17 November,2018

الحـريــــري إلى بـيــــروت والـنـــأي بـالـنفـــس أبـــرز الشـــروط

 

بقلم علي الحسيني

يعقوبيات-تتألق-خلال-المقابلة

يبدو المشهد اللبناني أكثر تعقيداً من اي وقت مضى، فاستقالة رئيس الحكومة سعد الحريري أحدثت إرباكاً داخلياً لم يشهده لبنان حتى في عز أزمة الفراغ في كرسي الرئاسة الأولى. واليوم يبدو أن المشهد القائم ازداد ضبابية في ظل غياب أي بوادر حل للمشاكل التي بسببها تقدم الحريري باستقالته من خارج البلد، وهي الاستقالة التي رأى فيها أنها لا تصح وأنه كان يجب أن يتقدم بها من لبنان ومباشرة إلى رئيس الجمهورية.

 

لبنان على المحك

حتى كتابة هذه السطور، تبقى آمال اللبنانيين معلقة على عودة الرئيس الحريري من المملكة العربية السعودية بهدف تفعيل الحركة السياسية وتحريك العجلة الاقتصادية لما ينطوي غيابه من عوامل سلبية أثرت بالبلد من جوانب عدة وتحديداً في الشق المتعلق بعلاقات لبنان مع الدول لاسيما العربية منها وفي طليعتها السعودية التي طلبت الاسبوع الماضي من مواطنيها، مغادرة لبنان بالتزامن مع الدعوة نفسها التي وجهتها الولايات المتحدة الأميركية لمواطنيها، والتي جاءت كمحاولة لحث الدولة اللبنانية على اتخاذ القرارات اللازمة في ما يتعلق بنأي لبنان عن الأحداث التي تُحيط بالمنطقة وتحديداً الشق المتعلق بتدخل حزب الله المباشر بهذه الأحداث وضرورة كف يده عن العديد من الأنشطة التي ترى الولايات المتحدة الاميركية والسعودية، بأنها تُهدد بالدرجة الأولى العلاقة مع لبنان وتضعه على لائحة التصعيد الأمني والسياسي والاجتماعي.

ولطالما كانت وما زالت السعودية، البلد الأقرب للبنان إن لجهة الدعم الاقتصادي المستمر أو من ناحية تثبيت عامل الاستقرار السياسي والأمني فيه، وهذا ما يدعوها اليوم إلى التخوف من جره عن السكة الآمنة التي هو عليها اليوم وأخذه إلى أمكنة لا تتناسب مع الوضع الذي يجب أن يكون عليه خصوصاً بعد تخلصه من الجماعات الإرهابية حيث بات اليوم يتمتع باستقرار نوعي على أكثر من صعيد، وهو أمر بحد ذاته يُريح العديد من الدول لاسيما الجارة بالإضافة إلى أنه عزّز مكانة لبنان بين التوليفة الدولية الداعية إلى القضاء على الارهاب العالمي المتمثل بتنظيمي <داعش> و<القاعدة>. وعلى هذا الخط المتوازي، ترى السعودية أن جعل لبنان رهينة بيد حزب الله ومن خلفه ايران، سوف يُخرجه من الحماية الدولية ويجعله مُلحقاً لايران مثله مثل العراق أو أجزاء من سوريا واليمن. ولذلك هي تسعى بكل قوتها وما لها من نفوذ سياسي، إلى تحجيم الدور الايراني ومن هنا كان لا بد لها من توسيع مروحة تهديداتها في بعض الأحيان للدولة اللبنانية ولو بشكل مُبطن عبر وزير خارجيتها لدول الخليج ثامر السبهان، وذلك بهدف حض المسؤولين فيه على رفض الهيمنة الايرانية والتأكيد على هوية لبنان العربية وعلى سياسة النأي بالنفس.

