26 September,2018

الجيش يبقى هو الحلّ وسلاحه الشرعي فوق كل سلاح!

1 أبدت أوساط سياسية وعسكرية اعجابها بقدرات الجيش اللبناني وفنونه القتالية ضد الارهابيين، رغم امكانات الجيش العسكرية المتواضعة، في وقت عجزت جيوش قادرة وقوية على مواجهة الارهاب بكل فنونه واشكاله.وتقاطعت مواقف وزراء ونواب وسياسيين وروحيين في لبنان على دعم الجيش اللبناني في وجه الهجمة الإرهابية التي كانت تهدف لجر لبنان إلى صدام مذهبي لا حاضنة محلية له.

واعتبرت الاوساط أن «القرار 1701 أمّن الاستقرار في الجنوب، وأن الظروف تتطلب توسيع هذا القرار والتعاون مع مجلس الامن للحفاظ على الحدود اللبنانية السورية»، منوهة بـ«وقوف أهالي عرسال إلى جانب جيشهم وسقوط شهداء منهم الى جانب شهداء الجيش». وأكدوا أن «معركة عرسال تعني أنّ حزب الله فشل في زعمه حماية لبنان واللبنانيين من الخطر التكفيري>.

وزير السياحة ميشال فرعون شدد على أن «المعركة في عرسال تتطلب تجنيد كل القوى الحية السياسية والمدنية». وقال: «نحاول من خلال الحكومة أن تكون هناك سياسة نأي بالنفس وأن نطبق اعلان بعبدا وأن لا نستورد المعارك الى لبنان»، معتبراً أن «ما يحصل لن ينتهي في القريب العاجل ولكن لدينا فرصة للمحافظة على البلد من خلال خطة وحوار واحترام الدستور وانتخاب رئيس». وأشار الى أن «هناك دعماً للجيش ومعركة عرسال شبيهة بمعركة نهر البارد بفارق واحد هو عدد النازحين الكبير»، مشدداً على أن «قوى «14 آذار» ترى أن القرار 1701 امن الاستقرار في الجنوب ودعم الجيش»، لافتاً الى أن «الظروف تتطلب توسيع القرار والتعاون مع مجلس الامن للحفاظ على الحدود اللبنانية السورية». ودعا فرعون الى «دعم المؤسسات الامنية حتى نحل معركة عرسال»، مشيراً الى أنه «يجب التفكير بمصلحة المدنيين ومصلحة الجيش وهيبته>.

4

اما وزيــــرة المهجرين أليس شبطيني، فقالت في تصريح لها ان «الجيش أثبت أنه صمام الامان والحصن المنيع في مواجهة كل أشكال العدوان والارهاب والفلتان». ورأت أن «الإلتفاف حول المؤسسة العسكرية والقوى الامنية واجب وطني على جميع اللبنانيين، ولا سيما السياسيين منهم الذين بات عليهم اليوم قبل الغد القيام بما يمليه الضمير الوطني والارتقاء الى مستوى المرحلة الخطيرة التي يمر بها لبنان من خلال الاحتكام الى منطق القانون والمؤسسات، وإنهاء الشغور المتمادي في الرئاسة الاولى حتى لا تكون الساحة اللبنانية مكشوفة أمام هذا المد الإرهابي بفكره الظلامي المتطرف الذي لا دين له ولا طائفة ولا مذهب>.

 

 حزب الله فشل في حماية لبنان

وأشار ائتلاف الديمقراطيين اللبنانيين، الذي يضمّ مجموعة من الناشطين ومن الكادرات الشيعية على رأسها لقمان سليم، ابن النائب الراحل المحامي محسن سليم الى أنّ «الحرب التي يخوضها الجيش اللبناني على الأراضي اللبنانية تحت عنوان «معركة عرسال» تعني أنّ حزب الله فشل في زعمه حماية لبنان واللبنانيين من الخطر التكفيري». ولفت الى أنّ «التضحيات التي يقدمها الجيش اللبناني اليوم في مواجهة الجماعات المسلحة المعتدية على السيادة اللبنانية لا تسقط من الحسبان السياسي أن حزب الله قد ثابر على انتهاك هذه السيادة في الاتجاه المعاكس حتى من قبل أن تندلع الثورة السورية»، معتبرين أنّ «الدفاع عن لبنان لا يكون بالدعوات العاطفية الى الالتفاف حول مؤسسة الجيش وإنّما بتعزيز الموقف السيادي الذي تعمل تحت عناوينه هذه المؤسسة بحيث ينص على دعوة حزب الله الى توضيح مستقبل تدخله الأمني والعسكري في سوريا>.

