20 November,2018

التفاؤل بتاريخ «23 أيلول » لانتخاب الرئيس... في غير محله والرهان على تفاهم سعودي - إيراني ينتظر اجتماع نيويورك!

11 عندما حدد رئيس مجلس النواب نبيه بري يوم الثلاثاء 23 أيلول/ سبتمبر الجاري موعداً للجلسة الثانية عشرة لانتخاب رئيس جديد للجمهورية، تفاءل السياسيون في لبنان من التاريخ لأنه كان منذ الاستقلال وحتى بدء تطبيق اتفاق الطائف، الموعد التقليدي لانتهاء ولاية رؤساء الجمهورية بعد الاستقلال، من الرئيس الراحل بشارة الخوري الى الرئيس أمين الجميّل الذي كان آخر رئيس تسلّم الأمانة الرئاسية يوم 23 أيول/ سبتمبر بعد انتهاء عهد الرئيس الراحل الياس سركيس وبعد اغتيال شقيقه الرئيس الشهيد بشير الجميل، وتعذّر تسلّمه مهامه الدستورية. وبعد الرئيس الجميل، وقعت البلاد في عقدة الحكومتين العسكرية برئاسة العماد ميشال عون و<المدنية> برئاسة الدكتور سليم الحص، الى أن كان اتفاق الطائف، الذي استشهد أول رئيس في ظله هو الشهيد رينيه معوض، ليخلفه الرئيس الراحل الياس الهراوي يوم 23 تشرين الثاني/ نوفمبر والذي سلم الأمانة بعد تسع سنوات رئاسية (6 سنوات + 3 تمديد) في اليوم نفسه الى الرئيس إميل لحود الذي غادر قصر بعبدا بعد تسع سنوات من دون أن يسلّم من يخلفه، الى أن كان مؤتمر الدوحة وانتخاب الرئيس ميشال سليمان يوم 25 أيار/ مايو 2008 والذي غادر القصر من دون خليفة له بعد ست سنوات.

وفيما تمنى الكثيرون أن يكون تاريخ 23 أيلول/ سبتمبر فأل خير على الاستحقاق الرئاسي ويكون بداية ولاية الرئيس الثالث عشر للجمهورية، استبعدت مصادر مواكبة للحراك الرئاسي حصول الانتخابات في هذا الموعد، معتبرة أن الجلسة الثانية عشرة ستكون مثل سابقاتها لأن <الطبخة الرئاسية> لم تنضج بعد لا في الداخل ولا في الخارج، وسط حديث يتنامى عن ان الاستحقاق الرئاسي مؤجل الى ما بعد شهر تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل ريثما تتبلور سلسلة معطيات لم تتوافر لها بعد حظوظ النجاح مع تراجع في <حماسة> العاملين على الملف الرئاسي في عدد من دول القرار التي أعطت الأولوية في الوقت الراهن لتوحيد جهودها في مواجهة تمدد التنظيمات الإرهابية مثل <داعش> و<جبهة النصرة>، وأرست تحالفات جدية لمحاربة هذه التنظيمات سياسياً وعسكرياً واقتصادياً، ولعل الغارات الأميركية المتكررة على مواقع تمركز <داعش> في الأراضي العراقية خير دليل على أولويات التوجه الدولي.

وينطلق المتابعون للملف الرئاسي في تأكيدهم ان الانتخابات الرئاسية لن تتم في المدى المنظور، من جملة معطيات داخلية وخارجية تتقاطع كلها لتصب في منحى التأجيل المفتوح.

بري المنزعج وجنبلاط المُحبَط

على الصعيد الداخلي، يتحدث المتابعون عن توقف <محركات> الرئيس نبيه بري بشكل كامل بعدما كان قد أطلقها بقوة قبل أسبوعين، وذلك بعدما بلغته <أصداء> اعتراض مسيحيي 14 آذار وعدد من المستقلين (وقيل أيضاً البطريرك الماروني) على التحرك الذي قام به النائب وليد جنبلاط والأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله في محاولة لإيجاد حل للأزمة الرئاسية يؤدي الى انتخاب رئيس للجمهورية ويملأ الفراغ الذي دخل شهره الرابع. وترجم الرئيس بري <انزعاجه> بأن غادر لبنان في إجازة خاصة تاركاً للمعترضين الساحة، مع يقينه بأنهم لن يفعلوا شيئاً.