قراءة في إطلالة الحريري

في اللحظة المصيرية وفي ظل الغموض الذي اكتنف استقالة الحريري وغيابه عن لبنان وعدم عودته حتى اليوم، احدثت إطلالة الرئيس سعد الحريري مع الاعلامية بولا يعقوبيان من الرياض، صدمة توزعت بحسب اللبنانيين بين الايجابية والسلبية، اذ انقسم الرأي العام اللبناني بين مؤيد لها كونها برأيهم أتت في التوقيت المناسب، وبين معارض رأى أنها مقابلة مركبة ولم تكن لتحصل لولا موافقة السلطات السعودية وأن ما قاله الحريري لا يخرج عن المواقف التي أعلنتها السعودية وما إلى ذلك من كلام تحدث عن أن الرجل لا يزال يخضع للإقامة الجبرية، على الرغم من أن الزميلة يعقوبيان، سعت وجهدت في أكثر من مكان، أن تحشر ضيفها في العديد من الأسئلة، فسألته عن الاقامة الجبرية وعن عدم عودته إلى لبنان حتى اليوم بالإضافة إلى الأسئلة التي نقلتها اليه عن مواقع التواصـــل الاجتماعــــي. ولعــــل أبـــرز مــا خـــــرجت بــــه يعقوبيــــان في هــــذه المقابلــــة، تأكيد الحريري نفسه بأنه سيعود خلال أيام وليس خــــلال أشهـــر أو أعـــوام وبأنــــه سيُجــــري لقـــاءات وحــــوارات بهدف وضـــع النقــــاط على الحـــــروف واخــــراج لبـــنان من حالة اللا استقرار السياسي التي يمر بها.

 

يعقوبيان لـ<الأفكار>: تعبت من التبريرات

لم تخلو مقابلة الرئيس الحريري من الأسئلة المُحرجة في بعض الأوقات التي وجهتها اليه الاعلامية بولا يعقوبيان وهو أمر برز أكثر من مرة ومعه برز امتعاض الحريري لكن ليس لوقت طويل. في حديث لـ<الأفكار> كشفت يعقوبيان أن المقابلة مع الرئيس سعد الحريري جاءت بطلب منه. اتصل الرئيس الحريري بي وأعلمني أنه يُريد ان يطل بمقابلة معي ضمن برنامجي <انتر فيوز> عبر قناة <المستقبل>.

وتنفي يعقوبيان أن تكون المقابلة مفبركة أو مركبة كما يدعي البعض، والجميع لاحظ مدى جدية الحوار وبعده عن المقابلات الروتينية والحدة التي اتسم بها في بعض الأحيان. ومهمتي الابرز كانت ابراز أسئلة الناس وهواجسهم. وقد نقلت بأمانة معظم الأسئلة التي كانت تُرسل إلى هاتفي. ويبدو أن يعقوبيان قد ملّت من أجواء التفرقة التي تسود لبنان والانقسام العامودي الحاصل خصوصاً في الفترة الأخيرة، وقد عبرت بجملة قالت فيها: <الطائفة الوحيدة المهزومة في لبنان هي طائفة المعتدلين الذين يريدون بناء وطن جامع لكل اهله دون فرز وتقسيم. اشرف الناس هؤلاء صوتهم خافت ولا احد يصرخ على المنابر لنصرة قضيتهم. أطيب الناس هؤلاء يؤمنون ولا يغالون ينطقون بالحق انما لا يقاتلون، متى يمقت اللبنانيون التجمعات غير الوطنية؟ متى ينتفض نسيم الوطن ويتحول عاصفة تصهر اللبنانيين؟ لقاء مسيحي ولقاء سني ولقاء شيعي ولقاء اقليات.!!! الى اللقاء لبنان أو ربما وداعاً>.

وعن الرجل الذي ظهر في مقطع مصور معها، تقول يعقوبيان: <لقد أوضحت أكثر من مرة أنه زميل سعودي ضمن الفريق التقني. كنت استفهم منه حول مسألة الـ<delay> بالصوت بين البث من المملكة الى بيروت. وهذه فرصة لأشكر فريق العمل السعودي. وأيضاً قيل إنني أقول للزميل السعودي <عيش كتير>، لكن في الحقيقة كنت أقول له <شكراً كتير>. ولا بد من توجيه الشكر لكل اصحاب التعليقات سواء الايجابية أو السلبية وشكراً للرئيس سعد الحريري على اللقاء القيّم المباشر من منزله. وأرجو عدم نشر المزيد من الشائعات التافهة، وصدقاً لا استوعب خيال البعض وجنوحه>.

