24 September,2018

الحر الشديد وتأثيره على صحة الانسان!

 

بقلم وردية بطرس

تعتبر موجات الحر الشديد من الظواهر الطبيعية ذات الخطورة على صحة الانسان والتي يتجاهل كثيرون من الناس القواعد الصحيحة للتعامل معها، فيعرضون بذلك صحتهم للمخاطر واحتمال الوفاة دون وعي، إذ ان تعرض اي شخص لدرجات حرارة خارجية عالية على مدى فترات متتالية من دون فترة كافية من البرودة للسماح للجسم باستعادة توازنه الحراري، من المرجح ان يؤدي الى مضاعفات خطيرة على الصحة. وتزداد خطورة موجة الحر الشديد حسب الاعمار خصوصاً لدى المسنين والأطفال، فجسم الانسان حسب الفئات العمرية لا يتفاعل مع ارتفاع درجة الحرارة الخارجية بالطريقة نفسها، إذ تزداد الخطورة لدى الأطفال والأشخاص المسنين من التعرض لضربة شمس قوية، قد تكون لها مضاعفات صحية خطيرة لأن تأثير موجة الحر الشديد لا تستطيع أجسامهم التكيف معه بسهولة، بالتالي تكون صحتهم معرضة للخطر مقارنة بغيرهم لأن أجسامهم معرضة بسهولة لخطورة الجفاف وخطورة الاصابة بضربة شمس قوية، وفي ما يلي الطريقة الصحيحة للتعامل مع موجة الحر الشديد، فمع موجة الحر ترتفع درجة حرارة أجسامنا، لذلك يُجبر الجسم على افراز الطاقة للحفاظ على توازنه ما يتسبب في الاحساس بالتعب وآلام في الرأس كما ان الأمر يصل في بعض الأحيان الى الشعور بالغثيان. ومع ارتفاع درجات الحرارة ترتخي عضلاتنا ويتفاقم ذلك كلما ارتفعت أكثر، لذلك يشعر الانسان بعدم القدرة على مزاولة الرياضة، خصوصاً اذا كان من بين الأشخاص الذين لا يشربون كمية كافية من الماء. كما ان فقدان الشهية مع موجة الحر لا يعود الى تراجع الاحساس بالجوع فحسب، بل يعني ان الجسم لم يعد في حاجة لسعرات حرارية كثيرة في ظل حرارة الجو المرتفعة، لذلك تقل لدينا الرغبة في تناول الطعام. كما يمكن ان تُفقدنا درجات الحرارة المرتفعة القدرة على التحكم في الغضب، فعندما نتعرق كثيراً ونشعر بأننا في ضيق وغير مرتاحين، يتسبب ذلك في فقدان السيطرة على أعصابنا، والذي سيجعل بدوره من الانسان سريع الغضب. وحين تكون درجة حرارة الجسم أعلى من درجة حرارة الجو تتم عملية طرد الحرارة الداخلية بسهولة بالغة، لكن حين تبدأ درجة حرارة الجو في الارتفاع وتزيد عن درجة حرارة الجسم تصبح عملية التعرق أكثر حدوثاً.

