18 November,2018

التلقيح باب النجاة من الأمراض الوبائية وأولها شلل الأطفال

بقلم وردية بطرس

 

2 لإبراز أهمية التمنيع او التطعيم في انقاذ الأرواح وتشجيع الأسر على تطعيم أطفالهم ضد الأمراض الفتاكة، تعكف منظمة الصحة العالمية على حشد بلدان العالم لحثها على تنظيم اسبوع من حملات التطعيم وأنشطة تثقيف الجماهير وتبادل المعلومات في ظل اسبوع التمنيع العالمي. والتطعيم عبارة عن جرثومة او <فيروس> تم اخضاعه لعوامل فيزيائية او كيماوية بحيث أصبح ضعيفاً أو ميتاً فلا يقدر على احداث المرض، انما يحرض جسم الطفل على انتاج المواد المناعية اللازمة للتعرف الى هذا العامل الممرض في المستقبل بحيث لا يُصاب الطفل بهذا المرض لاحقاً عند تعرضه لهذا العامل لأن هذه المواد المناعية تتعرف في مرحلة ما بعد اللقاح الى العامل الممرض بشكل مبكر وتمنعه من احداث المرض. ويؤدي اعطاء الطفل اللقاحات الى حمايته من الإصابة من أهم الأمراض التي كانت تسبب الكثير من الوفيات او الاعاقات عند الأطفال في الماضي.

    وقد اختفى الكثير من الأمراض المشمولة بالتلقيح او التطعيم من دول العالم المتقدم وانخفضت نسبة الاصابات في كثير من الدول النامية، فمثلاً جدري الماء اختفى من العالم نهائياً بعد حملات التلقيح او التطعيم العالمي، وكذلك مرض شلل الأطفال، فهناك حملة عالمية للتخلص منه ولم تسجل اي إصابة منذ سنوات في الدول المتقدمة مثل الولايات المتحدة وأوروبا، وسجلت حالات قليلة في الدول النامية وكذلك مرض الحصبة. وإذا قمنا بمقارنة فوائد التطعيم مع التأثيرات الجانبية التي يسببها، فإن فوائده تفوق ما يسببه اللقاح من تأثيرات جانبية نادرة الحدوث. ويجب ان يبدأ الطفل بتلقي لقاحاته منذ اللحظة الأولى لولادته، وكثير من مراكز التوليد تعطي الطفل جرعته الأولى من اللقاحات قبل خروجه من المستشفى، ومع نهاية السنة يجب ان يكون الطفل قد تلقى معظم لقاحاته. ولطالما يتساءل الأهل عما اذا كان من الضروري تطعيم الطفل في حملات التطعيم، والجواب: نعم، من الضروري تطعيم الطفل خلال هذه الحملات لأنها تسهم الى جانب التطعيم الأساسي في رفع مناعة المجتمع، ما يمنع ظهور المرض مرة أخرى بعد خلو المجتمع منه، ومثال ذلك حملات التطعيم بلقاح شلل الأطفال التي تمنع حدوث حالات مرض شلل الأطفال، او الحملات التي يتم التطعيم فيها باللقاح الثلاثي الفيروسي ولقاح الحصبة التي تمنع حدوث تفشيات وبائية لمرض الحصبة، وتسهم في ازالة أمراض الحصبة والحصبة الألمانية والنكاف، ويتم تطعيم الأطفال في هذه الحملات بغض النظر عن سابقة التطعيم.

ويتيح التعاون على الصعيد العالمي الفرصة لتعزيز الزخم وزيادة التركيز على اجراءات محددة أهمها: إزكاء الوعي بالطريقة التي يسهم بها التمنيع او التطعيم في انقاذ الأرواح، زيادة التغطية بخدمات التطعيم من اجل الوقاية من فاشيات الأمراض، الوصول الى المجتمعات المحلية التي تعاني من التهميش ولا تستفيد من الخدمات بشكل كافٍ مثل من يعيشون في المناطق النائية والمواقع الحضرية المحرومة والدول الهشّة والمناطق التي تمزقها الصراعات لتطعيمها باللقاحات القائمة واللقاحات المتاحة حديثاً، تعزيز فوائد التطعيم على المدى المتوسط والبعيد مثل الحرص على منح الأطفال فرصة للنمو في صحة جيدة والذهاب الى المدرسة وتحسين مستقبلهم. والتمنيع او التطعيم من أكثر التدخلات الصحية نجاحاً ومردودية. فهو يمكن من وقاية مليونين الى ثلاثة ملايين وفاة كل عام. كما انه يقي من الأمراض الموهنة وحالات العجز والوفيات الناجمة عن الأمراض التي يمكن الوقاية منها باللقاحات مثل الخناق والتهاب الكبد (ا و ب) والحصبة والنكاف وداء المكورات الرئوية وشلل الأطفال والاسهام الناجم عن الفيروس العجلي والكزاز والحمى الصفراء. ويجري بإطراد تـــــوسيع نطــــــاق فوائـــــد التمنيــــع ليشمل المــــراهقين والبالــــغين، ممــــا يضمن لهـــــم الحمايـــــة ضــــد الأمــــراض التي تهـــــدد حياتهـــــم مثل الانفلونزا والتهاب السحايا والسرطانات مثل سرطان عنق الرحــــم وسرطان الكبد التي تحدث لدى البالغين.

