19 November,2018

التمديد جدّد «حرب الإلغاء » بين عون وجعجع سياسياً ومساعٍ لجمع مسيحيي 14 آذار ومستقلين لعزل «الجنرال »!

rai-aoun إذا كان <إنجاز التمديد> قد كتب لمجلس النواب المنتخب في العام 2009 <عمراً جديداً> يستمر حتى ربيع العام 2017، فإنه في المقابل صدّع العلاقات بين الأحزاب المسيحية الكبيرة لاسيما بين حزبي الكتائب والقوات اللبنانية، وأحيا <حرب إلغاء> جديدة بين التيار الوطني الحر بزعامة العماد ميشال عون وحزب القوات اللبنانية بقيادة الدكتور سمير جعجع، وبدا التاريخ يعيد نفسه بين القوتين المسيحيتين اللتين تصارعتا على مدى عامين تقريباً قبل أن تنتهي <حربهما> يوم 13 تشرين الأول/ اكتوبر عام 1990 بعد إقرار اتفاق الطائف وإزالة <التمرد> في قصر بعبدا، وأسس التمديد المجلسي لخطة عزل جديدة للعماد عون يجري التحضير لها بالتنسيق بين عدد من مكونات 14 آذار والمسيحيين المستقلين وشخصيات مسيحية تعمل للحصول على رعاية البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي الذي تزداد الهوة اتساعاً بينه وبين العماد عون يوماً بعد يوم!

كثيرة هي المعطيات التي تدل على أن وحدة المسيحيين التي كادت اجتماعات بكركي في ربيع 2013 أن تحييها على خلفية الاتفاق على قانون جديد للانتخابات وُصف بـ<القانون الأرثوذكسي>، أصبحت بعد <معركة> التمديد لمجلس النواب… في خبر كان، وباتت إمكانية جمع <الاقطاب> الموارنة الأربعة من جديد في بكركي أو في أي مكان آخر  شبه مستحيلة.

<حرب إلغاء> جديدة

المعطى الأول، والأخطر على الإطلاق، برز من خلال تجدد المواجهة السياسية- حتى الآن – بين التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية، بعد دقائق قليلة من انتهاء جلسة التمديد في ساحة النجمة إذ عاد التراشق قوياً بين الرابية ومعراب <معززاً> بتبادل الاتهامات بتعطيل البلد والاستحقاقات، مع استحضار المفردات التي شكّلت لغة الحرب بين الطرفين والتي أعادت الى الأذهان المناخات المتشنجة التي سادت في الأعوام 1988 و1989 و1990 والتي لم تتوقف إلا بعد <النفي القسري> للعماد عون الى فرنسا، وإدخال الدكتور سمير جعجع الى السجن الذي أمضى فيه 11 عاماً. وبدا واضحاً من خلال ما صدر عن <الحكيم> ونوابه ودائرته الإعلامية، والردود التي حفلت بها مداخلات وزراء التيار الوطني الحر ونوابه ووسائل إعلامه، ان الاحتقان الذي كان صامتاً خلال الأعوام الماضية انفجر من جديد ليطيح بكل الجهود التي بُذلت على غير صعيد لإبقاء <شعرة معاوية> قائمة بين القوتين المسيحيتين، فعاد <نبش القبور> من جديد والتجريح الشخصي وفتح الملفات المغلقة وكأن لا شيء في لبنان أهم من عودة الصراع كما في السنوات الماضية، مع ما يعني ذلك من <تعرية> كل فريق للآخر، بصرف النظر عن دقة الروايات التي نشطت ومدى صحتها. وبين موقف من معراب عن <ضرب المسيحيين> و<قتل الشباب> و<تهجير> ما بقي من مسيحيين، وموقف آخر من الرابية حول <ضرب وحدة المسيحيين مرة أخرى>، واستذكار مواقف كان المسيحيون قد ظنوا أنها ولّت الى غير رجعة، دخلت المواجهة بين <القوات> والتيار مرحلة جديدة من التصعيد يصعب بعدها القول بإمكانية جمع <الزعيمين> حول طاولة واحدة في المدى المنظور على الأقل..