الصامت الأكبر

هذه المواقف استدعت الاضاءة على تاريخ الجيش اللبناني الذي احتفل منذ أسبوع تقريباً بعيده الـ 69 في ظل اوضاع متوترة .

<الصامت الأكبر>، و<الجيش هو الحل>… عبارات كثيرة ترددت في الزمن الماضي عند كل منعطف تتعرض فيه مؤسسة الجيش اللبناني للخطر، أو لانتقادات سياسية، حتى اعتبر البعض أن الجيش صار مكسر عصا، وفشة الخلق..

فالجيش اللبناني شكل، ومنذ تأسيسه، صمام الأمان لوحدة المجتمع اللبناني، وهذا ما أثبتته الأحداث الأليمة التي عصفت بهذا الوطن، خصوصاً عند انقسام الجيش خلال الحرب الأهلية. ولذلك، أدرك اللبنانيون أن الجيش خط أحمر، وهو رمز السيادة ورمز وحدة اللبنانيين..

يأتي هذا التحقيق مع حلول الذكرى التاسعة والستين لتأسيس الجيش اللبناني، الذي قدم الشهداء والجرحى والمصابين في ذكرى تأسيسه ، ربما ليثبت من جديد انه معهد الشرف والتضحية والوفاء.

2

يعتبر المؤرخون أن نواة الجيش اللبناني تشكلت منذ عهد فخر الدين أي القرن 17 في وقت مبكر خلال إمارة لبنان (  1516 ــ 1840). وجاء أول انتصار كبير في 31 تشرين الأول (اكتوبر) 1622 ضد العسكر العثماني في معركة مجدل عنجر. وخلال تلك الفترة، تمتع لبنان بما يشبه الحكم الذاتي في زمننا، وكان لمتصرفية جبل لبنان جيشها المكون من ميليشيات المتطوعين.

 

فرقة الشرق

في العام 1916، شكّلت الحكومة الفرنسيّة «فرقة الشرق»، ومنها تأسّس أوّل فوج من «القنّاصة اللبنانيّة»، وهو نواة الجيش اللبناني. وقبيل إعلان استقلال لبنان في 22 تشرين الثاني (نوفمبر) 1943، ضُمّت القطع العسكرية اللبنانية المختلفة في وحدة كبرى، هي اللواء الخامس. وبعد الاستقلال بقليل، شكّلت الحكومة اللبنانية وفداً رسمياً لمفاوضة الفرنسيين حول تسلّم الجيش اللبناني. وبنتيجة المفاوضات، صدر عن هيئة أركان حرب القيادة المختلطة الفرنسية ــ الإنكليزية قرار قضى بانتقال الجيش اللبناني إلى كنف الدولة اللبنانية المستقلّة، وذلك اعتباراً من الساعة صفر من أول آب (أغسطس) العام 1945، وتمّ تعيين الزعيم فؤاد شهاب قائداً له، والزعيم سليمان نوفل رئيساً لأركان حربه، وقام الرئيس بشارة الخوري بتسليم علم الجيش للزعيم فؤاد شهاب في الملعب البلدي.

وفي عام 1943، تمّ دمج أفواج القنّاصة والوحدات العسكريّة المختلفة، وشكّل أوّل لواء في تاريخ الجيش، وهو اللواء الخامس بقيادة الزعيم فؤاد شهاب. وفي عام 1945، تمّ الاتّفاق على نقل مسؤوليّة قيادة القوّات العسكريّة من الفرنسيين إلى الدولة اللبنانيّة.