والتطعيم ضد الأمراض التي يمكن توقيها باللقاحات من الأمور الضرورية لبلوغ المرمى 4 من المرامي الانمائية للألفية والمتعلق بخفض معدلات وفيات الأطفال دون سن الخامسة بنسبة الثلثين في العام 2015. ذلك ان ملايين الأطفال يموتون بسبب أمراض يمكن الوقاية منها باللقاحات. وهناك تقدم يُحرز في هذا المجال. فقد تم في العام 2010 مثلاً تطعيم نحو 109 ملايين من الأطفال دون سن الواحدة بثلاث جرعات من اللقاح الثلاثي المضاد للخناق ــ الكزاز ــ الشاهوق. ويشكل التطعيم ايضاً استراتيجية أساسية لضمان الصحة على الصعيد العالمي والاستجابة لخطر العدوى المستجدة من قبيل الانفلونزا الجائحة. ويشمل العمل الذي تضطلع به منظمة الصحة العالمية في هذا المجال وضع المعايير، والبحث والتطوير، وتنظيم اللقاحات وضمان جودتها، والامداد بها، وتمويل عمليات التطعيم، وتعزيز نظم التطعيم. وتدعم تلك الأنشطة المرامي المحددة ضمن الرؤية والاستراتيجية العالميتين للتطعيم 2006 ــ 2015 اللتين اعتمدتهما بلدان كثيرة بوصفهما أحد الأطر الاستراتيجيةالشاملة للتطعيم.

لقد أثبتت اللقاحات الجديدة والمتطورة أهميتها في القضاء على عوامل الخطر لدى الأطفال الرضع والبالغين الذين يمكن حمايتهم الآن ضد الأمراض التي تهدد الحياة مثل الالتهاب الرئوي والاسهال الناجم عن فيروس <Rotavirus Diarrhea> والانفلونزا والتهاب السحايا وبعض أنواع السرطان (سرطان عنق الرحم والكبد). وبالرغم من كل الجهود المبذولة عالمياً، فلا يزال واحد من خمسة أطفال محروماً من التلقيح. ففي العام 2013 لم يتمكن 21.8 مليون رضيع من الحصول على اللقاحات المنقذة لحياتهم، وهو أمر تسببت به مجتمعة حالات قصور الامداد باللقاحات وعدم اتاحة الخدمات الصحية ونقص المعلومات الدقيقة عن التطعيم وعدم كفاية الدعم السياسي والمالي المقدم في هذا المضمار.

وفي هذا الخصوص، تقول السيدة لينا فاخوري:

– نلتزم بتوفير أفضل أنواع اللقاحات للجميع وبجودة عالية وبتلبية احتياجات القطاع العام. نحن بحاجة الى التعاون مع الحكومات لتحسين استراتيجيات الرعاية الصحية وتبادل الخبرات في هذا المجال لما فيه من مصلحة المواطن. ونحرص على القيام بدور فاعل كشريك في مجال الصحة العامة من خلال العمل جنباً الى جنب مع الحكومات لتحسين برامج التلقيح الموسعة في المنطقة. فنتيجة هذه الشراكات مع السلطات الصحية تكون في تحديث هذه البرامج لتشمل اللقاحات المتطورة ذات الجودة العالية.

البروفيسور جرباقة: لبنان

3أنجز الكثير بما يتعلق بتطعيم الأطفال

فماذا يقول البروفيسور برنار جرباقة رئيس جمعية طب الأطفال ورئيس قسم طب الأطفال في مستشفى <أوتيل ديو> عن التطعيم في لبنان؟

بداية عدّد البروفيسور جرباقة أبرز الانجازات التي أحرزت في المنطقة وتحديداً في لبنان في كل من القطاعين العام والخاص للحفاظ على مستوى عالٍ من التحصين او التطعيم وتوفير اللقاحات ذات الجودة والسلامة العالية. ومن أجل تحسين وضع التطعيم في البلاد لا بد من النظر في العديد من المسائل الرئيسية وأهمها جمع البيانات وبناء القدرات والتدريب والتعليم التي تضمن توفير جميع اللقاحات المعترف بها في برنامج التطعيم الموسع للسكان بما في ذلك التطعيم الالزامي والموصى به. هناك أهمية التعاون مع منظمة الصحة العالمية ووزارة الصحة في هذا المجال، كونهما من الأعضاء الفاعلين في برنامج التطعيم الموسع ولجان اصدار الشهادات الوطنية.

