20 September,2018

الجلسة الـ37 انضمت الى شقيقاتها... ونصاب الثلثين محسوم!

aoun-1 لم يتصاعد الدخان الأبيض من <مدخنة> مجلس النواب في الجلسة الـ37 لانتخاب رئيس جديد للجمهورية التي دعا إليها رئيس مجلس النواب نبيه بري يوم الأربعاء الماضي، وانضمت هذه الجلسة الى سابقاتها لعدم اكتمال النصاب الدستوري للجلسة الانتخابية، وهو غالبية الثلثين التي حسم الرئيس بري النقاش حولها على طاولة الحوار في الجلسة السابقة. والواقع أن هذه النتيجة التي تتكرّر للمرة السابعة والثلاثين، لم تفاجئ أحداً، وإن كانت كميات التفاؤل التي ضخها الرئيس نبيه بري ومعه الرئيس سعد الحريري قبل أسبوعين جعلت البعض يعتقد أنه سيكون للبنان الرئيس الثالث عشر للجمهورية، ويكون الأمين العام للأمم المتحدة <بان كي مون> الذي وصل في اليوم التالي للجلسة، أول مسؤول دولي يلتقي الرئيس العتيد. وإذا كان الموعد المقبل للجلسة الـ38 الذي حدده الرئيس بري، فرصة جديدة لضخ المزيد من موجات التفاؤل، فإنه لن يكون بالتأكيد موعد انتخاب الرئيس إذا ظلت المعطيات المحلية والاقليمية على حالها، ولم يحدث خرق في مكان ما على غرار ما حصل يوم وُلدت حكومة الرئيس تمام سلام بعد 11 شهراً من الانتظار… وبالتالي فإن الموعد الذي حدده الرئيس الحريري لانتخاب الرئيس في نيسان/ أبريل المقبل سيكون هو الآخر موعداً لتأجيل جديد وقد بات السمة الملازمة للاستحقاق الرئاسي الذي يقترب من نهاية السنة الثانية للشغور في قصر بعبدا مع حلول شهر أيار/ مايو المقبل!

وتعتقد مصادر سياسية متابعة أن لا شيء يوحي داخلياً بأي تغيير متوقّع على صعيد مواقف الأطراف السياسيين، على رغم حالة الاهتراء التي وصلت اليها مؤسسات الدولة مع توالي الفضائح المالية والإدارية، وكان آخرها الشبكات غير الشرعية لـ<الانترنت> التي شكّلت في حدّ ذاتها فضيحة مزدوجة تمثلت أولاً بتركيب أجهزة لاقطة و<سرقة> سعات كبيرة لـ<الانترنت> ما أثر على الشبكة الرسمية، وثانياً باستخدام مؤسسات رسمية، منها القصر الجمهوري وقيادة الجيش وإدارات رسمية أخرى، <إنتاج> هذه الشبكات russianغير الشرعية لأنها أقل كلفة من الشبكات الرسمية التي تستثمرها الدولة اللبنانية نفسها!

في غضون ذلك، ثمة من يراهن على التطورات التي استجدت في الحرب السورية بعد القرار الروسي بسحب الوحدات الجوية الإضافية التي تولّت في الأشهر الماضية ضرب مواقع التنظيمات الإرهابية داخل الأراضي السورية، ما مكّن الجيش النظامي السوري من استعادة مساحات من البلاد كانت تحت سيطرة تنظيم <داعش> وأشقائه من التنظيمات المماثلة، وأعطى دفعاً للحوار الساعي الى حل سلمي في جنيف، وإن كانت المعطيات تؤشر الى أن مسيرة المفاوضات ستكون طويلة وصعبة ولن تنتج حلاً قريباً يعيد الاستقرار الى سوريا لتنطلق بعده عملية إعادة إعمار ما تهدّم.

