23 August,2019

الجـــدل حــــول اعتمـــادات العسكريـيـــن فــي الموازنـــــة أهدافــــه ماليــــة وتقشفيــــة... أم استهدافيـــــة؟!

لم يكن مألوفاً لدى بعض السياسيين اللبنانيين رؤية صورة تجمع ضباطاً متقاعدين من القوات اللبنانية والتيار الوطني الحر وحزب الله، مع الضابط المتقاعد النائب اللواء جميل السيد الذي له مع كل واحد من هؤلاء الضباط الذين صاروا زملاء في الندوة البرلمانية… قصة وحدث. إلا أن <المصيبة> جمعت اللواء السيد مع النواب الضباط شامل روكز وانطوان بانو والوليد سكرية ووهبة قاطيشا وجان طالوزيان في قصر بعبدا حيث استقبلهم رئيس الجمهورية العماد ميشال عون واستمع الى دفاعهم عن العسكريين المتقاعدين الذين طاول مشروع موازنة 2019 بعضاً من حقوقهم المكتسبة لاسيما تعويضاتهم والتقديمات التي كانت تعطى لهم…

وبعيدا عما ترمز اليه الصورة التي اصطف فيها النواب الستة الى جانب بعضهم البعض بمبادرة من النائب اللواء السيد، فإن ما قالوه في بعبدا كان لسان حال العسكريين المتقاعدين الذين فرشوا الطرقات وسدوا منافذ وزارة المال ومصرف لبنان و… و<الخير لقدام>. ذلك ان ما يطاول هؤلاء المتقاعدين سوف يطاول بشكل أو بآخر من هم في الخدمة الفعلية من أعلى مستوى في الرتب حتى أدناها، لكن هؤلاء تحول انضباطيتهم العسكرية دون الاعتراض علناً وإن كانت حلقات المعترضين داخل المؤسسة العسكرية تزداد يوماً بعد يوم، في وقت بدأ كثيرون يتحدثون عن <استهداف> للجيش من خلال تصويره أمام الرأي العام بأنه <آكل الأخضر واليابس> من الموازنة، وان تعويضات العسكريين هي سبب الأزمة المالية والاقتصادية، وانها هي التي ستؤدي بالبلاد الى الإفلاس!

ولعل ما يزعج العسكريين الموجودين في الخدمة الفعلية والمتقاعدين على حد سواء، هو ما يصلهم من كلام ينسب الى الرئيس سعد الحريري حول التعويضات التي تعطى لهم وضرورة خفضها والحد من تمددها على أفراد العائلات حتى بعد غياب الأصل فيستفيد الفروع من التقديمات الى وقت طويل. وكلام الرئيس الحريري الذي وصل صداه الى العسكريين يتناول في الواقع بعض التقديمات التي يرى رئيس الحكومة أنه يجب وقفها بالنسبة الى المتقاعدين، وإعادة النظر بحجمها بالنسبة الى العسكريين الفعليين، إلا أن المناخ الذي يتم من خلاله النقاش حول حقوق العسكريين ومكتسباتهم جعل هؤلاء يتخوفون من أن يكون وراء كل ذلك محاولة للانتقاص من حقوقهم وتعويضاتهم، فيما يرى آخرون أن المسألة أبعد من ذلك وهي تتناول دور الجيش وفعاليته خصوصاً بعد الإنجازات الأمنية التي حققها على نطاق شمل البلد كله.

وفيما يؤكد رئيس الجمهورية أن تعويضات العسكريين لن تُمس وأنه تفاهم مع القيادات الأمنية ولاسيما منها الجيش باعتماد التقشف، وهو ما تم فعلياً منذ تسلم العماد جوزف عون قيادة الجيش، فإن ذلك لم يسقط حذر العسكريين من مفاجآت الساعات الأخيرة خصوصاً متى وصل مشروع الموازنة الى مجلس النواب وأصبح النقاش مثل <برج بابل> فتضيع الحقوق والمكتسبات ويذهب <الصالح مع الطالح>!

 

توضيحات العسكريين!

