إن وصول الأحزاب السياسية والطائفية إلى سلطة القرار في الاتحاد العمالي العام جعله أداة سياسية تتحرك لخدمة أهداف بعض الأحزاب. وكانت الأحداث الدامية في السابع من أيار/ مايو  2008 التي أدت إلى نزاع مسلح بين فريقي الثامن والرابع عشر من آذار قد نتجت عن احتجاجات قام بتنظيمها الاتحاد العمالي العام والذي اتهم في ذلك الحين بخدمة المصالح السياسية للمعارضة بقيادة حزب الله. وأدت هذه التشابكات إلى سقوط عشرات القتلى. ودفع هذا الوضع وزير العمل بطرس حرب إلى السعي لإصلاح النقابات وإعادة هيكلة الاتحاد.

اتحادات عشوائية

ويضيف خداج ان قانون الجمعيات اللبناني يجيز لكل ثلاث نقابات وما فوق أن تشكل اتحاداً. هذا الأمر فتح الباب أمام ولادات عشوائية للنقابات والاتحادات جعلت في القطاع الواحد، كقطاع النقل البري، ثلاثة اتحادات لكل منها اتجاه سياسي. كما يتيح القانون لكل اتحاد عمالي مندوبين اثنين داخل المجلس التنفيذي للاتحاد العمالي العام بغض النظر عن عدد أعضاء الاتحاد .فعلى سبيل المثال، اتحاد نقابات عمال الصناعات الورقية الذي يضم 142 عضواً يمثله مندوبان وفي الوقت نفسه اتحاد المصارف الذي يضم أكثر من 10 آلاف عضو يمثله أيضاً مندوبان.

وبرأي خداج ان العديد من الاتحادات التي يضمها الاتحاد العمالي العام يتبع أحزاباً سياسية مثل حزب الله و<أمل> والقوات اللبنانية والكتائب والحزب السوري القومي الاجتماعي وحزب البعث، وان الرئيس الحالي للاتحاد العمالي العام غسان غصن عضو في الحزب السوري القومي الاجتماعي، وكثيراً ما تنتقد مواقفه المتحيزة لجدول أعمال كل من <أمل> وحزب الله.

أعرق الحركات العمالية

ويعتبر عصمت عبد الصمد (أمين عام جبهة التحرر العمالي) ان الحركة النقابية في لبنان كانت من أعرق الحركات العمالية في المنطقة العربية نظراً للديموقراطية التي يتمتع به النظام اللبناني إلى أن وصلنا إلى مرحلة بتنا نخشى أن نتأثر بمحيطنا الذي لا ينعم بالديموقراطية والحرية الموجودة لدينا.

ويتساءل عبد الصمد: هل الاتحاد العمالي العام هو الجهة الأكثر تمثيلاً للعمال في لبنان؟ مشيراً إلى حجم المشاركين الهزيل في أي تظاهرة يدعو لها هذا الاتحاد مضيفاً: ان هناك قراراً لوضع اليد على الحركة النقابية كونها واحدة من المفاصل المهمة للإمساك بالبلاد، وقد بدأ ذلك عام 1992 حين دخلت السياسة إليها. ففي عام 1992 وإثر احتجاجات عمالية واعتصامات في الشارع، قدّم رئيس مجلس الوزراء اللبناني آنذاك عمر كرامي استقالته. فيما اعتبر عصام ريدان ان دخول النقابات أصبح يتم لاعتبارات سياسية وطائفية وليس عمالية، وهم ينفذون توجيهات أحزابهم من دون التطلع إلى مطالب العمال.

وكان وزير الاتصالات النائب بطرس حرب قد قال خلال حديث صحافي لجريدة <المستقبل> في 8/ 3/ 2010: <الحركة النقابية في لبنان في حالة لا يجوز استمرارها، لاسيما أنها تحولت من حركة نقابية الى حركة سياسية ومذهبية، ما أدى 6الى تعطيل دورها وأساء الى حقوق العمال>.

ويرى الناشط شادي نشابة ان الحركة النقابية العمالية في لبنان تعاني من ضعف وانقسامات في تكوينها ونشاطها، وان الحرب الأهلية أثّرت سلباً على جميع قطاعاتها وانعكس الانهيار البنيوي اللبناني انهياراً مماثلاً في بنيتها.

هيئة التنسيق النقابية

فهل تحقق هيئة التنسيق النقابية مطلبها بإقرار سلسة الرتب والرواتب؟ وهي برأي وليد ضو تقدم نموذجاً مختلفاً عن الاتحاد العمالي العام من خلال تنفيذ العديد من الإضرابات والاعتصامات ومقاطعة تصحيح الامتحانات الرسمية، فضلاً عن بدئها في تنفيذ إضراب مفتوح في وجه سلطة لا تنفذ وعودها المتعلقة بإقرار سلسلة الرتب والرواتب، وإحالتها إلى المجلس النيابي. وهيئة التنسيق تتعرض لضغوط سياسية من أحزاب وتيارات سياسية ممثلة في الحكومة لكنها استمرت في مواجهة الحكومة والضغوط في وقت واحد. من هنا، وحتى لو نجحت هذه الضغوط على هيئة التنسيق، فإن هذا الحراك الذي تخوض الهيئة تجربته هو فرصة لمواجهة السياسات التقسيمية والتفتيتية على أساس مذهبي وطائفي، لأنه حراك جامع، ويتيح الفرصة كذلك لإعادة النظر في دور اتحاد المؤسسات التربوية الخاصة، وهي مناسبة أيضاً لإعادة النظر في النظام التربوي في سبيل تحقيق تعليم مجاني وديموقراطي وعلماني للجميع.