13 December,2019

التعيينات لن تُبت قبل ”التوافق“ على مسارها فهل تكون ”سلة واحدة“ أم تتم بالتقسيط؟!

 

مع معاودة مجلس الوزراء لجلساته الأسبوعية على أثر الانتهاء من إقرار مشروع موازنة العام 2019، وبعد اللقاء ــ المصارحة الذي جمع رئيس الجمهورية العماد ميشال عون برئيس مجلس الوزراء سعد الحريري بعد عودته من إجازة عيد الفطر المبارك، عاد الحديث بقوة الى موضوع التعيينات التي تعتبر الاستحقاق الأبرز أمام الحكومة بعد إنجاز الموازنة… ولعل ما أكسب ملف التعيينات أهمية خاصة، هو الحديث الذي تنامى عن ان هذا الملف هو أحد أسباب التوتر بين تيار <المستقبل> ورئيسه، وبين <التيار الوطني الحر> ورئيسه الوزير جبران باسيل، في وقت تبدو فيه كثيرة النقاط التي يختلف عليها القطبان الفعليان لما يعرف بـ<التسوية> السياسية، وهما الرئيس الحريري والوزير باسيل، علماً ان ثمة من يعتبر ان <الحصان> الثالث والأكثر فعالية كان المدير السابق لمكتب الحريري السيد نادر الحريري الذي ابتعد عن الرئيس سعد الحريري بعد عودته من السعودية في تلك الرحلة الشهيرة في تشرين الثاني (نوفمبر) 2017 وما رافقها من ملابسات.

إلا ان عودة البحث في ملف التعيينات تحتاج الى مناخات هادئة و<هدنة> طويلة الأمد ليصار الى انضاج <طبخة> التعيينات التي وضعت على نار حامية وباتت على كل شفة ولسان، ومثل هذا المناخ لا يمكن أن يتأمن إذا ظلت التجاذبات على حالها بين الأطراف السياسيين إذ لا يكفي أن يعلنوا في وسائل الإعلام <ضرورة طي صفحة الماضي> و<الخروج من عنق الزجاجة> و<تغليب المصلحة الوطنية> على ما عداها، وغيرها من الشعارات التي أُغرقت الحياة السياسية بها منذ ما يزيد عن بضعة شهور.

خياران يتجاذبان أركان القرار

المراجع الرسمية التي تتابع ملف التعيينات كشفت عن وجود خيارين يتجاذبان المسؤولين لمعالجة قضايا الشغور التي أصابت عملياً غالبية الادارات والمؤسسات العامة. الخيار الأول يقول بأن تتم التعيينات دفعة واحدة أي سلة واحدة توضع فيها كل المراكز الشاغرة ويتم التوافق على توزيعها طائفياً ومذهبياً حتى تنجز هذه المهمة، التي لا تلقى اجماعاً وزارياً إلا انها تبقى الأفضل إذا ما أريد اقفال ملف الشواغر وعدم <جرجرة> المواضيع والملفات ومعها الخلافات الى إشعار آخر. غير ان هذا الخيار له محاذيره، كما تقول أوساط رسمية لها صلة برئيس الجمهورية، التي تكشف عن سلسلة مخاوف لدى الرئيس الحريري في عدم الوصول الى تفاهم على <السلة> كلها، علماً ان ثمة من يذكّر الرئيس الحريري ان والده الرئيس الشهيد رفيق الحريري توافق مع الرئيس الراحل الياس الهراوي على إجراء تعيينات ضمن سلة واحدة أنجزت في جلسة واحدة وتم فيها ملء أكثر من113 موقعاً شاغراً في مختلف الادارات… ويلاقي خيار <السلة> دعماً من الوزير باسيل الذي خاطب الوزراء على أساس المبادرة الى تقديم أسماء مرشحين لوظائف الفئة الأولى المعنية بالتعيين لدرسها وإحالتها الى الأمانة العامة لمجلس الوزراء. إلا ان حماسة المعنيين لم تكن على مستوى واحد، وأبرز هؤلاء الرئيس الحريري الذي لم <يتحمس> كثيراً لئلا يؤدي التسرع الى عدم الاتفاق على موقع معين، فتتجمد المواقع الأخرى وتبقى البلاد تدور في الدوامة إياها.

أما الخيار الثاني فيقضي بأن تتم التعيينات على دفعات بحيث كلما تحقق التوافق على مرشحين لملء مراكز شاغرة، يصار الى الانتقال الى ادارات أخرى… وهكذا دواليك الى أن يتم اقفال الملف بصورة كاملة. وفي اللقاء الذي جمع الرئيسين عون والحريري بداية الأسبوع الماضي، ثم التطرق الى ملف التعيينات من دون الدخول بالأسماء، وكان الرأي متفقاً على أهمية انجازها لانتظام العمل الاداري في البلاد. غير ان اعتماد خيار <التقسيط> في ملء الشواغر، يتحفظ عليه الوزير باسيل الذي يعتبر ان <تقسيط> التعيينات سوف يفتح الباب أمام <بازار> تكثر فيه المطالب بحيث يصبح من المتعذر تلبيتها كلها، فضلاً عن دخول الوزراء ممثلي الأحزاب على الخط للتعاطي في هذا الملف وغيره من خلال طرح شروط تقابلها شروط مضادة، فيعود الملف الى نقطة الصفر الموجود حالياً عليها.

 

<لغم> آلية التعيينات!

