18 November,2018

التقدم في المجال الصحي مهدد بارتفاع نسبة مرض السكري واضطرابات الصحة العقلية واستخدام مادة ”الأفيون“

 

بقلم وردية بطرس

الدكتور-علي-مقداد--------2 

يسعى الانسان منذ الآف السنين الى ايجاد طرق لاطالة عمره… اذ اهتم الانسان على مدى العصور بعدد ليس باليسير من الاحصاءات التي تتصل اتصالاً مباشراً بوجوده على هذه الأرض، ومن ذلك متوسط عمر الانسان الطبيعي. ولم يكن يسيراً قبل الربع الأخير من القرن العشرين تحديد تقديرات دقيقة لذلك، وخصوصاً ان هناك اختلافاً كبيراً في ذلك المتوسط من منطقة جغرافية الى أخرى، ومن ظروف حياتية لأخرى، وهو مختلف أيضاً بين الذكور والاناث، ومختلف من حقبة زمنية لأخرى، وهو في تغير مستمر على اختلاف الزمان. وقد أجريت دراسات حول متوسط عمر الانسان توصلت الى ان متوسط عمر الانسان لعام 2014 على المستوى العالمي كان 67 عاماً كمتوسط لجميع دول العالم، للذكور والاناث معاً، أما أعلى معدل محسوب لبلد معين فهو 83 عاماً لدولة اليابان، وأقل معدل محسوب لبلد ما هو 40 عاماً لدولة سوازيلاند. وان متوسط العمر مرتبط بالجنس بشكل مؤكد كما تدل الوقائع حيث ان متوسط أعمار الاناث أعلى من متوسط أعمار الذكور بحوالى 3 ــ 7 سنوات في جميع دول العالم ما عدا استثناءات تعتبر نادرة جداً. وان أعلى متوسط لأعمار الاناث في العالم لغاية 2014 بلغ حوالى 87 عاماً في اليابان، وتشير كثير من الدلائل العلمية والدراسات والأبحاث الى ان معدل عمر الانسان في ازياد مطرد منذ مطلع القرن العشرين وحتى يومنا هذا، ويعزى ذلك علمياً وطبياً الى تطور وسائل العلاج والاستشفاء خصوصاً من بعض الأمراض التي كانت تعد مستعصية في السابق، فيما أصبح لها حلول طبية في يومنا هذا. ويتوقع أقل المتفائلين من أهل الاختصاص باستمرار ارتفاع معدل عمر الانسان حيث يتوقعون ان المتوسط العالمي لعمر الانسان سيتجاوز 90 عاماً في العام 2050، في حين يتوقع للدول ذات المعدلات الحالية المرتفعة ان يتجاوز معدل عمر الانسان فيها 100 عام في حلول العام 2050، كما يتوقع أولئك الباحثون ان الدول ذات المعدلات المنخفضة بسبب ظروفها المعيشية الصعبة ستتطور خلال السنوات المقبلة بشكل كبير مما قد يؤدي الى ان يصبح معدل عمر الانسان في العالم كله متقارباً جداً بحدود العام 2075، وان يصل عند حدود 120 سنة… لا شك ان عوامل عدة ساهمت في رفع متوسط عمر الإنسان، مثل انخفاض معدل الوفيات الناجمة عن بعض أنواع السرطان وأمراض القلب والأوعية الدموية في الدول المتقدمة، وانخفاض نسبة وفيات حديثي الولادة، وتراجع معدل الإصابة بالإسهال والأمراض التنفسية بين الأطفال في الدول الفقيرة.

وكانت مجلة <تايمز> الأميركية قد نشرت على موقعها الالكتروني صوراً فوتوغرافية توضح من خلالها التغيرات التي طرأت على منحنى متوسط العمر المتوقع في العالم حيث نلاحظ تناقضاً حاداً بين متوسط العمر المتوقع لسكان البلدان المتقدمة مقارنة مع عدد من الدول الافريقية التي يتعرض فيها الانسان الى الموت المفاجىء في سن أقل من 40 سنة. وعليه، فقد تأكد ان متوسط العمر المتوقع يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالاستقرار السياسي والتنمية الاقتصادية للبلاد ونظام التأمين الصحي فيها.