 

بطولات منذ تاريخه

ويرى الزميل مـنـصـور بـو داغـر أنه في 1 آب (أغسطس) 1945 انتقلت رسميّاً قيادة القوات المسلّحة اللبنانيّة إلى السلطات اللبنانيّة، واستمرت تشكيلات الجيش العسكريّة موزّعة على أساس أفواج قنّاصة وعددها ثلاثة، إلى أن تحوّل في أوائل الثمانينات مع العماد ابراهيم طنّوس بشكل كامل إلى تشكيلات موزّعة على أساس الألوية وعددها 12. ولم يتأخّر الجيش في تلبية واجبه الدفاع

ي، مقدّماً التضحيات الجسام على مذبح الوطن، إذ خاض ولم يزل فتيّاً خلال العام 1948، أولى معاركه البطولية ضدّ العدوّ الإسرائيلي في بلدة المالكية، واستطاع تحريرها منه وسقط للجيش في معركة المالكية

5

 النقيب محمد زغيب ابن بلدة يونين البقاعية، واعتبرت هذه المعركة من المعارك الوحيدة التي سجل فيها العرب انتصارهم على الغزاة الصهاينة عام 1948.

ثم توالت بعد ذلك سلسلة المواجهات مع هذا العدو، حيث أدّت الوحدات العسكرية اللبنانية قسطها في حرب حزيران (يونيو) العام 1967، إلى أن كانت المواجهات المباشرة العام 1970، في منطقة سوق الخان ـــ حاصبيا، وعلى محوري بيت ياحون ـــ تبنين، وكفرا ـــ ياطر العام 1972، حيث سجل الجيش اللبناني انتصارات مذهلة في وجه العدو الاسرائيلي.

 

الدبابة البطلة

ويتحدث المعاون الاول المتقاعد خليل الحايك الذي شهد هذه المعركة كيف تمكن احد الجنود من آل الزغبي من أن يدمر بدبابته سبع دبابات اسرائيلية، قبل أن تقوم الطائرات الاسرائيلية بقصف دبابته فأصابته بجروح وحروق. وقد أمر الرئيس سليمان فرنجية يومئذٍ بنقله الى الخارج للمعالجة، فيما جرى وضع دباباته المدمرة في ثكنة صيدا كنصب وتذكار يرمز الى البطولة، وكتب فوقها <الدبابة البطلة>.

ومن الانتصارات التي حققها الجيش في صور من العام 1975، مروراً باجتياحي 1978 و1982، وعمليتي تصفية الحساب العام 1993، وعناقيد الغضب العام 1996، ومواجهات عربصاليم وأنصارية العام 1997، وصولاً إلى عدوان تموز (يوليو) العام 2006 حيث قدم الجيش حوالى 50 شهيداً في مواجهة العدو الاسرائيلي، وفي موقعة العديسة العام 2010.

الحرب اللبنانية

6

 

خلال الحرب اللبنانية عام 1975، تعرض الجيش للانقسام نتيجة واقع الوطن المنقسم على نفسه، ونشأ جيش لبنان العربي بقيادة الرائد الراحل أحمد الخطيب، وجيش انطوان بركات. وعام 1978 نشأ جيش لبنان الحر بقيادة الرائد سعد حداد والذي كان مدعوماً من الجيش الاسرائيلي… وتعرضت ثكنات الجيش للاعتداءات والنهب والسرقة، كما تعرض ضباطه للاغتيال خلال الأحداث على أيدي الأحزاب والميليشيات… وخلال الاجتياح الاسرائيلي، وهو الاجتياح الاسرائيلي الأوّل عام 1978، أرسل الجيش اللبناني، تطبيقاً للقرار 425، فرقة عسكريّة إلى الجنوب لمشاركة قوّات الأمم المتّحدة التي نُشرت هناك. وفي بلدة كوكبا، حصلت مواجهة بين هذه الفرقة والجيش الاسرائيلي.

 

حروب داخلية وانقسامات

 وإذ توحدت قيادة الجيش عام 1977 في عهد الرئيس الياس سركيس وبقيادة العماد فكتور خوري، إلا أنه بين عامي 1982 و1990 عانى الجيش اللبناني من إقحامه في المعارك الداخليّة، ووصلت فيه الأمور عام 1988 إلى انقسام قيادته نتيجة انقسام البلاد بين حكومة العماد ميشال عون العسكرية وحكومة الرئيس سليم الحص. ودخل الجيش في صراع مع القوات اللبنانية في ما عرف بـ<حرب الالغاء>، وفي 13 تشرين الاوّل (اكتوبر) عام 1990، جرت عمليّة عسكريّة لبنانيّة سوريّة بغطاء دولي ضد مناطق نفوذ العماد ميشال عون، نجم عنها إطاحة الجنرال عون ونفيه إلى باريس، ومن ثمّ جرى توحيد الجيش، الذي كان قائده العماد إميل لحّود. وبعد انتهاء الحرب اللبنانيّة تمّ تطوير الجيش، فأنشئت أفواج التدخّل وعددها خمسة، كما أنشئ فوج مغاوير البحر والفوج المجوقل، وسريّة القتال الجبلي. وهي فرق زادت من عملانيّة الجيش ومن قوّة تحرّكه وسرعتها.