ولم يكن النائب جنبلاط بعيداً عن توجه الرئيس بري فهو بدوره أصيب بـ<الإحباط> بعد المواقف التي صدرت وانكفأ عن القيام بأي تحرك رئاسي وغادر الى القاهرة لسبر أغوار التطورات الإقليمية التي تشهدها دول المنطقة، تاركاً الاستحقاق الرئاسي في <الثلاجة> لاسيما وأن سعيه لتمرير <الرئيس الانتقالي> أحبط وهو لا يزال <برعماً>. وبدا جنبلاط في انتظار ما يمكن أن يستجد من معطيات  خارجية لأنه <اقتنع> بأن الصناعة الرئاسية الوطنية لن تبصر النور نتيجة تصلب الأطراف على مواقفهم وعدم إحداث أي ثغرة في الجدار الصلب الذي يمنع حصول الانتخابات الرئاسية.

اتهامات جعجع تعطل مبادرة 14 آذار

في غضون ذلك، بدت المواقف الداخلية على حالها مع استمرار غياب الرئيس الحريري عن بيروت وانتظار عودته، وعدم تحقيق مبادرة 14 آذار أي نتائج إيجابية بعد توالي رفضها من فريق 8 آذار عموماً، وفريق العماد عون خصوصاً وسط تبادل الاتهامات بين الطرفين، وصولاً الى اتهام رئيس <القوات اللبنانية> الدكتور سمير جعجع في ذكرى شهداء القوات، <الفريق الآخر> بارتكاب <جريمة سياسية كاملة> من خلال سعيه الى قطع رأس الجمهورية بهدف التربع على رأسها، والى أخذ البلد رهينة بهدف الحصول على موقع الرئاسة كـ<فدية>. وربط جعجع بين إفراغ الجمهورية اللبنانية من رئيسها المسيحي، في وقت يتم إفراغ الموصل وسهل نينوى من المسيحيين. وفيما دعا جعجع الى إنقاذ الجمهورية <قبل أن تصبح في خبر كان>، كرّر اتهامه لـ<البعض> بتحويل الدستور الى حبر على ورق، وبمقاطعة الانتخابات الرئاسية <لأن محاولاته لإيصال مرشحه المضمر باءت بالفشل لا أكثر ولا أقل، وبعدما زادت عليه الضغوط من كل حدب وصوب، خصوصاً من الكنيسة، فذهب الى اختراع المطالبة بتعديل المادة 49 من الدستور ليصبح انتخاب الرئيس مباشرة من الشعب>.

واعتبرت المصادر المواكبة للتحرك الرئاسي أن مواقف الدكتور جعجع وضعت مبادرة 14 آذار السياسية في حكم الانتهاء لاسيما وأن الاتهامات التي ساقتها ضد العماد عون وحزب الله، ستحول دون أي تفعيل للمبادرة <الآذارية>، كما ستجعل من رغبة 14 آذار في التحاور مع عون وحزب الله في مضمون المبادرة، من دون فائدة مسبقاً ما يعني استطراداً أن وضعية <راوح مكانك> ستبقى هي الغالبة رئاسياً، لاسيما وأن الدكتور جعجع دعا الى تحرك يوازي التحرك الدولي لمواجهة <داعش>، وذلك من أجل <تحرير الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية من التعطيل والفساد والغش والتلاعب بمستقبل أولادنا>.

عشاء عون – <هيل> في عوكر

وسط هذه المعطيات، سُجّلت سياسياً مبادرة السفير الأميركي في بيروت <دايفيد هيل> الى دعوة العماد عون الى <عشاء عائلي> داخل السفارة الأميركية في عوكر حضره الوزير جبران باسيل وناديا زوجة العماد عون وكريماته، وكان للاستحقاق الرئاسي حصة من الحديث بعد سلسلة المبادرات التي طرحت لتأمين انتخاب رئيس جديد للجمهورية. وعلى الرغم من أن المصادر الديبلوماسية الأميركية لم تتحدث عن العشاء ولا عن المواضيع التي تم التطرق إليها خلاله، وكذلك فعلت الرابية، فإن المعلومات التي توافرت لـ<الأفكار> أكدت أن <الحوار> بين العماد عون والسفير <هيل> تطرّق الى <أفكار متقدمة> حيال الاستحقاق الرئاسي، لكنها لم تصل الى حد التفاهم على نقاط محددة، لاسيما وأن <الجنرال> جدد التأكيد على أهمية العبور من خلال الانتخابات الرئاسية الى شراكة مسيحية – إسلامية حقيقية وكاملة، في وقت يشهد فيه الوجود المسيحي في الشرق تراجعاً ملحوظاً، إضافة الى <الإبادة المنظمة> التي تتولاها القوى التكفيرية مثل <داعش> و<جبهة النصرة>.