 

متوسط العمر المتوقع

 

لا بد من التذكير هنا ان متوسط العمر المتوقع او متوسط العمر هو وسيلة معترف بها لحساب متوسط العمر المتوقع، وتتخذه الأمم المتحدة والعديد من الادارات الحكومية في بلدان متعددة كمؤشر او معيار مهم في التخطيط للتنمية المستقبلية. وان بيانات متوسط العمر المتوقع تعكس طول العمر لسكان الدولة، وقد تبين من خلال الأبحاث العلمية ان اتباع نظام غذائي وممارسة الرياضة والاستقرار النفسي والعقلي يمكن ان يكون لها تأثير على صحة الفرد وطول عمره المتوقع.

وهناك ارتباط وثيق بين متوسط العمر المتوقع والتنمية الاقتصادية والوضع السائد، والصين مثال حي على ذلك حيث أظهرت بيانات تعداد السكان في الصين عام 2000 ان متوسط العمر المتوقع في الصين هو 71.4 سنة، وفي العام 2009 بلغ متوسط العمر المتوقع 73.05 سنة، مع الاخذ في الاعتبار تقدم عملية التحضر في الصين التي تتمتع بامكانيات هائلة للتنمية.

وقد أشارت نتائج دراسة تناولت جميع الأمراض الرئيسية في 188 دولة الى ان الناس يعيشون عمراً أطول في شتى أرجاء العالم لكن الكثيرين منهم تلازمهم الأمراض لفترات طويلة.

علماً أن الصحة العامة على مستوى العالم تحسنت بفضل التقدم المذهل في مكافحة الأمراض المعدية مثل <الايدز> والملاريا خلال السنوات الأخيرة وتحقيق طفرة في محاربة الأمراض التي تصيب الأمهات والأطفال.

وقد ذكرت نتائج التحاليل التي وردت في دورية <لانسيت> الطبية ان متوسط العمر المتوقع مع تمتع الشخص بالصحة لم يزد بالقدر نفسه، لذا فان الناس يعيشون عمراً أطول لكنهم يعانون من الأمراض والعجز.

وفي هذا المجال، قال <ثيو فوس> الاستاذ بـ<معهد القياسات الصحية وتقييم الصحة> بـ<جامعة واشنطن> الذي أشرف على الدراسة، أن العالم حقق تقدماً عظيماً في مجال الصحة لكن التحدي الآن هو الاستثمار في ايجاد مزيد من السبل الفعالة لمنع او معالجة الأسباب الرئيسية للأمراض والعجز.

 

الدكتور علي مقداد

وارتفاع متوسط العمر في لبنان

 

وقد نشرت دراسة جديدة تؤكد ارتفاع متوسط العمر في لبنان في الوقت الذي تفقد فيه بعض دول الشرق الأوسط مكاسب صحية بسبب الصراعات وعدم الاستقرار. ووفقاً لدراسة علمية جديدة يعيش الأفراد في لبنان لسنوات اطول مقارنة مع متوسط الأعمار المسجلة في العام 1990، الا ان هذا التقدم الصحي قد تعيقه بعض التحديات المتمثلة في زيادة معدلات الاصابة بأمراض السكري والاكتئاب والقلق وفي استخدام مادة <الأفيون>.

فالى اي مدى انخفض متوسط العمر في منطقة الشرق الأوسط؟ ولماذا؟ وهل انخفض معدل الأمراض ام ازداد؟ وماذا عن لبنان؟ وماذا تبين الدراسات الحديثة وغيرها من الأسئلة أجاب عنها الدكتور علي مقداد مدير مبادرات الشرق الأوسط في <معهد مقاييس الصحة والتقييم> في <جامعة واشنطن> في <سياتل> ويقول:

– تعاني منطقة الشرق الأوسط من تراجع الظروف الصحية وانخفاض متوسط العمر على مدى السنوات العشرين الماضية نتيجة للحروب والاضطرابات المدنية التي عصفت ببعض دول المنطقة، لذا تحتاج منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط الى الاهتمام في هذه المرحلة الصحية الحرجة، علماً أن هذه المنطقة شهدت تحسناً ملحوظاً في الصحة وارتفاعاً في متوسط الأعمار خلال العقد المنصرم، ولكن التوترات الحاصلة مؤخراً ستؤدي الى تدهور الوضع الصحي في هذه الدول لسنوات عدة مقبلة.