 

وفي انتظار تبيان الخيط الأبيض من الخيط الأسود في موضوع حقوق العسكريين، تلقي مصادر عسكرية الضوء على الجدال القائم حول التدبير رقم 3 المطبق في الجيش وسط انقسام الرأي العام بين مؤيد ومعارض، الأمر الذي يرفع منسوب الخوف من <أخطاء قاتلة> يمكن أن تحصل إذا ما مست تعويضات العسكريين. وتقول هذه المصادر إنه تاريخياً ومنذ الاستقلال في العام 1943، واستحداث المؤسسات والإدارات الرسمية، كانت رواتب العسكريين هي الأعلى بين جميع الموظفين، ذلك أن للعسكريين خصوصيتين أساسيتين: الأولى تعرض العسكريين للمشقات والأخطار والبعد عن مكان السكن والعائلة إلخ، والثانية هي الخصوصية النسبية التي يتمتع بها الجيش اللبناني على وجه التحديد نتيجة الظروف الاستثنائية التي يمر بها لبنان. إلا أنه مع إقرار سلسلتي الرواتب والأجور للقضاة والعسكريين والأساتذة الجامعيين في العامين 2008 و2010، ثم إقرار سلسلة الرتب والرواتب في العام 2017، حصل اختلال في التوازن في قيمة الرواتب على نحو حاد وغير مبرر – في نظر العسكريين – لمصلحة الموظفين المدنيين، فأصبحت رواتب العسكريين هي الأدنى، وأي مقارنة تظهر <فداحة الغبن> الذي لحق بالعسكريين على اختلاف رتبهم، وعلى سبيل المثال لا الحصر، فإن الراتب التقاعدي لعقيد في الجيش – وهو بالمقارنة من موظفي الفئة الثانية – اقل من الراتب التقاعدي لأستاذ في التعليم الأساسي الذي ينتمي الى الفئة الرابعة. وفي مجال آخر هناك غبن أيضاً بين رواتب العسكريين والموظفين المدنيين في ما يخص قيمة الدرجات، ذلك أن درجة العميد في السلسلة تبلغ 130 ألف ليرة، فيما تبلغ درجة القاضي 250 ألفاً ودرجة الموظف في الفئة الأولى 180 ألف ليرة كحد أدنى. كما يستحق الضابط رتبة عميد في سن الثانية والخمسين ويتدرج في الرتبة حتى سن الثامنة والخمسين (حين يحال على التقاعد حكماً)، وبالتالي فهو يحصل على 3 أو 4 درجات فقط، فيما قد يحصل القاضي أو المدير العام أو الأستاذ الجامعي على نحو 20 درجة تضاف الى الراتب خصوصاً إذا ما عُيّن في هذه الوظيفة في سن مبكر.

وتضيف المصادر نفسها بأن القول إن قيادات الأسلاك العسكرية تعترض اليوم في حين أنها قبلت في الماضي هو قول يجافي الحقيقة، ذلك أن اللجنة العسكرية التي كلفت بموضوع درس مشروع السلسلة آنذاك، قدمت اعتراضات متكررة أمام اللجنة النيابية المكلفة إعداد مشروع السلسلة في العام 2017، لكن اللجنة لم توافق على تحقيق المساواة في اساسات الرواتب بين فئات العسكريين والموظفين المدنيين بذريعة أن هذه المساواة ستؤدي الى تضخم تعويضات نهاية الخدمة لدى العسكريين كونها ترتبط بقيمة اساس الراتب وليس بمتمماته التي تعهدت اللجنة بإبقائها بمعزل عن تسمياتها وفي صلبها تعويضات <التجهيزات العسكرية> التي يقترح وزير المالية علي حسن خليل إلغاءها ويؤيده في ذلك الرئيس الحريري. إلا أن الفئات العسكرية تعتبر أن إلغاء هذا التعويض كما جاء في مشروع موازنة 2019 يقضي حكماً بتعديل سلسلة الرتب والرواتب لجهة تحقيق المساواة في اساسات الرواتب وقيمة الدرجات بين المؤسسات العسكرية والمدنية وفقاً للفئات الوظيفية.

 

<سر> التدبير رقم 3!

