23 March,2019

الحريــــري غيــــر مـــتحمّس لتعـيـيــــن وزراء دولــــــــة لا صلاحيــــات لهــــم ولا هيكليــة إداريــة... ولا فعاليــــــة!

 

 

بوضوح لا لبس فيه، قال رئيس الحكومة سعد الحريري لرئيس الجمهورية العماد ميشال عون، ومن ثم لرئيس التيار الوطني الحر الوزير جبران باسيل، وقبلهما للرئيس نبيه بري، انه لا يحبّذ تشكيل حكومة من 32 وزيراً، لأن ذلك يعني وجود  8 وزراء دولة <لا شغلة ولا عملة لهم> سوى أنهم <كمالة عدد>! وبالصراحة نفسها قال الرئيس الحريري لزواره الاسبوع الماضي انه يفضل حكومة من 24 وزيراً 7 وزراء دولة فيها باستثناء وزيرين: الأول لشؤون التنمية الادارية، والثاني لشؤون مجلس النواب… وبغير ذلك لا ضرورة ولا حاجة.

إلا أن هذا الموقف لم يدركه الوزير باسيل الذي توسّع في طرح تشكيلة من 36 وزيراً، الأمر الذي جعل الرئيس الحريري يطلب من الرئيس عون أن يتوقف الوزير باسيل عن طرح صيغ <ما رح أمشي فيها> لأن مثل هذه الطروحات لن تؤدي الى نتيجة سوى إطالة عمر الأزمة الحكومية واستمرار البلاد من دون حكومة. ويؤكد الرئيس الحريري في هذا السياق ان تجربـــــة وزراء الدولة في الحكومة المستقيلة لم تكن مشجعة فهي لم تقدم أية إضافة الى العمل الحكومي، على رغم وجود رغبــــة واضحة لــــدى وزراء الدولـــــة في

العمـــــل، لكن الرغبـــــة شــــــيء والإمكانات شيء آخر.

ويتحدث قريبون من الرئيس الحريري عن أن 6 من وزراء الدولة في الحكومة الراهنة سعوا الى تفعيل أدوارهم، لكنهم اصطدموا بأن لا جهاز إدارياً يعاونهم، ولا سلطة عملية لهم على المسؤولين الذين كان يفترض أن يسهلوا لهم مهماتهم، فإذا بالواقع غير ذلك… والأمثلة كثيرة والشكاوى أكثر… حتى من الوزراء أنفسهم وقد حاولوا مرات عدة في جلسات مجلس الوزراء شرح الظروف <غير المناسبة> التي يعملون فيها، لكن شروحاتهم كانت تبقى من دون صدى.

 

حقوق الإنسان والفساد والتخطيط!

 

فوزير الدولة لشؤون حقوق الإنسان أيمن شقير لم يكن قادراً على تحديد ما هو مطلوب منه في وزارة الدولة التي سُمِي فيها، لأن <حقوق الإنسان> موزعة عملياً بين وزارات الداخلية والبلديات والشؤون الاجتماعية والصحة والعدل إلخ… ولا هيكلية لدى الوزير للمتابعة، فاقتصر دوره على حضور جلسات مجلس الوزراء والمساهمة في تشكيل <الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان> التي شُكّلت هي أيضاً وفق <المحاصصة> التقليدية التي كانت القاسم المشترك في كل التعيينات في مجلس الوزراء.

أما وزير الدولة لشؤون مكافحة الفساد نقولا تويني فقد نشط في أكثر من مجال وحقق بعض <الإنجازات> في مهمته، لكنه كان يشكو دائماً من غياب الجهاز الإداري الذي يفترض أن يعاونه، وهو استعمل علاقاته الشخصية للقيام بعمله، ولما لم يعد يلقى أي تجاوب من أجهزة الرقابة الإدارية التي تتبع عملياً لسلطة رئيس الحكومة، ولا الأجهزة القضائية التي يشرف وزير العدل على عملها، وظّف هذه العلاقات الشخصية لحل قضايا أخرى عالقة لا علاقة لها بالفساد، مثل المراجعة في ديون التجار اللبنانيين وحقوقهم لدى الدولة العراقية منذ زمن صدام حسين، وقد نجح في وضع آلية لتحصيلها.

والمعاناة نفسها عاشها وزير الدولة لشؤون التخطيط ميشال فرعون الذي عوض عن عدم فعالية وزارة الدولة التي أسندت اليه بالمداخلات التي كان يدلي بها في جلسات مجلس الوزراء للمطالبة بحقوق الروم الكاثوليك في الإدارات والمؤسسات العامة، أو لطرح مطالب تهم دائرة بيروت الأولى أي دائرته الانتخابية، والتقرير اليتيم الذي أعده حول <التخطيط> لم يعرض على مجلس الوزراء وقد يكون بقي من دون قراءة! أما اللجان الوزارية التي شارك فيها فقد كانت قليلة جداً لا بل نادرة!

وحده وزير الدولة لشؤون المرأة جان أوغاسبيان نجح في الحصول على ميزانية محددة لم تتجاوز الـ100 مليون ليرة لمتابعة شؤون المرأة اللبنانية، لكنه لاحظ أن الأولوية كانت لـ<الهيئة الوطنية لشؤون المرأة اللبنانية> التي تترأسها كريمة رئيس الجمهورية السيدة كلودين عون روكز التي نشطت في مجال عملها على نحو لافت وكانت حاضرة مع الهيئة في كل النشاطات التي تعنى بالمرأة وحقوقها، ومع ذلك فإن الوزير أوغاسبيان أكثر من المداخلات والخطب في المناسبات المختلفة دفاعاً عن حقوق المرأة في المجالات كافة.

