9 April,2020

الحرب العالمية بين العلم والوباء

عبد الحميد الاحدب

بقلم المحامي عبد الحميد الأحدب

منذ أن وُجدت الإنسانية والحرب قائمة بين العلم والوباء.. كان الوباء هو سيّد المعمورة، وكان العلم متراجعاً ضعيفاً في أول طريقه! بل كان الإنسان على عداء مع العلم لأنه كان يعتبره من صنع الشياطين! فكان العلماء يتقدمون بالوسائل المتخلفة ولكن وسط حذر من الناس الذين كانوا يعتبرونهم من السحرة والشياطين!

وكان الوباء يأتي مرتاحاً فيحصد مئات اللآلاف ولا رادع له سوى علماء تعتبرهم المجتمعات الإنسانية من السحرة، فيحصد من يحصد من بني البشر!

في القرن الخامس عشر حصد “الطاعون” خمسين مليون ضحية و”الكوليرا” حصدت أرواح الملايين قبل أن يتصدى لها العلم ليقضي عليها! و”الجدري” و”الملاريا” قتلا ايضاً الملايين الى أن تصدى لهما العلم وقضى عليهما، و”التسونامي” يقتل ولا حسيب ولا رقيب إلاّ بالعلم. والمقاومة بدون العلم كانت بالابتعاد عنه وانغلاق القرى والمدن على نفسها لأن الوباء كان يفتك أكثر ما يفتك عن طريق العدوى، ولا رادع ولا كابح له سوى بالانعزال والتقوقع طالما أن سيف العلم الذي يقطع رقبة الوباء كان صغيراً وغير فاعل وضعيفاً!

في هذه الأيام التي ظهر فيها وباء “الكورونا” وفي غياب سيف العلم واللقاح والدواء، عادت المجتمعات الى عادتها القديمة لتقول للناس: “إختبئوا في منازلكم”. إذاً ليس هناك لقاح ودواء أمام هذا الداء المعدي سوى الاختباء في المنازل.

وهذا الصراع التاريخي بين العلم والوباء يطرح أسئلة ما ورائية ودينية على عقل الانسان! وتتراءى في الأذهان أسئلة ليس هناك أجوبة عنها!

الوباء هو الشر، والعلم هو الخير! ولكن أليس الانسان هو الذي استطاع حين تقدّم في العلم أن ينتصر انتصاراً ساحقاً على الوباء؟ أليس العلم في يد الأشرار من العلماء أداة يصنعون منها الوباء والأسلحة  البيولوجية ليفتكوا بالأعداء؟

القنبلة الذرية التي لها مفعول الوباء نفسه، صنعها البشر من العلماء، وقتلت مئات الآلاف في “هيروشيما” و”نكازاكي” وشوّهت مئات الآلاف الآخرين.. وكانت شراً لا بدّ منه لانتصار الحرية الأميركية على العسكرية اليابانية النازية، ولولا القنبلة الذرية الأميركية لكانت الحرب قد انتهت الى النتيجة نفسها، أي بانتصار أميركا على اليابان ولكن مع عشرات الملايين من الضحايا وليس مئات الآلاف..

ولو تمكن علماء المانيا منذ أيام “هتلر” من اكتشاف “الذرة” قبل العلماء الأميركيين لكان “هتلر” أخضع الإنسانية بسلاح فتاك، فتك بأكثر مما فتكت به أغلب الأوبئة وبسلاح من صنع البشر!

فالوباء هو من صنع الطبيعة كما أن الهزات الأرضية والانفجارات البركانية أيضاً من صنع الطبيعة!!

واستطاع الانسان بالعلم أن يصل الى القمر ويمشي عليه وأن يغيّر قلب الانسان وأعضاءه وينقذه، كل هذا كان بفضل العلم!

ولكن الانسان بعلماء الخير استطاع أن ينقذ الناس من الوباء، والذرة التي هي وباء من نوع آخر وهي أقوى من الأوبئة! فالوباء ليس كلّه شراً.. والعلم ليس كلّه خيراً!

فحتى يكون العلم خيراً يجب ان نعرف بيد من سيكون؟

علماء الخير استطاعوا في القرنين الأخيرين أن يخففوا كثيراً من آلام وعذاب وأمراض الانسان! وأن يطيلوا بعمر الانسان الذي كان معدلّ عمره ستين عاماً فأصبح تسعين عاماً في القرن الواحد والعشرين..

وكلما قضى العلم على مرض أو داء أو وباء، ظهر وباء جديد كالسرطان مثلاً، ليخوض العلم معه معركة شرسة يسجل فيها العلم صولات وجولات ويتقدّم، ولكنّه لم يستطع حتى الآن أن يحسم أمر الداء أو الوباء لاسيما الأوبئة التي تظهر فجأة وتأتي من المجهول، من الطبيعة..

تاريخ الإنسانية حروب بين الحياة وبين الأوبئة والأمراض التي تأتي من المجهول ومن الطبيعة ويتصدى العلماء لها ويقضون عليها لتعود وتظهر أمراض وأوبئة جديدة لم يعرفها العلماء بعد، كفيروس “الكورونا” الذي لا تستطيع حتى عين البشر أن تراه إلاّ بالمجهر.

والانسان ضحية الأوبئة والأمراض لا يمكنه الهرب من الأسئلة التي تقلقه!

الانسان المؤمن يسأل نفسه: أين الله من هذه الأوبئة، أوليست القدرة الإلهية هي الخير الذي يقضي على الشر والمرض ويحول دون ظهورهما؟ الدين إيمان.. وعقل ايضاً!! ولكن الايمان الأعمى هو أن “الله يحمد وهو من لا يحمد على مكروه سواه”!!

ولماذا وكيف يقع ما هو أدهى من الوباء والداء بين البشر الأشرار؟

وانتشار الأوبئة يطرح السؤال الذي لا جواب عليه: أين الثواب والعقاب؟

والقوة الإلهية لماذا تقف مكتوفة اليدين أمام الخير والشر؟ فليست كل الأوبئة شراً، وليست كل اللقاحات والأدوية التي تفتك بالأوبئة ويكتشفها العلماء ليست كلها خيراً، وليست كلها شراً، لأنها قادرة على صنع أوبئة وأمراض تفتك ايضاً بالإنسانية!

فالأنسان فيه الخير وفيه الشر. والعلم قد يكون في خدمة الخير كما قد يكون في يد الشر!

فأين العدالة في هذه الحياة؟ أسئلة تقض مضاجع الإنسانية في هذه الآونة كلما فتكت بنا الأمراض والأوبئة قبل أن يأتي العلماء ويفتكوا بهذه الأمراض والأوبئة!

ولماذا ومن أين تأتي الأوبئة والأمراض الجديدة بعد أن يقضي العلماء على الأوبئة والأمراض القديمة؟ لماذا؟ ومن أين؟

وأين هو الشر؟ وأين هو الخير؟

ومن هو صانع الخير؟ ومن هو صانع الشر؟

وهل هناك حساب؟ هل هناك ثواب وعقاب؟ وأين هي الأم “تيريزا”؟ أين هو الإمام الاوزاعي؟