<سلاح> الرابية كان الحديث عن <انقلاب القوات> تكراراً لتجربة القانون الأرثوذكسي والخروج عن <الإجماع المسيحي>، في حين استعمل <القواتيون> الشعارات القديمة – الجديدة حول <انقلابات عون المستمرة> و<طموحه الرئاسي> و<استحالة وصوله الى قصر بعبدا> في وقت تناوب فيه الطرفان على إلصاق تهم <التبعية>، فالتيار بنظر القوات ينفذ إرادة حزب الله وإيران في لبنان ويقضي على المسيحيين ويعطّل الانتخابات خدمة لـ<مؤتمر تأسيسي> موعود، والقوات في نظر التيار خضعت <للمشيئة السعودية> ووقفت الى جانب تيار <المستقبل> لـ<رد الرجل> لوقوف <التيار الأزرق> الى جانب معراب في الملف الرئاسي في انتظار <المكافأة>.. في بعبدا. وكالعادة كانت الأرقام أداة طيعة في يد الفريقين، فاستعملا الاحصاءات و<السونداج> ليظهر كل فريق تفوقه على الآخر في الشارع المسيحي. أما الحديث عن <الحروب العبثية> فحدث ولا حرج كيف استحضر التاريخ بسرعة ليدعم كل طرف موقفه!

ويقول قيادي مسيحي على مسافة واحدة من الرابية ومعراب على حد سواء ان ما دار بين عون وفريقه من جهة، وجعجع وفريقه من جهة ثانية أظهر استعداد كل من الطرفين لـ<ساعة الصفر>، ما يعني أن <النار التي كانت تحت الرماد> اشتعلت من جديد ولن تنطفئ في وقت قريب لأن ظروف إشعالها ستظل قائمة حتى إشعار آخر!

تصدع العلاقة بين الكتائب والقوات

أما المعطى الثاني فتمثل بـ<التصدع> الذي أصاب العلاقة بين معراب والصيفي والتي لم تكن يوماً متينة أو ثابتة. فالدكتور جعجع لم يوفر حليفه حزب الكتائب من الانتقادات والملاحظات وأحياناً الاتهامات لجهة عدم قيام وزراء الحزب بما يتوجب عليهم لإنجاز استحقاق الانتخابات النيابية، فيرد وزراء الكتائب انهم فعلوا ما في وسعهم… لكن القرار ليس لهم وحدهم، ويضيف نواب الكتائب ان جعجع <غيّر مواقفه> بعدما كان رافضاً للتمديد، فترد القوات على الرد الكتائبي بتحميل حزب الكتائب مسؤولية <التعاطي بخفة> مع الاستحقاق الانتخابي النيابي! ولم يسلم قول جعجع بأن القوات اختارت بين التمديد المجلسي والفراغ، من انتقاد كتائبي مباشر وقعه النائب سامي الجميل بقوله ان ما حصل في مجلس النواب <ليس تفضيل الفراغ على التمديد، بل هو تمديد للفراغ>. ولأن التحدي يشكل دائماً سمة المواجهات الإعلامية، تحدى <القواتيون> الحلفاء الكتائب في 14 آذار أن يستقيل نوابهم من المجلس <لوضع حد لهذه التمثيلية>، فرد الكتائبيون بأن القوات لن تتمكن من تغطية التمديد <بإلقاء قنابل دخانية>. وذهب تبادل الاتهامات الى حد كشف بعض ما دار خلال الاجتماعات المغلقة بين الكتائب والقوات وصولاً الى القول ان زيارة جعجع للسعودية <بدلت كل المفاهيم وبددت كل الوعود بعدم التمديد..>.