ويحدث أحياناً ان تصاب غدد العرق بانسداد في بعض أجزائها مما يسبب الطفح الجلدي وتهيج البشرة واحمرارها. وفي حال اشتداد الرطوبة، فهذا يعني ان الجو بات مشبعاً ببخار الماء اي انه لم يعد قادراً على امتصاص العرق الذي يفرزه الجسم. وبحسب الأطباء ان التعرق الشديد يعد من علامات ودلائل الاجهاد بسبب الحرارة، الا ان غدد العرق تتوقف عن افرازاتها عندما تدرك ان الجسم فقد الكثير من السوائل، فاذا تواصل ارتفاع درجة حرارة البشرة وجفافها مع غياب التعرق، فهذا معناه ان المرء قد اصيب بضربة شمس مما يفرض نقله بسرعة الى أقرب مستشفى، كما ان الجسم حين ترتفع حرارته يعمل على تحويل مزيد من الدم نحو الأوعية القريبة من البشرة على حساب بقية الأعضاء مما يعني ان كمية الدم ذاتها باتت تتوزع على أجزاء أكثر في الجسم أي مساحات أكثر ودماء أقل مما يسبب انخفاضاً في ضغط الدم ويجعل القلب بالتالي يعمل بجهد أكبر لكي يتمكن من توزيع كمية الدم ذاتها على مساحات أكبر في الجسم. وتجدر الاشارة الى ان انخفاض ضغط الدم وزيادة الضغط على القلب يعنيان ان الجسم لم يعد يحصل على ما يحتاج اليه من الأوكسجين الذي يحمله الدم الى كل انحاء الجسم، بما فيها الدماغ مما يسبب الدوار والدوخان بالاضافة الى زوغان النظر، وفي الحالات الشديدة يسبب ذلك الاغماء. وعندما يحتاج الجلد الى مزيد من الدم مع ارتفاع درجة حرارة الجو، يضطر القلب، وبالذات البطين الأيسر، الى العمل بصورة مضاعفة لكي يعيد ضخ الدم من جديد الى مختلف أعضاء الجسم، فيما يعمل التعرق في الوقت نفسه على تقليل الحجم الكلي للدم، فمثلاً اذا كان القلب عادة يستقبل كمية ليتر من الدم فهذا معناه انه سيضخ الكمية ذاتها ويعيدها الى الجسم، اما في حالة التعرق فانه بات يستلم نصف الكمية فقط مما يفرض على القلب ان يعوض النقص بمضاعفة الجهد. بالاضافة الى ذلك تتمدد الأوعية الدموية القريبة من الجلد لتتمكن من استقبال المزيد من الدم في وقت يحاول الجسم التخلص مما لديه من حرارة زائدة. ويشبه الأطباء الأوعية في مثل هذه الحالة ببالون مملوء بالماء، فاذا نفخت فيه ودفعت الى داخله كمية من الهواء الذي يطرد بعض الماء يصبح نصفه ماء ونصفه الآخر هواء، ومثل هذا الوضع يفرض على القلب العمل بسرعة مضاعفة لكي يتمكن من ضخ كمية أقل من الدم الى مساحات أكبر في الجسم، ومن بين النتائج ان القلب سيعمل على خفض كمية الدم التي يضخها الى العديد من أعضاء الجسم مثل الأمعاء، فاذا استمر هذا الوضع لبعض الوقت يسبب الاسهال الذي يكون في هذه الحالة دليلاً على الاصابة بضربة شمس او انهاك حراري، وللعلم فان الاسهال يجرّد الجسم من الشوارد الكهربائية التي تؤثر بدورها على وظائف العضلات، إذ لكي تعمل العضلات بصورة طبيعية تحتاج الى ما يسمى توازن الشوارد اي توازن المركبات المعدنية للدم مثل <البوتاسيوم> و<الصوديوم> وغيرها… لكن التعرق يسبب تطهير هذه الشوارد تماماً كما تسبب حرارة الجو الاصابة بالاسهال، وان اختلال التوازن بين الشوارد يمنع العضلات من الاسترخاء مما يسبب تشنج العضلات المؤلم جداً، ولهذا السبب ينصح الأطباء من يشعر بتشنج العضلات بسبب الجو الحار بالانتقال فوراً الى مكان أكثر برودة والعمل على ترطيب البشرة، فالماء العادي لا ينفع بل يجب تناول كمية من أحد مشروبات الطاقة الغنية بالصوديوم والبوتاسيوم. وفي ما يتعلق بانتفاخ اليدين والقدمين، فمع ارتفاع حرارة الجو تستجيب الأوعية الدموية القريبة من الجلد بالتوسع مما يسمح للقلب بضخ مزيد من الدم الى هذه الأوعية بهدف مزدوج، توزيع ونشر الحرارة الزائدة وتنشيط عملية التعرق. وبسبب الجاذبية الأرضية، تتجمع كمية كبيرة من الدم في اليدين والقدمين مما يصعب مهمة القلب في استعادة هذه الكمية لتنقيتها من جديد، خصوصاً حين الوقوف، فتكون النتيجة الاصابة بانتفاخ وتورم في اليدين والقدمين.

