23 September,2018

الحريري في ”بروكسيل“: هذا هو واقعنا وهذه هي أزمتنا!

بقلم وليد عوض

ميقاتي

دخلنا في الخيار الصعب، وصار لزاماً علينا يوم الأحد 6 أيار (مايو) أن ننتقي المرشح الذي نعهد فيه القدرة على رعاية شؤوننا الحياتية، وأولها زيادة الدخل على زيادة النفقات، وشد الحزام المالي بدلاً من أن تترك الأمور على غاربها. وعندها يتأكد الناخب من ان مدخوله الشهري يعالج أية ثغرة في حاله المالية، فلا تدعو الى الشفقة وينجو من المكاره.

وقد لفتني في برنامج <دق الجرس> على قناة <أم تي في> سؤال لضيف الحلقة الوزير السابق الياس بوصعب، ابن ضهور الشوير، والمستشار الثقافي للرئيس ميشال عون عندما سئل من قبل سبعة عشر طفلاً من التلاميذ عن أهم ثلاث شخصيات أرثوذكسية في المتن الشمالي فقال: انهم بالتتابع نائب رئيس الوزراء الأسبق ميشال المر، والنائب غسان مخيبر، والمذيعة التلفزيونية الجميلة جيسيكا عازار. وعندما ينتقي وزير التربية السابق ابن ضهور الشوير ومرشحها، فهو يضع عواطفه جانباً، ويفحص ضميره وخبرته من خلال منصبه الوزاري السابق ومنصبه كمستشار ثقافي للرئيس ميشال عون. وكان يستطيع أن لا يحصر الاختيار بالمرشحين الثلاثة، وينجو بذلك من الاحراج، ولكن فحص الضمير مثل تشخيص الطبيب ينطق من وقائع، لا من رأي شخصي!

ولكن لماذا الثلاثة: ميشال المر وغسان مخيبر وجيسيكا عازار؟!

أولاً عندكم نائب رئيس الوزراء الأسبق ميشال المر حليف سابق للقوات اللبنانية، وخصوصاً للرئيس السابق بشير الجميّل، وقد كلفني أنا شخصياً عندما زرته في وزارة الطاقة والهاتف عند منطقة فرن الشباك بجمع عدد من الأطباء والمحامين وعدد من الخبراء الجامعيين، إلا ان الطلب لم يلق قبولاً وأصبح المحاور هو المرشح الرئاسي الياس سركيس حاكم مصرف لبنان، وكان بين الذين اجتمع بهم الدكتور محمود فاعور، والدكتور سعيد الصايغ رحمه الله، وكلاهما من الود الوطني بمكان، وفي مجيء الرئيس الياس سركيس الى سدة القصر الجمهوري كان لميشال المر دور وسيط من الدرجة الأولى، ولعل هذا ما أعطاه فرصة الحصول على نيابة رئاسة الوزراء. وكان كوزير واسع الخدمات لا يفرق بين مسلم ومسيحي.

ولكن ماذا عن المرشح النائب غسان مخيبر؟!

عن عمه الوزير الراحل الدكتور البير مخيبر استقى غسان مخيبر فن التعاطي مع الناس، واشتهر الدكتور مخيبر بكونه واحداً من أقطاب حلقة الاجتماع اليومي في فندق <سان جورج>، وكان معه الخبير الفندقي الراحل بشارة مسابكي. وقد قدم استقالته من مستشفى الجامعة الأميركية لأنه لم يعد يستطيع أن يوفر الخدمات كما في الماضي، واعتبر الدكتور مخيبر من المراجع الوطنية في حياة لبنان، إضافة الى خدماته الطبية المجانية.

 

من ضهور الشوير الى البرلمان!

وماذا عن المذيعة جيسيكا عازار؟!