وبين موقف من هنا وردّ من هناك، بدا واضحاً لدى المراقبين أن الخلاف الكتائبي – القواتي سيطيح حتماً بالمبادرة التي كان النائب سامي الجميل قد أطلقها وحملها الى الرابية ومعراب وبنشعي <للتلاقي على الحد الأدنى> من المبادئ في الاستحقاق الرئاسي من دون الدخول في لعبة الأسماء، ما يعني أن خيار الكتائب في مقاطعة جلسة مجلس النواب لم يغضب جعجع فحسب، بل سيدفعه الى رمي الأوراق الكتائبية التي حملها الجميل الابن الى معراب ويعيد عقارب الساعة الى الوراء لجهة الاعتراض الشديد غير المعلن بعد على تمثيل الكتائب بثلاثة وزراء في الحكومة السلامية التي أحجم جعجع وحزبه عن الدخول فيها.

وفيما يدعو الكتائبيون <أصحاب الاجتهادات المزاجية> الى التدقيق في الدستور جيداً واحترام مقتضياته مستغربين التعاطي معه كأنه <لائحة طعام> (Menu) نختار منها ما يعجبنا ونهمل ما لا يعجبنا، يرد <القواتيون> بأن الكتائب مع <العونيين> يعطلون انتخاب الرئيس، علماً أن خيار جعجع في البداية كان التصويت ضد التمديد لأن القوات أكثر فريق يريد إجراء الانتخابات النيابية، <لأن التمثيل النيابي مجحف بحقنا وسرنا بالتمديد مكرهين حتى يبقى هناك حد أدنى من المؤسسات الفاعلة في البلد>. ويتحدث <القواتيون> عن أن حزب الكتائب <سيدفع ثمن التمديد قريباً>، فيرد الكتائبيون <أن غداً لناظره قريب>!

<جبهة> مسيحية لعزل عون!

فرنجية-الجميل-1

 

في غضون ذلك، كشفت مصادر مطلعة لـ<الأفكار> أن الأسابيع المقبلة ستشهد ولادة حركة سياسية مسيحية تضم ممثلين عن مسيحيي 14 آذار والمستقلين وشخصيات مسيحية من خارج الاصطفافات الحزبية يلتقون عملياً لرفع حصرية التمثيل المسيحي عن العماد عون وللقول إن غالبية المسيحيين ليست في الرابية، وان تمثيل عون النيابي للمسيحيين هو دون نصف عدد النواب المسيحيين في المجلس البالغ 64 نائباً، في حين ان عدد نواب عون لا يتجاوز الـ16 نائباً مسيحياً، بعد خروج نواب <المردة> والطاشناق عن قرار عون بمقاطعة جلسة التمديد لمجلس النواب. ويرعى ولادة هذه الحركة التي قد تحمل صفة <الجبهة> الرئيس السابق للجمهورية العماد ميشال سليمان الذي كثف اتصالاته في الآونة الأخيرة مع شخصيات مسيحية خارج 8 و14 آذار لضمها الى الحركة. وتقول المصادر نفسها ان الرئيس سليمان سبق ان فاتح البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي بهدف <رعاية> الجبهة الجديدة التي تستلهم مواقف بكركي، لاسيما الأخيرة منها، وما ورد في <إعلان بعبدا> من ثوابت، على أن تعقد اجتماعاتها الدورية في دارة الرئيس سليمان في اليرزة أو عمشيت، وتكون مفتوحة أمام الراغبين في الانضمام إليها. وستضع <الجبهة> الجديدة نظام عمل لها وتنشئ أجهزة تابعة لها تتعاطى في كل المواضيع السياسية والاجتماعية والاقتصادية المطروحة وتضع برنامج عمل لها. وستضم <الجبهة> وزراء حاليين وسابقين ونواباً من الممدد لهم ومن النواب السابقين ونقابيين وأساتذة جامعات ورجال فكر، علماً أن الهدف البعيد المدى هو <عزل> العماد عون مسيحياً و<تحجيم> حضوره في الساحة المسيحية.