وترى مصادر رسمية وأخرى ادارية ان حسم مجلس الوزراء أي من الخيارين سيعتمد، لا يسقط <لغماً> آخر وضع أمام التعيينات يتعلق بمطالبة عدد من الأفرقاء السياسيين، ولاسيما منهم <القوات اللبنانية> بتطبيق الآلية التي اعتمدت سابقاً والتي تنص على الاعلان عن المركز الشاغر وقبول طلبات <مرشحين> عليه يمثلون أمام لجنة مؤلفة من وزيرة التنمية الادارية مي شدياق ورئيسة مجلس الخدمة المدنية القاضية فاطمة الصايغ عويدات والوزير المختص المسؤول عن المركز الشاغر، لاختيار ثلاثة أسماء منهم تعرض على مجلس الوزراء لاختيار أحدها بعدما تكون تحددت هويته الطائفية والمذهبية. وهنا تكمن عقدة أخرى لا تقل أهمية عن العقد السابقة، وهي مرتبطة بتوزيع الطوائف والمذاهب على الوظائف. وفي هذا السياق، تقول المصادر نفسها انه على رئيسي الجمهورية والحكومة والوزراء ان يتفقوا عما إذا كان سيحصل تبديل في مذاهب المعينين في الوزارات أم سيعتمد التوزيع الطائفي نفسه الذي اعتمد في تعيينات العام 1992 والذي لا يزال ساري المفعول حتى يومنا هذا، باستثناء بعض التعديلات التي حصلت خلال الأعوام الماضية لأسباب طارئة فرضتها متغيرات سياسية برزت بعد انتخابات رئاسة الجمهورية في العام 1998 وهي مستمرة الى الآن. وتكشف المصادر نفسها عن محاولات جرت لتحقيق توزيع طائفي (ومذهبي) جديد على المراكز الشاغرة، وبعد الاتفاق عليه يتم <اسقاط> الأسماء سواء من خلال لجنة الآلية أو من خلال التوافق داخل مجلس الوزراء الذي تحضّر عناوينه عادة قبيل موعد انعقاد جلسة مجلس الوزراء.

وإذا كان ثمة من يسمي <التوافق المسبق> بأنه <محاصصة>، فإن ثمة من يرى ان آفة <المحاصصة> لن تغيب عن التعيينات حتى ولو أجريت بواسطة لجنة الآلية، التي أثبتت التجارب منذ ولادتها انها كانت غطاء لـ<المحاصصة> والاتفاق بين رؤساء الأحزاب والكتل النيابية، لاسيما تلك التي كانت تعلن جهارة ان هذا الموقع هو <لها> ومن حقها أن تختار من يشغله بصرف النظر عن كفاءاته أو خبرته. من هنا، فإن ثمة من يرى ان ملف التعيينات، لن يكون بالسهولة التي يروّج لها البعض بل ان الحكمة تقضي بمقاربة هذا الأمر بموضوعية وواقعية لعدم الوقوع في المحظور، لأن النظام الطائفي السائد في البلاد يبقى الأقوى خصوصاً في هذه المرحلة التي تشتد فيها مشاعر التعصب وتقوى النزعة الى الاستئثار بـ<المكاسب> في ادارات الدولة ومؤسساتها. ويعتبر المطلعون ان القاعدة التي اعتمدت بداية في العام 1992 حيث كان توزيع مراكز الفئة الأولى <مدوزناً> على ايقاع حزبي وطائفي، لا تزال لها الغلبة مهما قيل عن اعتماد <الشفافية والخبرة والكفاءة ونظافة اليد> وغيرها من الشعارات التي تصلح عناوين لخطب سياسية لكنها لا تصلح حتماً لمقاربة ملف التعيينات… في الوقت الراهن على الأقل!

 

<الترويكا> لم تعد ثلاثية…!

وفيما يترحم البعض على زمن <الترويكا> التي نشطت بعد <اتفاق الطائف>، يرى ان الظروف الراهنة جعلت <الترويكا> الرئاسية نواة حالة أكبر بكثير من حالة <الترويكا> لأن رؤساء الأحزاب والكتل لن يرتأوا بعد اليوم أن يكون قرار التعيينات في يد رئيس الجمهورية <لاختيار المسيحيين> ورئيس مجلس النواب (لاختيار الشيعة) ورئيس الحكومة (لاختيار المسلمين السنة)، بل يريدون أن يكونوا <شركاء> بكل ما في الكلمة من معنى في اختيار كبار موظفي الدولة كي يمارسوا عليهم ــ بعد تعيينهم ــ <وصاية> مباشرة تراعي مصالح السياسيين الذين أتوا بهؤلاء الموظفين. وأبرز هؤلاء <الشركاء> الجدد مع <الترويكا> الرئاسية، يبرز رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب والوزير السابق وليد جنبلاط، ورئيس القوات اللبنانية سمير جعجع الذي مهّد للحصول على حصته من التعيينات بالتمسك بالمطالبة باعتماد آلية اختيار المرشحين معتبراً ان هذا الخيار هو <مثالي> وان <القوات> سوف تصرّ على اعتماده عند طرح التعيينات وسوف تسعى الى ايجاد <لوبي> داخل مجلس الوزراء يعطّل أي تجاوز لمسألة الآلية سواء أتى <التعطيل> من <التيار الوطني الحر> أو من تيار <المستقبل>، علماً ان أي تعيين في وظائف الفئة الأولى أو ما يعادلها في مجلس الادارة والمصالح المستقلة، يحتاج الى غالبية الثلثين في مجلس الوزراء أي 20 وزيراً من أصل 30، وليس في مقدور <التيار الوطني الحر> و<المستقبل> (إذا تحالفا) أن يؤمنا الوزراء العشرين ما لم تحصل تبدلات تعيد هذا الملف الى الواجهة وربما الى نقطة الصفر. لذلك <تنصح> مراجع معنية بعدم الاكثار من الحديث عن مسار التعيينات، لأن ذلك يفرض حالة قد يصعب الخروج منها، وهي مليئة في أي حال بـ<الأفخاخ> و<الألغام>!