هي أيضاً بنت ضهور الشوير، الجبل الذي أتى منه المفكر الكبير ميخائيل نعيمة، ورئيس الحزب القومي السوري أنطون سعادة، والمفكر أمين الريحاني أول مستشار لبناني لمؤسس المملكة السعودية الملك عبد العزيز آل سعود، وأمين الريحاني هو  صاحب شعار <قل كلمتك وامشِ> الذي كان يعتلي الصفحة الأولى من جريدة <الحياة> الصادرة في لندن. وهذا المخزون الفكري جعل من جيسيكا عازار مذيعة تلفزيون جميلة الاطلالة تجمع بين الجمال وحسن التعامل مع اللغة. وفوزها في هذه الانتخابات ولو بصفة شاهد من خارج اللائحة، يساعدها على اقتحام البرلمان الجديد وربما مجلس الوزراء وكل ذلك متوقف على الحظ.

إنما حرارة المعركة هي تلك التي تكوي انتخابات طرابلس، مع التسليم بموقع كل من الوزير محمد عبد اللطيف كبارة القريب من النسيج الشعبي، والوزير السابق النائب سمير الجسر الذي حمى خطاه السياسية من وهدة العدم، كما التعبير لأمير الشعراء أحمد شوقي. لكن الظاهرة الكبرى التي تمر في امتحان طرابلس هي الرئيس نجيب ميقاتي، مكتشف شعار <النأي بالنفس> عندما كان رئيساً للوزراء، فهو يجمع بين الوفاء البنوي عبر جمعية <العزم والسعادة> التي اشتقت من اسم والده الراحل عزمي ميقاتي، ووالدته السيدة سعاد غندور.أي ان الرجل متأصل في نسبه. ولما تولى ممارسة الواجب النيابي، ثم رئاسة الوزارة، كان منسجماً مع نفسه ومع ناخبيه، برغم قناعته بأن دور الدولة مهم في دعم نشاط النائب، وهذا ما كان عصياً عليه، بحكم الزعامات الموروثة. ووفاء طرابلس للرئيس نجيب ميقاتي، مثل وفائه لوالديه، والكلام في هذا المجال هو لصندوقة الاقتراع لا للكلمات الطائرة بدون الارتكاز الى أساس.

بمجيء نجيب ميقاتي الى سدة الحكم تتفتح زهور <النأي بالنفس>. وقد سئل أصدقاء للسعودية عن رأي المملكة في مرشحي طرابلس فأعطوا العلامات الجيدة للرئيس نجيب ميقاتي.

ونحن الآن على مسافة أيام من يوم الانتخاب الكبير.. بعض المرشحين، مثل ميشال المر يضعون المقعد النيابي في جعبتهم، ومرشحون آخرون يمنون النفس بالكسب النيابي، والمجد الوزاري، مثل غسان مخيبر والياس بوصعب، ومرشحون آخرون يجمعون أوراقهم استعداداً للعودة الى عملهم في القطاع الخاص، واعتبار الاستحقاق الانتخابي امتحاناً لقدراتهم السياسية بانتظار فرصة أخرى.

ومن مفارقات الزمن ان الرئيس ميشال عون هو الذي سيترأس احتفال العيد المئة لولادة لبنان الكبير، ومرشحون بالجملة يتساءلون: هل كنا على مستوى هذا الحدث؟! هل عرفنا نعمة الجمع بين الجبل والشاطئ في دولة واحدة؟!

إننا على شفا الاحباط بانتظار أن تنجح حكومة الحريري مع آخر أيامها في طمأنة اللبنانيين الى مستقبلهم، رغم ما كاشف به الرئيس سعد الحريري العالم الأوروبي في مؤتمر <بروكسيل> يوم الأربعاء الماضي حينما قال: <الحقيقة المرة ان الظروف تدهورت في لبنان بحيث قد يبقى لبنان مخيماً كبيراً للاجئين، وان لبنان لا يزال يواجه تحديات ولا تزال الحاجات كبيرة والموارد نادرة، واحتمالات عدم الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في لبنان حقيقة، وقد يؤدي ذلك الى اضطرابات وعنف وتهديد للاستقرار السياسي والأمني بما يعطي حافزاً للنازحين للبحث عن ملاذ آمن في مكان آخر>.