… ومعارك نهر البارد

3

 

وكانت المعارك التي خاضها الجيش ضد تنظيم <فتح الاسلام> الارهابي في مخيم نهر البارد صيف 2007 من المعارك التي أثبت فيها قوته وبطولته، وبرهن عن مدى تضحيات قيادته وضباطه وعناصره. وقد أدت المواجهات إلى القضاء على التنظيم الارهابي واستئصاله بالكامل من المخيّم. وقد سقط للجيش اللبناني وقتذاك 168 شهيداً.

وفي مجال الأمن

يتابع الجيش تنفيذ مهمّاته الأمنية في مختلف المناطق اللبنانية. وفي هذا الإطار، أعادت قيادته التأكيد أنّ فرض الأمن هو حاجة وطنية شاملة، وأن الفوضى لن تكون في مصلحة أحد، ووجود الجيش في أي منطقة هو لحماية الاستقرار فيها وليس لمواجهة الأهالي أو الاشتباك معهم، كما أكدت أنّ الاختلاف السياسي في وجهات النظر بين الفرقاء السياسيين، هو جزء من الحياة الديموقراطية التي ينعم بها لبنان، ولكن من غير المسموح أن يَستغلَّ أي كان هذا الواقع، للنيل من هيبة الدولة ومؤسساتها، والاعتداء على أرواح المواطنين وممتلكاتهم. فالأمن هو بمنزلة الخبز اليومي للمواطن، وفي غيابه لا نهوض للوطن اقتصادياً واجتماعياً وإنمائياً.

العماد قهوجي: الجيش خشبة الخلاص

7

 

العماد جان قهوجي، وفي كلمة له في إحدى مناسبات عيد الجيش وإطلاق كتاب <تاريخ الجيش>، رأى أن عمر الجيش اللبناني الرسمي غير متقادم العهد، ويعتبر فتياً بالنسبة الى الكثير من جيوش العالم، لكن الجيوش لا تقاس بأعمارها، بل برسالتها ودورها وإنجازاتها. لذا، نتطلع بكل فخر واعتزاز الى ما حقّقه جيشنا الأبي، خلال مسيرته المفعمة بالبذل والتضحية والعطاء. فهذا الجيش لم يتوانَ لحظة عن القيام بواجبه الدفاعي والأمني، بدءاً من رفض الانتداب الأجنبي، مروراً بمواجهاته الطويلة مع العدو الإسرائيلي، الى التصدي للإرهاب وكل العابثين بأمن الوطن واستقراره، مقدّماً آلاف الشهداء والجرحى على مذبح السيادة والكرامة الوطنية، ومشكّلاً خشبة الخلاص في خضم رياح الفتن والمؤامرات، التي كادت تهدّد الوطن في وجوده ووحدته، وتضع أكثر من علامة استفهام حول مصيره.

واعتبر قهوجي أن تاريخاً سطّره رجال الجيش بالدماء والتضحيات، لهو أقوى من أن تعبث به رياح التغيير والنسيان، وأن جيشاً مدركاً مسؤولياته وواجباته الوطنية، ويستمر في أداء رسالته بإيمان راسخ وإرادة صلبة، لهو جدير بحفظ إرث الأجيال وصون أمانة الشهداء. فلنتعظ من دروس الماضي، ونستلهم من صفحات تاريخنا المجيد، شعلة الإيمان بغد مشرق مزدهر.

وبعد، فإن الجيش يبقى هو الحل، ويظل سلاحه الشرعي فوق أي سلاح، ولا خلاص لهذا الوطن إلا بجيش قادر يفرض سيطرته على كامل الأراضي اللبنانية، فلا تبقى جزر ولا مربعات أمنية ولا سلاح ميليشياوي، بل دولة آمنة مستقرة في حمى الجيش والقوى الأمنية الشرعية.

وما معركة عرسال سوى إكليل غار جديد على جبهة الجيش!