عون على موقفه… وفرنجية أيضاً

محلياً، تجزم المصادر السياسية نفسها أن لا وجود لأي مؤشرات من شأنها أن تحرّك الاستحقاق الرئاسي الى الأمام من خلال اكتمال نصاب جلسات انتخاب الرئيس الذي سيبقى غالبية الثلثين، أي حضور 86 نائباً، لاسيما وأن الرئيس نبيه بري نجح في إحباط الحراك الذي حصل في جلسة الحوار الوطني الماضية لاعتماد نصاب النصف زائداً واحداً، والذي سماه بري بأنه <بدعة> لن تمر، وبالتالي فإن حضور 86 نائباً يفرض حداً أدنى من التوافق. في وقت يستمر فيه رئيس تكتل التغيير والإصلاح العماد ميشال عون مرشحاً مدعوماً من حزب الله والقوات اللبنانية، ورئيس تيار <المردة> النائب سليمان فرنجية مرشحاً ثانياً مدعوماً من تيار <المستقبل> والرئيس بري وبعض المستقلين والنائب وليد جنبلاط الذي يستمر بترشيح عضو كتلته النائب هنري حلو ليحدّد <مصيره> عندما تأتي الساعة المناسبة وفق حسابات زعيم المختارة. وتضيف المصادر نفسها أن لا مجال، في الوقت الراهن على الأقل، للطلب من العماد عون أو من النائب فرنجية الانسحاب من المعركة الانتخابية، بدليل أن زوار بنشعي يسمعون كلاماً كثيراً حول استمرار النائب فرنجية على موقفه ورهانه على عامل الوقت الذي سيحقق له ما يتمناه في الوصول الى بعبدا، في حين لا يبدو العماد عون في وارد التفكير ولو للحظة بخيار الانكفاء، أياً تكن طبيعة التحولات التي تحصل خلف الحدود، وهو ما ظهر جلياً في خطابه لمناسبة الذكرى الـ27 لانطلاقة 14 آذار العونية، أي بداية ما عُرف بـ<حرب التحرير> في العام 1989، من تصعيد لم يصل الى حد <العصيان المدني>، كما كانت روّجت مصادر إعلامية، وان كان ختم خطابه في تلك الليلة بدعوة مناصريه الى تجهيز <سواعدهم> لأن الأبواب – كما قال – تشرّعت لكل أنواع الحلول، <ولن نسمح بالتمديد للوضع المستمر منذ العام 1990>.

وفي رأي المصادر السياسية نفسها ان العماد عون الذي اعتبر 14 آذار تايوانية، اعتمد هذه المرة أسلوب <الرسائل المشفرة> التي يتقن توجيهها في المناسبات الاحتفالية والشعبية، فهو لم يسمِ – على سبيل المثال لا الحصر – تداعيات جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، لكنه قال انه لن يسمح بعد اليوم <باستغلال البعض لظروف وأحداث لفرض أنفسهم عاطفياً على الناس، فهؤلاء في النهاية الى زوال>. وهو أيضاً لم يشر بوضوح الى الجهات السياسية التي وضعت <العصي في دواليب> تحركه السياسي منذ عودته الى بيروت في العام 2005، متحدثاً عن <الأكثرية النيابية> التي عطّلت الانتخابات النيابية في العام 2013 والانتخابات الرئاسية في العام 2014، وعارضت كل الصيغ والحلول التي قدّمها للخروج من المأزق السياسي الراهن سواء الانتخابات المباشرة من الشعب أو الانتخاب على مرحلتين، واستمروا في مواقفهم المعارضة للانتخابات <لأنهم يخافون من الهزيمة>،  معتبراً أن <هؤلاء> يعملون على انتخاب رئيس يختارونه هم بما يخالف الميثاقية التي ينص عليها الدستور، <فلماذا – قال عون – الشتاء والصيف تحت سقف واحد عندما تأتي مسألة التمثيل الأكبر لدى المسيحيين ولا تُطبّق عند الشيعة ولا السنة ولا الدروز… ولن نقبل بعد اليوم أن مجلس-النوابتكون مصالح الشعب اللبناني فريسة الأهواء ولا بدّ من إعادة الأمور الى نصابها>.

رسالة أخرى <مشفّرة> وجّهها العماد عون في كلمته الى دول الخليج وفي مقدّمها السعودية – من دون أن يسمي أياً منها – حين ذكّر بشعاره وهو تحت الحصار في العامين 1989 و1990 بأن <الحياة خارج إطار الحرية هي شكل من أشكال الموت>، ليطبّقه على الواقع الراهن ويعلن أنه <على أساس هذه القاعدة نتعاطى مع الخارج والداخل، ونتعاطى مع الخارج باحترام ونديّة ونتحاشى العداء، لكن البعض، وفي موقف غير مقبول، يُنكر علينا حقنا في الدفاع عن أنفسنا، لكننا سندافع عن أنفسنا أينما كان وكيفما أردنا. نحن نريد الصداقة ولكن لا يفرض أحد إرادته علينا، فكل محاولة تنكّر لحقوقنا في الدفاع عن أنفسنا هي أبشع من الاعتداء المسلح علينا>. أما الى الداخل، فقد كانت رسالة <الجنرال> بأنه لا يريد تغيير <اتفاق الطائف>، بل ينادي بتفسيره بشكل صحيح خصوصاً لجهة المناصفة في التمثيل وقانون الانتخاب الذي يشير النص الى وجوب احترامه لقواعد العيش المشترك وصحة التمثيل. وفيما اعتبر العماد عون أن الاتفاق مع القوات اللبنانية أتى لرغبة من قبله وتلبية لنداءات <من ناس غيارى على مصلحة لبنان من رجال دين وديبلوماسيين>، غابت عن كلمة <الجنرال> أي إشارات الى العلاقة بين التيار الوطني الحر وحزب الله والتفاهم القائم بينهما منذ العام 2006، وتداعيات الحرب السورية والحروب الأخرى، والعلاقة مع الأحزاب الاخرى، والمفاوضات التي كان أجراها مع الرئيس سعد الحريري، وغيرها من المواضيع الراهنة ولاسيما منها ترشيح رئيس تيار <المردة> النائب سليمان فرنجية لرئاسة الجمهورية.