ويشهد لبنان هذا الصيف موجة حر شديدة خصوصاً في شهر آب (أغسطس) الحالي، فالى اي مدى يؤثر الحر الشديد على صحة الانسان؟ ومن هم الأكثر عرضة للاصابة بمشاكل اثر تعرضهم للحر الشديد؟ وغيرها من الأسئلة طرحتها <الأفكار> على الاختصاصي في الأمراض الصدرية والأمراض الداخلية الدكتور هاني شاهين ونسأله:

ــ كيف يؤثر الحر الشديد على الجلد؟

– ان الجلد من الأعضاء المهمة في جسم الانسان، واحدى وظائفه الحيوية هي المحافظة على حرارة ثابتة في جسم الانسان، إذ ان الضرر المباشر او التأثير المباشر للحرارة على الجلد بشكل عام هو تأثير خفيف، طبعاً في حال استطاع الانسان التحكم بحصوله على الماء او الظل في حالة الحر الشديد او بالحصول على الماء والدفء في حالة البرد الشديد. وان بعض العوامل الجلدية أو أمراض الجلد تزيد كثيراً في حالة البرد الشديد او الحر الشديد، ولكن التأثير المباشر على الجلد يكمن خصوصاً من حيث التعرض لأشعة الشمس بشكل مباشر مما يؤدي للحروق بدرجة اولى او ثانية.

ــ وهل يؤثر الحر الشديد على القلب؟ ولماذا؟

– ان التأثير على القلب ناتج بشكل أساسي عن محاولة المحافظة على كمية معينة من الماء وعلى كمية معينة من الاحتراق الداخلي في الجسم البشري وهذا ما نسميه <Metabolism> والقلب في حالة فقدان السوائل يضطر للقيام بعمل مضاعف مما يؤدي أحياناً الى فشل القلب خصوصاً عند المرضى المصابين بمشاكل في هذا العضو. أما لدى الأشخاص غير المصابين بأمراض القلب فان التأثير لا يكون كبيراً عليهم لأن قدرة القلب على مضاعفة عمله هي موجودة وبكل سهولة، وبالتالي هناك امكانية لمضاعفة عمله ومضاعفة كمية الماء. ويجب التذكير هنا ان ساعة واحدة من التعرض لأشعة الشمس مفيدة اذ ليس كل تعرض للحرارة او البرودة هو أمر سيء، اذ تبين على الصعيد الطبي ان ساعة واحدة خلال الاسبوع من التعرض لأشعة الشمس تعادل تناول عشرة آلاف مرة لفيتامين <د> الذي يحتاجه جسم الانسان نظراً لأهميته وفوائده.

 

تأثر جسم الانسان بالحر الشديد

ــ بشكل عام كيف يؤثر الحر الشديد على جسم الانسان من الناحية الصحية؟

– ان تأثير الحر الشديد على الانسان بشكل عام يرتبط بقدرة الجسم على التأقلم مع الحرارة، وهذه القدرة هي فائقة ومميزة، ولكن للأسف هذه القدرة الهائلة على التأقلم مع الحرارة تخف كثيراً عند الصغار والمتقدمين في السن حيث يكون الجسم ضعيفاً، وبالتالي فان هؤلاء يعانون بشكل هائل من المشاكل بفعل التعرض للحرارة المرتفعة. فلدى الجسم البشري قدرة على التكيف، ويخاطب الجسم صاحبه عن طريق الاحساس بالعطش والجوع والبرودة والحرارة، مثلاً ان الشعور بالعطش هو شعور لاارادي بحسب كمية السوائل التي نشربها، وهذا الشعور يساعد معظم البشر على المحافظة على مستوى المياه والأملاح ضمن مجال دقيق ومحدد جداً، وهذه الدقة هائلة ولكن عند الصغار والمتقدمين في السن يخف هذا الاحساس.