ويتابع الدكتور جرباقة:

– في لبنان، هناك بعض اللبنانيين يلجأون الى تطعيم اولادهم في المراكز الصحية الحكومية وقسم آخر في المراكز الصحية الخاصة، ولكن بالنسبة الينا كأطباء نرى انه يحق لكل طفل ان يحصل على التطعيم لحمايته من الأمراض وخصوصاً الحصبة وشلل الأطفال وغيرها. ولبنان كما الأردن لا يواجه مشاكل بما يتعلق بالتطعيم اذ تصل اللقاحات الى اكبر عدد ممكن من الأطفال، ولهذا لم تُسجل حالة شلل أطفال بسبب عدم التطعيم في لبنان على مدى 13 سنة نظراً للبرامج والحملات التي ساهمت بايصال اللقاحات الى الأطفال في كل لبنان. كما ان للاعلام دوراً مهماً لأننا نحن كأطباء نقدر ان نوصل المعلومات الى الأهل بينما الاعلام قادر على ان يوصل كل المعلومات والنصائح لمئات آلاف المواطنين، ونحن اليوم بحاجة لدعم الاعلام لتقوية نظام التطعيم في كل لبنان والمنطقة ككل. ان للتطعيم اهمية كبيرة لحماية الأطفال وتوفير الصحة لهم.

 

الدكتور بلبيسي والاستراتيجيات الصحية

 

ويعتبر الدكتور عادل بلبيسي المستشار في الشبكة الشرق أوسطية للصحة العامة والمستشار السابق لوزير الصحة ومدير برنامج التطعيم الموسع في الأردن ان المنطقة في ظل الوضع السياسي والاقتصادي غير المستقر تعاني من صعوبات في الحفاظ على معدل تغطية عالية من التطعيم بمتوسط يبلغ 80 في المئة ويقول:

– هناك عوامل من شأنها ان تساعد البلدان على مكافحة الأمراض والحفاظ على معدل منخفض الى صفر من المواطنين المصابين، منها حملات التوعية فهي المفتاح وتلعب وسائل الاعلام دوراً أساسياً في نشرها الى المجتمع ككل. ومن جهة أخرى على الحكومات وضع استراتيجيات صحية لتوفير اللقاحات الأساسية وادخال اللقاحات الجديدة عند توافرها وفي الوقت المناسب.

وأضاف:

– ان التطعيم هو من انجح البرامج على مدى اربعين سنة وخصوصاً انه من الانجازات المهمة في مجال الصحة، فلو عدنا بالسنوات الى الوراء سنلاحظ ان نسبة إصابة الاطفال بالشلل عالية وايضاً الحصبة وغيرها من الأمراض التي كانت شائعة في الماضي بسبب عدم توافر التطعيم. اما اليوم وبفضل التطعيم، فلقد تراجعت نسبة إصابة الأطفال بهذه الأمراض، فمثلاً عندنا في الأردن كانت آخر حالة إصابة بشلل الأطفال في العام 1992. واليوم ان نسبة الإصابة بالحصبة في الاردن قليلة جداً، بينما نجدها تتزايد في المناطق التي تشهد حروباً وصراعات في المنطقة، اذ يؤثر الوضع السياسي والأمني على برامج التطعيم في المناطق الساخنة ولكن بفضل جهود الدول والقطاع الخاص والاعلام سنتمكن من المساعدة في هذا الخصوص. ومهمة الاعلام كبيرة اذ عليه ان يساهم ايضاً. صحيح انه في اوروبا واميركا يُعزز نظام التطعيم بشكل كبير ولكن لا تزال هناك معتقدات خاطئة بما يتعلق بالتطعيم، لذا يجب ايصال المعلومات الصحيحة والدقيقة الى الناس من خلال وسائل الاعلام.

وبالسؤال عن حالات إصابة بالانفلونزا (اتش 1 ان 1) خصوصاً انها سجلت حالات إصابة في الاردن يقول الدكتور بلبيسي:

– هذا صحيح. لقد سجلت حالات إصابة بالانفلونزا (اتش 1 ان 1) في الاردن، وهناك حالات في دول عديدة ويتوافر اللقاح، لذا يتوجب تأمين اللقاح خصوصاً في المواسم التي تكثر فيها التجمعات الجماهيرية مثل الحج او خلال الأنشطة الرياضية مثل كرة القدم وغيرها حيث ينتشر آلاف الناس في الملاعب وغيرها. وطبعاً التطعيم أمر ضروري لحماية الصغار والكبار على حد سواء. صحيح اننا نتحدث عن تطعيم الاطفال ولكن لا يقل موضوع تطعيم الكبار ضد بعض الأمراض مثل التهاب الكبد اهمية. ومهمتنا اليوم ان نقوم بالأبحاث عن التطعيم بشكل اكبر.