أما بالنسبة الى التدبير رقم 3، فترى المصادر العسكرية أن ثمة مبالغة حول هذا الموضوع خصوصاً أن القيادة الحالية للجيش اعتمدت تدابير معينة للعسكريين، لكنها غير قادرة على إلغاء هذا التدبير المنصوص عنه في قانون الدفاع الوطني فهو مرتبط بقرار سابق لمجلس الوزراء بتكليف الجيش حفظ الأمن في البلاد ما يستوجب جهوزية بنسبة 75 بالمئة، فإذا ألغي التدبير رقم 3 تنخفض نسبة الجهوزية، فمن يتحمل تداعيات ذلك؟ علماً – تضيف المصادر – أن غالبية القوى العسكرية منتشرة من الشمال الى الجنوب مروراً بالعاصمة والجبل والبقاع، في حين أن نسبة العسكر في المكاتب لا تتجاوز الـ2 بالمئة من الجيش وهم يؤمنون خدمة تفوق الخدمة التي تعتبر على الدوام. وبديهي أن الوحدات المنتشرة في حاجة الى من يؤمن لها الطبابة والطعام والذخيرة والعتاد والبناء، بمعنى أن جهوزية هذه القوى يفترض أن تكون متناسقة مع جهوزية القوى العملانية. وتكشف المصادر نفسها أن قيادة الجيش كانت، قبل حصول البلبلة حول الموازنة، تعدّ دراسة حول تمديد سن الخدمة العسكرية بضعة أعوام، لكن الطرح في مشروع الموازنة اتى <استباقياً> بحيث يجعل العسكري يخدم 20 عاماً بدلاً من 15، والرتيب 23 عاماً بدلاً من 18، والضابط 25 عاماً بدلاً من 20، وكان الضابط قبلاً وحسب قانون الدفاع يخدم 25 عاماً

لكن الدولة عندما أقرت قانون الحوافز في العام 2012 خفضت الرقم الى 20، والآن تقترح الحكومة اعتماد الرقم 25 من جديد!

ولعل ما يقلق القيـــــادة العسكرية هو الاقتراح الذي ورد لوقف التطويع لسنوات عدة، لأن ذلك – وفق المصادر نفسها – سوف يؤدي الى ارتفاع نسبة المتقدمين في السن في الجيش، ويحول دون تدريب عناصر شابة أو ضمهم الى الجيش لثلاث سنوات، علماً أن انتشار الجيش على الحدود في السلسلتين الشرقية والغربية بطول يتجاوز 375 كيلومتراً يفرض وجود 13 عسكرياً في الكيلومتر الواحد، اي ما مجموعه 4875 ــــــعسكرياً استناداً الى التدبير رقم 3، في حين تنخــــــفض نسبــــــة الجهوزيـــــة إذا ألغــــــــي هذا التدبـــــير الى 50 بالمئــــــة إذا اعتمــــــد التدبير رقم 2، والى 25 بالمئـــــة اذا اعتمد التدبير رقــــــم1، فيصبح عــــــدد العسكريين 1250 عسكرياً، فهل من يتحمّل مسؤولية ذلك؟

في المقابل، تؤكد مصادر حكومية أن الرئيس الحريري ليس في وارد إلغاء التعويضات المستحقة للعسكريين، لكنه مع الغاء بدلات وتقديمات غير ضرورية مثل بدل <المنصّب> (اي العسكري الذي يوضع بتصرف الضابط المتقاعد) وقسائم المحروقات والهواتف المدفوعة من الدولة واقتطاع بعض المال للتقديمات الصحية والمدرسية، كما أنه يرى خفض تعويضات سفر العسكريين في دورات الى الخارج، لاسيما منهم الضباط الذين قاربوا سن التقاعد، وكذلك خفض عدد الملحقين العسكريين، وغيرها من النفقات التي يمكن استثمارها في مجالات اخرى أو الاستفادة منها لخفض العجز في الموازنة. وترفض المصادر الحكومية أي اشارة الى أن الجيش <مستهدف>، لافتة الى أن أي تدبير يطبق على الجيش سوف يطبق على كل الاسلاك العسكرية بما فيها قوى الأمن الداخلي والأمن العام وأمن الدولة والجمارك…

في اي حال، يتضح مما تقدم أن المواجهة بين المعترضين على المساس بحقوق العسكريين وبين الداعين الى خفض النفقات العسكرية واقعة من دون أدنى شك، فلمن ستكون الغلبة في النهاية؟!