وقد اعتبرت المصادر السياسية المتابعة أن العماد عون أعاد إعطاء الأولوية لانتخاب مجلس نيابي جديد وفق نظام النسبية، يتولى انتخاب الرئيس العتيد، لاسيما وأنه أعاد التذكير بمواقف سابقة له عن عدم شرعية المجلس النيابي الحالي الممدّد لأعضائه مرتين. وبذلك، تضيف المصادر – جدّد العماد عون وضع الاستحقاق الرئاسي في الموقع الثاني معطياً الأولوية للانتخابات النيابية لإزالة واقعة <اغتصاب السلطة وسلب الشعب حقه في أن يكون مصدراً للسلطات>، وفي هذا الموقف دلالة واضحة الى أن الملف الرئاسي سيبقى مطوياً طالما أن ظروف أحد اللاعبين البارزين فيه، أي العماد عون، لا تزال غير مؤاتية لدخوله قصر بعبدا، وأن التيار الوطني الحر مقبل على سلسلة تحركات شعبية وميدانية بالتنسيق هذه المرة مع القوات اللبنانية، خصوصاً إذا ما بدا أن تأجيل الاستحقاقات سيطاول أيضاً الانتخابات البلدية والاختيارية التي ستسبق على ما يبدو الانتخابات الرئاسية والنيابية على حد سواء. وتضيف المصادر نفسها ان العماد عون أعاد <إنتاج> خلافاته التقليدية مع حليف حليفه الرئيس نبيه بري عندما تحدّث عن <عدم شرعية> مجلس النواب، بدليل أن معاون رئيس المجلس الوزير علي حسن خليل سارع الى الرد على <الجنرال> رافضاً أن تكون شرعية المجلس موضع تشكيك وفقاً للمصالح والأهواء، وعندما لا يخدم المجلس مصالح <البعض> وطموحاتهم!

أما العلاقة بين عون والرئيس سعد الحريري والتي كانت دخلت مرحلة صعبة ودقيقة في الأسابيع الماضية، فإنه من المرجح أن تزداد تباعداً بعد خطاب ذكرى 14 آذار.

وفيما نقل زوار عون عنه تأكيده أن خطابه ليس سوى <مقبّلات> قياساً الى الخيارات التي قد يتمّ اللجوء اليها إذا لم تصل الرسالة التي هي – في رأيه – بمنزلة الإنذار الأخير، بدا الرئيس بري <منزعجاً> من دعوة عون مناصريه الى <تجهيز سواعدهم>، وقد تساءل أمام نواب زاروه في عين التينة عما إذا كان الوضع الداخلي لا يزال يحتمل خيارات من هذا النوع. كذلك استغرب بري استمرار <الجنرال> في اعتبار المجلس اللبناني الحالي غير شرعي متسائلاً لو ارتأى المجلس أن ينتخب عون رئيساً للجمهورية، هل يبقى غير شرعي أم يصبح أفضل من البرلمانات الأوروبية؟! ولعلّ ما زاد العلاقة بين بري وعون اضطراباً، الحملات الإعلامية المتبادلة بين محطتي <أو تي في> الناطقة باسم التيار الوطني الحر ومحطة <ان بي ان> التابعة للرئيس بري، ما دفع بالمصادر السياسية الى القول ان خلط الأوراق مستمر بين الرجلين، ومعه تُخلط الأوراق الرئاسية أيضاً وتجعل من الاستحقاق الرئاسي أسير التأجيل جلسة بعد جلسة، في وقت يقترب فيه الرئيس بري أكثر فأكثر من النائب سليمان فرنجية الى درجة أن مصادر متابعة تحدّثت عن سعي من بري <لإقناع> حزب الله باعتماد الخيار الرئاسي نفسه الذي يوصل زعيم <المردة> الى قصر بعبدا!