 

نظام التطعيم في الدول الغنية والفقيرة

وعن الدول الغنية والفقيرة يشرح الدكتور بلبيسي:

– الدول مقسمة الى ثلاث فئات: دول غنية تقدر ان تعمل وفق نظام التطعيم بدون اي عائق او مشكلة وتوفر لأبنائها التطعيم بشكل منتظم، ودول فقيرة لا تقدر ان تحصل على التطعيم، ودول تحصل على اللقاحات بأسعار مخفضة. اذا اردنا التحدث عن لبنان والاردن في هذا الخصوص، يمكن القول ان هذين البلدين يعتبران من الدول التي يكون فيها الدخل متوسطاً اذ ان الدخل ليس مرتفعاً ولا منخفضاً وبالتالي في امكانهما ان يوفرا للمواطنين التطعيم، ولهذا لا تسجل حالات إصابة بشلل الأطفال والحصبة في لبنان والاردن كما هو الحال في دول المنطقة.

ويزيد الدكتور بلبيسي قائلاً:

– ويعتبر التطعيم احد التدخلات الصحية الأكثر نجاحاً وفعالية من حيث التكلفة، اذ بالامكان تفادي ما بين مليونين الى ثلاثة ملايين حالة وفاة كل عام بالتطعيم، كما يحمي الأطفال من الأمراض. ويمكن الوقاية من اكثر من مئة الف حالة مثل امراض معدية والاعاقات التي يمكن ان تحدث عند الأطفال، ولكن بالرغم من ذلك لا يزال في العالم حوالى 22 مليون طفل لا يصلهم التطعيم. لذا نرى جميعنا ان التطعيم هو حق لكل طفل ويجب ان يحصل كل طفل على اللقاح مهما كانت الظروف او 1الأوضاع صعبة في اي بلد او مكان ما. وهناك لقاحات جديدة يجب ادخالها الى برامج التطعيم مثل لقاح ضد الاسهال والالتهابات الرئوية والتهاب الكبد (اي) وجدري الماء.

وعن الشراكة بين القطاعين العام والخاص يشرح:

– ان هذه الشراكة أمر ضروري في الحفاظ على معدل تغطية مرتفع للأشخاص الملقحين حتى في الأماكن التي يصعب الوصول اليها والمناطق النائية. وبحلول منتصف العام 2015، ستشهد البلدان انتقالاً من لقاحات شلل الأطفال عن طريق الفم الى الحقن. يجب على الحكومات الاستعداد لهذا الانتقال الذي يتوقع ان يتم الانتهاء منه في بداية العام 2017. ولتحقيق ذلك من المهم بالنسبة الى الحكومات القيام بالتخطيط وتقييم حاجة بلدانها لتتمكن من تأمين الحاجات والكميات اللازمة من اللقاحات والتأكد من رصد الأموال المناسبة لها. ومع ادخال الأدوية المتقدمة وجب على البلدان وضع استراتيجياتها ليس فقط لرصد الأموال المطلوبة، ولكن لإدارة ومراقبة المرحلة الانتقالية وخطة تأمين اللقاح. في الواقع ان اللقاحات المتطورة التي تنتجها الشركات المصنعة والتي تتميز عمليات تصنيعها الطويلة بالتعقيد هي لقاحات خاضعة للمراقبة والاختبار استناداً الى المعايير العالمية للتأكد من سلامة وجودة المنتجات التي تعطى للرضع والأطفال في جميع أنحاء العالم. ونتيجة لذلك يمكن لهذه اللقاحات المتقدمة ان تعاني النقص بسبب زيادة الطلب عليها عالمياً. ان مسؤولية الدول تكمن في ان توفر التطعيم لكل الأطفال والموازنة المطلوبة لنظام التطعيم، وان يكون من ضمن اولوياتها بما يتعلق ببرامج التطعيم، اذاً هذه مهمة كل بلد.

وقريباً سيُطلق لقاح سداسي التكافؤ على امل ان يحقق الدور الوقائي لحماية الأطفال من الأمراض الرئيسية مثل السعال الديكي والكزاز وشلل الأطفال والتهاب الكبد (ب) والتهاب السحايا والخناق. سيبين اسبوع التطعيم العالمي 2015 الجهود العالمية والاقليمية والوطنية المتجددة بشأن تسريع وتيرة العمل على اذكاء وعي المجتمع بالتطعيم وزيادة طلبه عليه وتحسين خدمات التطعيم.