وتابع قائلاً:

– لقد قام لبنان باتخاذ تدابير صحية متميزة أسهمت في ارتفاع متوسط العمر خلال العقدين المنصرمين، ولكن بالرغم من نجاحها في تحقيق تقدم ملحوظ لجهة معالجة بعض الأمراض مثل الولادة المبكرة وأمراض الجهاز التنفسي السفلي والتي جاءت كأثر سلبي للحرب الأهلية في لبنان، الا ان لبنان لا يزال يواجه تحديات كبيرة في اطار جهوده لمعالجة أمراض أخرى مثل السمنة والتدخين والصحة العقلية وتعاطي المخدرات، والتي قد يؤدي الفشل في معالجتها الى عواقب وخيمة.

وعن الدراسة حول آسيا والشرق الأوسط يشرح الدكتور مقداد:

– لقد شملت الدراسة 22 دولة في آسيا الوسطى والشرق الأوسط وشمال افريقيا في الفترة ما بين 1990 و 2013، وهي مبنية على نتائج دراسة العبء العالمي من الأمراض والاصابات وعوامل الخطر التي نسقها <معهد مقاييس الصحة والتقييم>. وتعتبر هذه الدراسة الأكثر شمولية لقياس مستويات وتوجهات الوباء في العالم، وذلك في ظل مشاركة أكثر من 1800 مساهم من 124 دولة… كما وجدت الدراسة المنشورة في مجلة <لانسيت> الصحية ان الأمراض المزمنة مثل أمراض القلب والسكري تشكل عبئاً أكبر على الصحة في المنطقة من الأمراض المعدية مثل أمراض الاسهال والسل وغيرها. كما وتعد بعض الأمراض كأمراض القلب، والسكري، والاكتئاب، ومرض الانسداد الرئوي المزمن من الأسباب الرئيسية للعبء الصحي في لبنان في العام 2013، ففي حين انخفضت المشاكل المتعلقة بأمراض القلب بنسبة 20.7 بالمئة منذ العام 1990، ازدادت أعباء مرض السكري بنسبة 37.8 بالمئة.

 

انخفاض معدل الامراض المعدية في المنطقة

وبالسؤال عن انخفاض معدل الأمراض المعدية يقول:

– لقد انخفض معدل الأمراض المعدية والاضطرابات المتعلقة بالأمومة وحديثي الولادة والتغذية في المنطقة من 109 ملايين الى 73 مليوناً خلال السنوات الممتدة من 1990 الى 2013، بما يتوافق مع ما يحدث في العالم. ويذكر ان نقص الوزن لدى الأطفال يعتبر من أكبر المخاطر الصحية التي تنتشر في الدول المنخفضة الدخل مثل الصومال وأفغانستان واليمن، فيما تشكل الأمراض غير المعدية أكبر المخاطر الصحية في الدول العالية والمتوسطة الدخل.

وعن ارتفاع متوسط العمر يقول:

– بشكل عام ارتفع متوسط الأعمار من 65 سنة في العام 1990 الى 71 سنة في العام 2013، مما يعتبر مؤشراً على تقدم عام في المنطقة، فعلى سبيل المثال ارتفع متوسط أعمار الرجال في لبنان من 65 الى 77 سنة، فيما ارتفع لدى النساء من 71 الى 80 سنة خلال الفترة الزمنية ذاتها. وتبين ان لدى قطر أعلى متوسط أعمار في المنطقة حيث وصل الى 81 سنة لدى الرجال و83 سنة لدى النساء، ولكن لم تكن النتائج مماثلة في الدول كافة خصوصاً في المناطق المنكوبة بالنزاع.