 

طائرة الحريري زادت الوضع غموضاً

 

الاسبوع الماضي راحت بعض وسائل الاعلام اللبنانية تُحلل كعادتها، وجود الحريري في السعودية تحت الاقامة الجبرية لأسباب تراوحت بين تحضير ضربة لحزب الله في سوريا ولبنان، وبين اشكالات أو خلافات لها طابع مادي وقعت بين الحريري وولي العهد السعودي الامير محمد بن سلمان، لكن أوساط تيار <المستقبل> شككت لا بل نفت كل هذه الأقاويل ووضعتها في خانة زرع <اسفين> بين الحريري والسعودية. لكن اللافت كان عودة طائرة الرئيس الحريري الخاصة من السعودية إلى مطار رفيق الحريري الدولي ليلاً وسط بلبلة اعلامية وموجات تكهنات لم يسبق لها مثيل، حتى قيل إن النائب عقاب صقر كان على متنها والبعض الآخر ردد أن مرافقه الشخصي هو من عاد الى لبنان بأمر من السلطات السعودية بعدما طلبت بأن يبقى مع الحريري مرافق واحد فقط.

الغموض والضبابية أيضاً، كانا السمة البارزة لغياب الحريري خصوصاً وأن الواقع المحيط به بالإضافة إلى اقرب المقربين اليه من رجال السياسة في تياره، لا يقدمون حتى الساعة جواباً للسؤال عن اسباب وخلفيات استقالته او عن مكان وجوده في المملكة التي عاد اليها بعد زيارة خاطفة للامارات، أو حتى عن اسباب انقطاع التواصل اللبناني معه ولو هاتفياً، أو أقله اتصالاً برئيسي الجمهورية ومجلس النواب. لكن مقابل هذه الافتراضات، شككت اوساط سياسية مطّلعة في دقة المعلومات التي تتناقلها وكالات انباء عالمية نقلاً عن مسؤول لبناني كبير مفادها <أن السلطات اللبنانية تعتقد أن الرئيس سعد الحريري محتجز في السعودية ويتجه لبنان إلى الطلب من دول أجنبية وعربية الضغط على الرياض لفك احتجازه، ورأت أن كلام الحريري على تلفزيون <المستقبل> كان له وقع ايجابي على الصعيدين السياسي والأمني ورأت فيه عودة قريبة إلى بيروت في مدة قد تكون أقصاها قبل عيد الاستقلال.

وفي المواقف السياسية المؤيدة للاطلالة، كان لافتاً التغريداتان اللتان أطلقهما كل من رئيس <اللقاء الديموقراطي> النائب وليد جنبلاط، ورئيس حزب <القوات اللبنانية> الدكتور سمير جعجع. في تغريدة جنبلاط قال: <بالرغم من كل الصعاب والعقبات والعثرات تبقى يا شيخ سعد رجل التسوية، رجل الحوار، رجل الدولة. تحية حارة. وليد جنبلاط>. أما في تغريدة الحكيم فقد جاء: <حلقة استثنائية، نحن بانتظارك>.

ولي-العهد-السعودي-الانفتاح-والتغييروالحريري يرد… وتعاطف شعبي

الحريري ومع الزميلة يعقوبيان أكد <أن استقالتي كانت لمصلحة لبنان، وسأعود للبنان قريباً. وعن وضعه الحالي في السعودية، أجاب: أنا في السعودية حر وأستطيع السفر لو أردت، ولكنني أيضاً أهدف لحماية حياتي وضمان أمني الشخصي. وتابع: أعرف أنه يتعين عليّ دستورياً الذهاب لرئيس الجمهورية وتقديم استقالتي، ولكنني هدفت للقيام بصدمة إيجابية للشعب اللبناني للتنبيه بما يواجه بلادنا من تحديات. وتطرق الحريري للحديث عن حزب الله لافتاً إلى أنني لست ضده كحزب سياسي، ولكن هذا ليس معناه أن يخرب في لبنان.