 

لا مفاعيل قريبة للانسحاب الروسي

أما بالنسبة الى التطور الإقليمي الأبرز وهو خفض عديد القوات الروسية في سوريا، والذي اعتبره البعض مؤشراً يدفع الى الاعتقاد بوجود زخم في اتجاه التسوية السياسية في سوريا، وانعكاس ذلك على الساحة اللبنانية عموماً وعلى الاستحقاق الرئاسي خصوصاً، لاسيما وأن المستجدات السورية تزامنت مع إشارات مماثلة في اليمن مع حديث القيادة السعودية عن <اقتراب> إنهاء <العملية الكبرى>، ومسارعة واشنطن الى <مباركة> هذا الإعلان، فإن المصادر السياسية ترى أن مفاعيل القرار الروسي بالانسحاب التدريجي من سوريا، لن تكون مباشرة أو سريعة على لبنان، بصرف النظر عن إيجابيات هذا القرار أو سلبياته. صحيح – تضيف المصادر نفسها – أن لبنان يتأثر تلقائياً بما يجري في سوريا، إلا أنه من المبكر الحديث عن انعكاسات مباشرة على لبنان، ولا بدّ من انتظار المزيد من الوقت ليظهر <الخيط الأبيض من الخيط الأسود> من خلال النتائج التي ستترتب سياسياً وميدانياً على القرار الروسي، لاسيما وأن الحل السياسي الموعود للأزمة السورية سيأخذ وقتاً، وإن كانت الديبلوماسية الروسية في بيروت تتحدّث عن <إيجابية> قرار موسكو وانعكاس التسوية السياسية على لبنان بمزيد من تحسين الأوضاع فيه على نحو أكثر أمناً واستقراراً. وتؤكد مصادر مطلعة أن الايجابيات الموعودة من مستجدات الوضع في سوريا بعد نبيه-بريالموقف الروسي لن تكون سريعة، لا بل أن لبنان دخل مجدداً الى غرفة الانتظار، والاستحقاق الرئاسي ماضٍ في عطلة إضافية مفتوحة الى حين تتبلور صورة التسوية السورية، لأنه بعد ذلك يوضع الملف اللبناني على الطاولة ويُحسم تبعاً لذلك الملف الرئاسي. ولا تجاري المصادر نفسها  <مغالاة> قيادات في 14 آذار باستنتاجاتها وتحليلاتها عن أن حزب الله <سيراجع حتماً حساباته> في سوريا ولبنان على حدٍ سواء، لا بل ترى هذه المصادر أن الحزب سيتشدد أكثر في كل ما يمكن أن يحسّن حضوره ودوره و<فعاليته> على الساحة اللبنانية، وبالتالي فهو لن يبدّل خياراته السياسية خصوصاً في مقاربة الاستحقاق الرئاسي، أي ان دعمه للعماد عون لن يطرأ عليه اي جديد، بل ربما ازدادت نسبة تمسك الحزب بترشيح <الجنرال> على قاعدة أن أي اضعاف لدور العماد عون سينتقل حتماً الى الحزب نفسه.

 

الاسم … الثالث

 

ويحلو لعدد من نواب حزب الله ترداد القول المأثور <أُكلت عندما أُكل الثور الأبيض> في إشارة واضحة الى ان الحزب سيكون الهدف التالي إذا ما نجح العاملون على <ضرب> العماد عون وإبعاده عن قصر بعبدا. ولعل إشارة نائب الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم الى أن الحزب ماضٍ في دعم ترشيح العماد عون وأن لا تراجع عن هذا الموقف، رسالة واضحة بأنه من غير الوارد حصول متغيرات أساسية في الملف الرئاسي. وتندرج في هذا السياق مواقف للوزير جبران باسيل مع بداية الأسبوع دعا فيها مجدداً الى انتخاب عمه العماد عون مؤكداً أن <التيار> لن يقبل أن يُفرض عليه الرئيس العتيد، وكذلك مواقف في الاتجاه نفسه للنائب آلان عون، وللوزير وائل أبو فاعور الذي كان قد زار السعودية قبل أيام بتكليف من النائب وليد جنبلاط وعاد منها <بصورة واضحة> عن معطيات تؤشر أن لا رئيس جديداً للجمهورية في المدى القريب!

وتوقف مراقبون عند دعوة الرئيس تمام سلام الى <التوافق> على اسم مرشح ثالث أو رابع للرئاسة (غير عون وفرنجية) لملء الشغور الرئاسي، معتبرين أنها تدل على استمرار المأزق خلافاً لما يؤكده الرئيس بري بأن <ثمرة الانتخابات الرئاسية> قد نضجت وحان قطافها!