ويتابع:

– ان التعرض الفجائي للحرارة يجعل جسم الانسان يفرز مواداً معينة تتحكم بتدفق الماء الى البشرة الخارجية وحتى الى الأعضاء الداخلية، وبالتالي يقوم الجسم بمجهود لمواجهة هذه الحرارة الشديدة والمحافظة على حرارته الداخلية عند مستوى معين، وان تغير الحرارة الفجائي مثل الانتقال من أماكن باردة الى أماكن دافئة او حارة جداً او العكس يجعل الأمر أصعب على الانسان مما يؤدي الى افراز مواد تكون معاكسة للمواد التي كانت موجودة عند حرارة مختلفة. وهناك أمر آخر عند حصول الحرارة الشديدة او البرودة الشديدة، وهو ان الهواء الذي يتنفسه الانسان لدى دخوله الى مجاري التنفس يقوم احياناً بتهييج الأعصاب المتحكمة بمجاري التنفس مما يؤدي لافراز مواد معينة تكون مسؤولة عن تشنج القصبات الهوائية، ونعاين ذلك بصورة كبيرة لدى مرضى الربو ومرضى الجهاز التنفسي حيث تزداد نسبة الاصابة بهذه الأمراض عند التعرض للحرارة الشديدة او البرودة الشديدة. إلا ان الجسم في الحالات الطبيعية لديه القدرة للتأقلم مع هذه الحرارة، وان تعبير <الجسم يخاطب> هو تعبير سليم جداً وقاعدة مهمة جداً في الطب، فمثلاً عند البرودة لاشعورياً يسعى الانسان للحصول على الدفء، وعند الحرارة الشديدة يحاول الحصول على الظل والماء، ويقوم الجسم بافراز نبضات عضلية خفيفة جداً تزيد في احراق السكر، وبالتالي ترتفع حرارة الجسم في حالة البرودة الشديدة، أما في حالة الحرارة المرتفعة فالعكس تماماً يحصل حيث يقوم الجسم بتخفيض معدل انتاج الحرارة ويقوم بعملية التعرق التي تتسبب في فقدان كبير للحرارة الزائدة، كما ان هذا يتم وفق آلية محددة ودقيقة جداً في جسم الانسان اذ يتداخل فيها أكثر من 250 مادة كيميائية.

وختم الدكتور شاهين حديثه قائلاً:

– ان الشرايين الدقيقة في جسم الانسان عندما تتمدد خصوصاً على سطح الجسم تؤدي الى فقدان كمية لا بأس بها من الحرارة ومن السوائل. وبالعكس في حالة البرودة الشديدة يقوم الجسم بتحويل الماء الدافقة الى الأماكن الحيوية في الجسم مثل القلب والدماغ للمحافظة على حرارة معينة لدى هذه الأعضاء. وتجدر الاشارة الى انه طبياً، الشعور بالعطش يتحكم به أيضاً أكثر من 200 عامل ومادة كيميائية تحفز الانسان على طلب الماء بكمية معينة ومحددة، وهذا من الاعجاز العلمي في جسم الانسان، فان قدرة الانسان على التكيف مع اختلاف الحرارة هي مذهلة، ولكن للأسف قد يفقد أحياناً الصغار والمتقدمون في السن والمقعدون الاحساس بالعطش او البرد او الحرارة، وبالتالي يكون التأثير السلبي كبيراً في هذه الحالات.