وشدد على أنه لن يسمح بجر لبنان إلى حرب أقليمية، مشيراً إلى أنه حذر مراراً من التقارب مع النظام السوري برئاسة بشار الأسد. وأكمل الحريري في ما يخص الشأن الإيراني: لا أمانع الدخول في علاقات مع إيران، ولكن عليها أولاً أن تكف عن التدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية. وختم بالقول: أتوجه بالشكر لكل اللبنانيين الذين يطالبون بعودتي، وأؤكد أن علاقتي ممتازة بالرئيس عون، وسيجمعنا حوار مطول عند عودتي لننظر كيف سنستكمل تسويتنا. المطلوب من لبنان في الوقت الحالي هو الحياد>.

وفي شق التعاطف الواضح الذي ظهر مع الرئيس الحريري والمطالب بعودته مهما كانت الظروف، وبالإضافة إلى الصور التي توزعت في الشمال وبيروت وصيدا والتي كُتب على معظمها عبارة <منحبك يا سعد>، انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي أغنية موجّهة للحريري أيضاً بعنوان <منحبّك يا سعد> حازت تفاعلاً كبيراً سواء من المؤيدين أو المعارضين له. والأغنية التي غناها مجموعة من الشباب عبّروا فيها عن اشتياقهم للحريري، وتقول كلماتها: <مهما طال غيابك عنا بتبقى فينا ومعنا ومنا وبتبقى الرمز بموطنا ومنبقى ع الوعد، وحياة الغالي بترابه منحبك يا سعد، منحبك بدنا نضل نحبك قادرنا ع دربك لنكفي الطريق. منحبك بدنا نبقى جنبك يا حامل بقلبك أمانة رفيق>.

 

جدل سعودي ايراني بعد المقابلة

في اليوم التالي على مقابلة الرئيس الحريري، أطلقت صحف سعودية حملة تهليل مبرأة ساحة المملكة مما نسب إليها من عملية اختطاف للحريري حيث راحت تركز على مقتطفات معينة من حوار الحريري، سواء تلك التي أكد فيها أنه يوجد في السعودية بمحض إرادته، أو تلك التي يعرب فيها عن امتنانه للملك سلمان وولي عهده محمد بن سلمان، لوقوفهما إلى جانبه. فقد نقلت صحيفة <عكاظ> تأكيد الحريري على حرص السعودية على استقرار لبنان.. ورفض تدخلات إيران وحزب الله في المنطقة. والحريري يخرس الألسنة: <لا قيود على حركتي.. وسأعود قريباً لتقديم استقالتي دستورياً>. أما صحيفة الرياض فعنونت: الرئيس المستقيل يفند المزاعم ويسأل: أين سياسة النأي بالنفس؟ الحريري: <أنا حرٌ… وقريباً في بيروت>. وكتبت الشرق الأوسط: <أنا عائد… وكتبت استقالتي بيدي>.

لكن وعلى الضفة الأخرى استمرت ايران بتأكيداتها على أن الحريري <مختطف> في السعودية وذهب مساعد رئيس البرلمان الإيراني للشؤون الدولية، حسين أمير عبد اللهيان، إلى حد مقارنة وجود رئيس الوزراء اللبناني المستقيل في السعودية، باختطاف الإمام موسى الصدر في ليبيا. من جانبه أعرب المتحدث باسم الخارجية الإيرانية بهرام قاسمي، عن الأمل بعودة سعد الحريري إلى لبنان سريعاً، وأن يمضي مراحل استقالته بصورة قانونية في لبنان. وقال قاسمي: <نأمل أن لا تتجه أوضاع لبنان للعنف والخلاف والمزيد من التعقيد وأن تعود إلى ما كانت عليه قبل استقالة الحريري>.