وتحدث عون – وفقاً للمعلومات نفسها – عن <حقه الميثاقي> في أن يكون رئيساً للجمهورية لأنه يمثل الغالبية الكبرى من المسيحيين في مجلس النواب ومن خلال ترؤسه أكبر كتلة نيابية مسيحية، هي الثانية بعد كتلة <المستقبل>. وفي هذا السياق، قال عون للسفير <هيل> انه يستغرب استمرار اتهامه بتعطيل الانتخابات الرئاسية ومحاولة تحميله هذه المسؤولية، علماً أنه يحظى بتأييد 58 نائباً من مختلف الطوائف، في حين لا يحظى أي مرشح آخر، معلَناً كان أم غير مُعلن، بهذه النسبة من الأصوات، فأي منطق يقول بتجاهل إرادة هؤلاء النواب وما يمثلون سياسياً وعلى أرض الواقع؟

واستطرد قائلاً: <إذا كان في الإمكان إجراء الانتخابات الرئاسية من دون هؤلاء النواب الـ58 فافعلوها.. وإذا عجزتم عن ذلك، احترموا إرادة النواب، علماً أن ثمة نواباً آخرين من <الوسطيين> و<الحياديين> سينضمون حتماً الى النواب الـ 58 ولن يكون من الصعب الوصول الى العدد 65 الذي يحتاجه المرشح للفوز>.

وتضيف المعلومات المتوافرة لـ<الأفكار> أن العماد عون أكد في معرض حديثه على <التوجه الميثاقي> الذي يحكم تصرفاته وخياراته، لافتاً الى أنه لم يتحدث يوماً منذ بدء الاستحقاق الرئاسي عن رفضه لاتفاق  الطائف أو سعيه لتعليق العمل فيه من خلال الممارسة، لا بل إنه حرص في اقتراح القانون الذي قدمه على التأكيد على أن التعديل يشمل فقط آلية انتخاب الرئيس ولا يمس صلاحياته أو صلاحيات غيره، لأن مسألة صلاحيات رئيس الجمهورية في ظل الطائف لا تزال موضع تشاور ونقاش لم ينضجا بعد، وهو – أي عون – لم يقدم اقتراحه لـ<المقايضة> لأنه ليس من أنصار <المقايضة> في أي من المسائل الأساسية مثل الانتخابات الرئاسية. وبدا <الجنرال> من خلال حديثه على <استعداد دائم> لمتابعة الحوار مع الرئيس الحريري في المواضيع السياسية والأمنية و<الخطر التكفيري> خصوصاً، لأن البديل عن هذا الحوار ليس سوى المزيد من انكشاف الداخل أمام خطر الإرهابيين الذي يستهدف الاعتدال السني الذي يمثله تيار <المستقبل> بالتزامن مع استهدافه المسيحيين، وربما أكثر. وأضاف العماد عون انه <منفتح> على كل أشكال الحوار البنّاء والهادف، لكنه لم يسمع الا الشتائم والتشكيك والاتهامات بالتفرد والشخصانية، فيما هو عندما يطرح نفسه مرشحاً رئاسياً يدرك تماماً أنه سيكون <رئيساً قوياً وتوافقياً> في آن، لأن لبنان لا يُحكم إلا بالتوافق والحوار والشراكة الكاملة، فهل المطلوب أن يكون الرئيس العتيد ضعيفاً ليكون مقبولاً من الشركاء في الوطن؟ وأي <شراكة> تتحقق بين <ضعيف> و<أقوياء>؟