وكان لا بد للرئيس الحريري من أن يطلق هذه الصرخة بعدما تبين ان مبلغ المليارين و700 ألف دولار لن يتحقق كما يشتهي لبنان.

والمصارحة بعد ذلك تقتضي بأن نعترف ان موسم الانتخابات لم يكن وافر الغلال كمواسم انتخابية سابقة، وهذا ما يجعل العالم، ولاسيما العالم الأوروبي يعمل على تحصين لبنان بمساعدات وقروض توازي ما تفرضه حالة مخيمات النازحين السوريين.

سعد-الحريري-فيديريكا-موغيريني

جرس الرئيسين عون والحريري

وما ذهب إليه الرئيس الحريري دق له الجرس الرئيس ميشال عون في رسالة الى اللبنانيين ليل الأربعاء الماضي حيث قال: <لا تصدقوا من يغدق عليكم الوعود التي تجافي الواقع والقدرة لأنه لن ينفذ ما وعد به، وتذكروا ان الوعود الانتخابية لا تلزم إلا من يصدقها، وحاذروا من يقيم حملته الانتخابية على سلبيات غيره وليس لديه سوى التجريح والافتراء واطلاق الشائعات مضموناً لخطابه السياسي>.

وأهم ما في موضوع الشائعات والافتراءات ان البعثات الديبلوماسية، ولا سيما العربية، لا تصدقها، وقد جمع القائم بالأعمال السعودي وليد بخاري صحافيين وصحافيات حول <فنجان قهوة> في السفارة السعودية، ظهر الأربعاء الماضي، ليطلب من أهل الصحافة أن يراجعوا سفارة خادم الحرمين الشريفين في كل ما يتعلق بأخبار المملكة السعودية ولا يترددون في الاستعلام.

وبرغم <فنجان القهوة> فإن وليد بخاري لا يتطرق الى المجرى الانتخابي، ولا الى المعركة الانتخابية بكل ما فيها من شراسة، ويحرص على تجنيب السعودية أي منزلق في هذا المجال. ومن شأن مرحلة ما بعد الانتخابات أن تسلط الضوء أكثر على المعركة الانتخابية التي لم يتورط فيها أي خيط سعودي. وبذلك يبقى الأمر محصوراً بين السلطة اللبنانية ووليد بخاري، دون أن يتكرر الماضي حين دخل بعض السفراء العرب على الخط!

واطلالة 6 أيار (مايو) موعد البدء في انتخابات لبنان تستدعي السؤال الملح وهو: هل كان اللبنانيون في حاجة الى كل هذه الوعود والبيانات حتى يتأكدوا من الذهاب الى مشوار التغيير، والانتقال الى مجتمع مدني عصري تتحقق فيه كل المتطلبات الحيوية من غذاء ودواء ومدرسة وجامعة؟!

والشائبة التي تعتري الموقف الآن هي المادة 49 التي أرجأ المجلس الدستوري مسألة البت بها الى ما بعد انتخابات 6 أيار (مايو). وجو الهجوم على هذه المادة يسود كل الأوساط الوطنية لأنها بكل أسف باب مفتوح للتوطين.

أغلب الظن ان الأيام تمضي ولا يبقى إلا الوعود، فيستذكر اللبنانيون ما قالته أم الخليفة عبد الله الصغير لابنها في الأندلس وهو: <ابك كالنساء مُلكاً مضاعاً/ لم تحافظ عليه مثل الرجال>.

ولبنان ليس الأندلس..

واللبنانيون لا يذرفون الدموع حزناً على مُلك ضائع، بل هي فرصة لإعادة صياغة البلد من جديد بين الناس والقادة، لأن الضائع لا سمح الله في العيد المئوي لتأسيس لبنان الكبير هو لبنان الذي نتمنى أن يكون كبيراً في نظر العالم!