 

الثورات في سوريا واليمن

ومصر وتونس أدت الى انخفاض متوسط الاعمار

 

ويتابع:

– لقد تسببت الثورات في سوريا واليمن ومصر وليبيا وتونس بانخفاض متوسط الأعمار منذ سنة 2010. وبشكل محدد كان متوسط الأعمار في سوريا أعلى بست سنوات قبل الحرب، كما وشهدت سوريا ارتفاعاً في معدلات وفيات الأطفال والأمهات، وهي الدولة الوحيدة التي تعاني من ارتفاع معدلات الوفيات في المنطقة.

كذلك ارتفعت مشاكل الصحة النفسية وتعاطي المخدرات في لبنان بشكل كبير منذ سنة 1990 وتسببت بعدد أكبر من الوفيات. ففي لبنان يأتي الاكتئاب والقلق وتعاطي <الأفيون> من أولى عشر مسببات للمشاكل الصحية التي تؤدي للوفاة، وقد ارتفع معدل الاكتئاب بنسبة 24.4 بالمئة منذ سنة 1990، وارتفع القلق بنسبة 9.6 بالمئة، اما تعاطي <الأفيون> والذي أنذرت نسبته بالخطر فبلغت 73.6 بالمئة.

وبالسؤال عما اذا كانت الدول المعنية تواجه هذا الارتفاع بمعدل الاصابة بالأمراض غير المعدية يقول:

– للأسف لم تبادر معظم هذه الدول لمواجهة هذا الارتفاع بأي استثمار في الوقاية منه حيث تغض وزارات الصحة المحلية والمؤسسات الدولية او أنظمة التأمين البصر عن هذه المشكلة، فيما يتطلب هذا الارتفاع في معدلات الاصابة بالأمراض غير المعدية والتحديات الناتجة عن تدهور الصحة النفسية وتعاطي المخدرات بلورة توجهات وتوفير مهارات وجهود وقائية جديدة، ويتوجب على الدول الاستثمار في البنية التحتية الصحية وأنظمة المعلومات على الفور لتجنب تدني الوضع الصحي الى الأسوأ في المستقبل، ولن يكون تأثير هذه الاستثمارات مقتصراً على المنطقة فحسب بل سيمتد تأثيرها على العالم أجمع. وتشكل اصابات حوادث السير عاملاً مثيراً للقلق إذ أنها السبب الرئيسي لخسارة الأرواح او التعرض لاعاقات دائمة في الدول العالية الدخل حيث تفيد التقارير أن هذا التوجه يحمل عواقب اقتصادية وخيمة، لأن الرجال في هذه المنطقة من العالم هم المعيلون الرئيسيون للأسرة، أما في الدول المنخفضة الدخل حيث تشكل هذه الاصابات مصدر قلق كبير، فغالباً ما تصبح العائلات فقيرة بسبب فقدانها مصدر دخلها.

واختتم الدكتور مقداد حديثه قائلاً:

– كما ويشير تقرير الصحة في فترات عدم الاستقرار في منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط بين عامي 1990و2013 ــ تحليل منهجي لدراسة عبء الأمراض العالمي، الى التحديات البيئية في المنطقة حيث أدى التغير في المناخ الى ارتفاع درجات الحرارة ومن المتوقع ان يصبح جزء كبير من المنطقة غير قابل للسكن في المستقبل، وبالاضافة الى ذلك يشكل شح المياه تهديداً رئيسياً على الأمن في العديد من دول منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط.

يشار في هذا المجال الى ان الدراسة شملت بالاضافة الى لبنان دولاً أخرى مثل مصر والبحرين وجيبوتي والعراق والأردن والمملكة العربية السعودية والكويت وجمهورية ايران الاسلامية وليبيا والمغرب وعمان وباكستان وفلسطين وقطر واليمن والصومال والسودان وسوريا وتونس والامارات العربية المتحدة وأفغانستان.