الحوار السعودي – الإيراني

ولأن المعطيات الداخلية لم تحمل جديداً سوى الاتفاق بين العماد عون والسفير <هيل> على لقاء آخر لاستكمال البحث، فإن المصادر المواكبة للتحرك الرئاسي أشارت الى ان المعطيات الخارجية لم تؤشر الى تطورات جديدة، في وقت ظل فيه الحوار السعودي – الإيراني الذي بدأ في اللقاء الأخير بين مساعد وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبد اللهيان ووزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل، موضع متابعة من الأوساط السياسية والديبلوماسية في بيروت على الرغم من أن المعلومات تقاطعت من أن الملف الرئاسي اللبناني لم يكن في أولويات جدول الأعمال بين الطرفين، وأن الأمر لا يزال يحتاج الى مزيد من التشاور والنقاش، علماً أن القاسم المشترك الوحيد الذي جمع بين الرياض وطهران حول لبنان هو منع تعريضه لأي انفجار كبير تحت وطأة ما يجري في المنطقة، ما أفرز تفاهماً على ضرورة توفير <مظلة أمنية> تحمي الحد الأدنى من الاستقرار وتكون حكومة الرئيس تمام سلام الترجمة الحالية لها في انتظار تحقيق تقدم في الملف الرئاسي.

 

وكما كانت ردود الفعل التقييمية للحوار السعودي – الإيراني متناقضة، كذلك برز التباين إياه في التوقعات للمرحلة المقبلة من هذا الحوار وانعكاساته على الساحة اللبنانية، إذ حرصت 14 آذار على القول إن <تراجعاً إيرانياً> ظهر بوضوح في سياستها تجاه الدول العربية فرض عليها إعادة النظر في تموضعها للحد من خسائرها والتعاطي بـ<مرونة وبرغماتية> في العراق بعد التخلي عن دعم نوري المالكي. في حين رأت مصادر في 8 آذار ان من يراجع حساباته في مقاربة الملفات الساخنة الراهنة هي السعودية نتيجة تفلّت تنظيم <داعش> وغيره من التنظيمات الشقيقة من الضوابط التي كانت موضوعة لها، وتهديدها استقرار الدول العربية (غير سوريا) وتمددها على نحو غير مقبول. وهذا الواقع فرض على السعودية فتح حوار مع إيران وصولاً الى حد التفاهم على سبل مواجهة <الانفلاش الداعشي>. إلا أن مصادر 8 و14 آذار تلتقي على القول إن الحوار السعودي – الإيراني أحدث <ارتياحاً محدوداً> على الساحة اللبنانية والغموض الذي يكتنف نتائج هذا الحوار، يساعد في استمرار الرهان عليه ويحد من ردود الفعل المتشنجة ويدفع الى التعاطي <بواقعية> أكثر مع مسار الأحداث.

22

ولعل ما زاد في <التفاؤل> من الحوار السعودي – الإيراني، ما كشفه مصدر ديبلوماسي معني من أن المسؤول الإيراني عبد اللهيان سيزور بيروت ودمشق قريباً لوضع المسؤولين فيهما في صورة المحادثات الإيرانية – السعودية، ويسعى لبنانياً الى إقناع  الأطراف اللبنانيين بأهمية تحصين الوضع الداخلي والتشجيع على الحوار والتواصل للتفاهم على الاستحقاقات الداخلية، لاسيما وأن مروحة لقاءات عبد اللهيان ستكون واسعة لتشمل مرجعيات رسمية وسياسية وروحية.

إلى نيويورك… درّ!

وفي رأي المصادر المتابعة أن مفاعيل التقارب السعودي – الإيراني قد تتأخر في الظهور على الساحة الرئاسية اللبنانية، لاسيما وأن الملف اللبناني هو في عهدة وزير الخارجية الأمير سعود الفيصل الذي تقول المعلومات انه لا يزال على موقفه حيال مقاربة الاستحقاق الرئاسي اللبناني من خلال <الرئيس التوافقي> الذي يعني عملياً استبعاد <المرشحين الأقوياء> وفي مقدمهم العماد ميشال عون، وان أي بحث جدي حول الملف الرئاسي متروك للقاء المتوقع بين الأمير سعود الفيصل ونظيره الإيراني محمد جواد ظريف، والذي قد يتم على هامش اجتماعات الجمعية العمومية للأمم المتحدة في نيويورك ابتداءً من 21 أيلول/ سبتمبر الجاري والتي سيشارك فيها أيضاً الرئيس الإيراني الشيخ حسن روحاني والذي تتحدث المعلومات عن إمكان لقائه الرئيس الأميركي <باراك أوباما> في نيويورك.