شؤون رئاسة الجمهورية والمجلس والنازحين!

 

وما يُقال عن الوزراء الأربعة السابقين، يقال ايضاً عن وزير الدولة لشؤون رئاسة الجمهورية الدكتور بيار رفول الذي لم يكن له عملياً أي دور في <شؤون> رئاسة الجمهورية ولا في دوائرها أو عملها، واقتصر دوره على حضور عدد محدود من الاجتماعات في قصر بعبدا، أو مرافقة رئيس الجمهورية في رحلاته الى الخارج، أو تمثيله في مناسبات معينة لاسيما منها حفلات الاستقبال التي يقيمها السفراء في الأعياد الوطنية أو المآتم أو المؤتمرات التي تحظى برعاية رئاسية. إلا أن الوزير رفول المعروف بتواضعه ودماثة أخلاقه ارتضى بأن ينفذ ما يعهد اليه رئيس الجمهورية من مهمات معلنة أو غير معلنة، ولاسيما زياراته المتكررة لسوريا، وإطلالاته الإعلامية المتفرقة شارحاً سياسة سيد العهد ومنتقداً أحياناً من يهاجم الرئيس أو العهد!

ولم يختلف دور وزير الدولة لشؤون مجلس النواب المرحوم علي قانصوه عن دور نظرائه وزراء الدولة، وهو كان يشكو دائماً من غياب المهمات التي توكل اليه، وكان يعوّض عن هذا الغياب بمداخلات حادة حيناً وموضوعية أحياناً في مجلس الوزراء كانت تلقى أصداء من وقت الى آخر، لاسيما عندما يتعلق الأمر بالعلاقة مع سوريا وضرورة التواصل معها لحل الكثير من المسائل العالقة بين البلدين، وهو اشتهر خصوصاً بإثارته مسألة الاستفادة من العروض السورية المناسبة لاستجرار الطاقة الكهربائية بأسعار متدنية عن تلك التي كانت الدولة تدفعها لاستئجار بواخر إنتاج الكهرباء… ورحل الوزير قانصوه عن هذه الدنيا ولا يزال ملف الكهرباء مفتوحاً، والآتي أعظم!

أما وزير الدولة لشؤون النازحين معين المرعبي فاستعاض عن دور يفترض أن يكون مباشراً في معالجة ملف النازحين السوريين بإطلاق مواقف صاخبة – خارج مجلس الوزراء – ضد سوريا والمسؤولين فيها، وبمشاركة غير منتجة في اللجان الوزارية التي تعاطت مع تداعيات النزوح. ولعل <الإنجاز> الوحيد الذي حققه كان <اقتحام> مركز مؤسسة كهرباء لبنان في منطقة عكار وتحطيم أبوابه لتشغيل مولدات كهربائية وتأمين التيار لأبناء المنطقة. ولم يكن الوزير المرعبي مؤيداً لعودة النازحين الى ديارهم، ولا هو ساهم في أية محاولة للتخفيف من معاناتهم ولا في تنظيم أية عودة طوعية لهم، فتولى الأمر بنجاح المدير العام للأمن العام اللواء عباس ابراهيم وجهازه.

 

التنمية الإدارية فاعلة!

 

أما وزير الدولة الثامن في حكومة الرئيس الحريري، فكانت السيدة عناية عز الدين التي تسلمت وزارة شؤون التنمية الإدارية، وهي الوحيدة التي كان لديها جهاز إداري عمل معها في مجالات عدة، أبرزها مع المنظمات التابعة للأمم المتحدة ولاسيما منها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي <UNDP>، فتمكنت من تحقيق إنجازات توزعت على إدارات الدولة كافة خصوصاً في مجالات تعزيز العمل التكنولوجي والجهد الرقمي والحكومة الالكترونية. وتختلف طبيعة عمل وزارة التنمية الإدارية عن وزارات الدولة الأخرى لأن لها، إضافة الى الجهاز البشري المتخصص، التمويل المناسب خصوصاً من المنظمات الدولية، ولا يمكن اعتبار هذه الوزارة مثل باقي وزارات الدولة لأنها ليست حديثة العهد من جهة، ولأنها منتجة من جهة أخرى ولها حضورها في مختلف المجالات، ولذلك تبقى الوزيرة عز الدين خارج تصنيف وزراء الدولة الآخرين من حيث طبيعة العمل والإنتاجية!

انطلاقاً من الوقائع أعلاه، تقول مصادر مطلعة على موقف الرئيس الحريري أن عدم تشجيعه لفكرة تعيين وزراء دولة في الحكومة العتيدة إلا في الحد الأدنى، له ما يبرره، إضافة الى الكلفة المالية التي تترتب شهرياً على الدولة لأن راتب الوزير يصل الى 12 مليون ليرة شهرياً، إضافة الى تخصيصه بمبلغ شهري يدفع لمستشار أو أكثر حسب طبيعة العمل. علماً أن مفهوم وزراء الدولة في لبنان يختلف عما هو عليه في دول أخرى حيث لوزراء الدولة مهام محددة ومسؤوليات وملفات يتولونها، فيما لا مسؤوليات مباشرة لوزراء الدولة اللبنانيين باستثناء تمثيلهم لجهات سياسية سعياً وراء توازن ما أو إرضاء لكتل يراد تمثيلها في الحكومة، خصوصاً ان صوت وزير الدولة في مجلس الوزراء يحتسب مثل أي وزير آخر يحمل حقيبة وزارية أو أكثر!