24 July,2019

التعــاون بين الأجـهــزة الأمـنيــة لا التـنافـــس الإعلامـــي يثبّت الأمــن والاستقــرار ويمنـع التجـاوزات ويعيـد الثقــة!

 

<قد أتساهل في أمور كثيرة مختلف عليها… ما عدا الأمن والاستقرار… فلن أتساهل مع أي جهة، سياسية كانت أم غير سياسية، لبنانية أو غير لبنانية، تعمل على المساس بالأمن الذي تنعم به البلاد منذ إنهاء حرب <فجر الجرود> وتنظيف الحدود من الارهابيين>.

بهذا الكلام واجه رئيس الجمهورية العماد ميشال عون بعض الذين أتوا الى قصر بعبدا يسألونه عن <الفلتان الأمني> الذي تروّج له بعض الأبواق من خلال وسائل التواصل الاجتماعي أو النشرات الالكترونية مستغلة حوادث فردية تقع من حين الى آخر على خلفيات شخصية أو ظرفية.

وينطلق الرئيس عون في تأكيده على أهمية المحافظة على الاستقرار في البلاد من معطيات عدة، أبرزها استعادة لبنان لحضوره على الساحتين الاقليمية والدولية بحيث بات يستضيف على أرضه عشرات المؤتمرات الدولية التي تستقطب شخصيات في مجالات الطب والقانون والهندسة وغيرها من الاختصاصات وتزدحم بهم صالات الفنادق وغرفها، وكذلك الحضور المتوقع لأبناء دول الخليج لتمضية فصل الصيف في الربوع اللبنانية، خصوصاً بعد رفع الحظر السعودي عن زيارة لبنان، وقرب اعلان دولة الإمارات العربية المتحدة قراراً مماثلاً خلال الأيام القليلة المقبلة. وتشير الأرقام الى مجيء سياح أوروبيين في رحلات منظمة الى لبنان، فضلاً عن إعادة ادراج اسم لبنان على الخريطة السياحية الدينية.

 

أمن الضاحية ليس ذاتياً!

في مواجهة هذه الثقة المتجددة بلبنان وعودته مقصداً سياحياً، يعمل البعض على <تشويه> الصورة انطلاقاً من حوادث فردية كان آخرها اطلاق مسلحين النار على أحد المطاعم في الضاحية الجنوبية من بيروت على خلفية ارغام صاحب المطعم على دفع خوات لمجموعة من الشبان الذين يفرضون خوات على أصحاب المتاجر والمطاعم والمؤسسات من دون أن تكون لهم تغطية سياسية بدليل ان الأجهزة الأمنية اعتقلت المتهمين بارتكاب اطلاق النار ولم يطالب أحد باطلاقهم أو بـ<الاهتمام> بهم في مكان توقيفهم الذي حصل بعد ساعات قليلة من ارتكابهم حادثة اطلاق النار وترويع المواطنين الآمنين، وقد أتت سرعة توقيف الفاعلين بعدما تمكنت مديرية المخابرات في الجيش من تحديد مكان وجودهم وتم القبض عليهم. وتبرز أهمية هذه العملية الأمنية ليس من حيث توقيف مطلقي النار وحسب، بل من حيث مكان حصولها أي الضاحية الجنوبية من بيروت حيث يسود انطباع ان حزب الله يسيطر أمنياً على احيائها ويفرض <أمنه الذاتي> عليها ويمنع القوى الأمنية الشرعية من التحرك فيها… وقد أظهرت الوقائع أن لا محظورات حزبية على تحرك القوى العسكرية، وخصوصاً الجيش، عندما يمس الأمر أمن المواطنين وسلامتهم، أو حين يكون التعاطي مع مروجي المخدرات أو محترفي السرقة أو فارضي الخوات الذين سجل في الآونة الأخيرة تزايد اعدادهم ما جعل الأجهزة الأمنية تلاحقهم، وقد تمكنت مخابرات الجيش منذ مطلع السنة الجارية من توقيف 63 منهم في الضاحية والبقاع والشمال، ويتبين من لائحة الموقوفين في الضاحية والبقاع انها تضم أسماء كبيرة بعضها كان عصياً عن الملاحقة أو التوقيف في الماضي.

وفيما تسجل مصادر عسكرية وقوف الأحزاب والتنظيمات الحزبية على الحياد في المواجهة القائمة بين القوى الأمنية والمطلوبين للعدالة او مرتكبي الجرائم، ترى في المقابل ان جهد الأجهزة الأمنية وحده لا يكفي إذا لم يتكامل مع الأحكام التي يصدرها القضاء بحق المرتبكين، وهو ما أشار إليه الرئيس عون في الكلمة التي وجهها لمناسبة عيد قوى الأمن الداخلي الـ158 في 9 حزيران (يونيو) الجاري. وفي هذا السياق تقول مصادر أمنية ان الأحكام القضائية التي تصدر عن المحاكم اللبنانية لا تتناسب في أحيان كثيرة مع حجم الجريمة المرتكبة، ما يشجع الفاعلين على تكرار جريمتهم بعد انقضاء محكوميتهم ما دامت العقوبة <سهلة>… لذلك كانت مطالبة الأمنيين القضاة بالتشدد في اصدار أحكامهم لئلا تذهب جهود الأجهزة الأمنية هباء، لاسيما بعدما أصبحت المناطق اللبنانية كلها مفتوحة أمام القوى العسكرية والأمنية وتم رفع الغطاء الحزبي عن المرتكبين والمطلوبين الذين تلقوا النصح مراراً بالكف عن القيام بأعمال تسيء الى الاستقرار والأمان والى المواطنين وممتلكاتهم وراحتهم، علماً ان لا تساهل بعد اليوم مع أي كان في ما يخص الأوضاع الأمنية.

تعاون الأجهزة أساسي!

 

غير ان ثمة من يرى ان العامل الأهم في المحافظة على الاستقرار هو في تعاون الأجهزة الأمنية بعضها مع البعض الآخر، لا في التنافس على تحقيق انجاز أمني لجهاز ما على حساب جهاز آخر، لأن عدم التعاون والتنسيق يعرض سلامة العسكريين أولاً ثم سلامة الناس ثانياً للخطر ويزيد من اهتزاز الوضع الأمني، وبالتالي يؤدي الى خسارة كل ما تحقق في هذا المجال. من هنا كان التشديد على أهمية تبادل المعلومات من جهة، وتنسيق المهمات الأمنية من جهة أخرى، وتفعيل غرفة العمليات المشتركة التي وعدت وزيرة الداخلية والبلديات السيدة ريا حفار الحسن بعد اجتماع مجلس الأمن المركزي بتكثيف الاجتماعات المشتركة بين المسؤولين في القوى الأمنية من أجل ذلك. وتروي مصادر حكومية ان معالجة الخلل الذي حصل في العلاقة بين جهازين أمنيين فاعلين، أدت الى إعادة التواصل بين الجهازين، لكن ذلك لا يزال خجولاً ويحتاج الى مزيد من الجهد لمنع أي انتكاسة اضافية في العلاقة بين المسؤولين الأمنيين الذي ترك خلافهم أثراً سلبياً عميقاً.

إلا ان ثمة من يرى في المقابل ان الامكانات المتوافرة لجهاز أمني معين تفوق بكثير تلك المتوافرة للجهاز الأمني الآخر، وربما للأجهزة الأمنية الأخرى مجتمعة، الأمر الذي أحدث تفاوتاً في الامكانات انعكس سلباً على المهمات الأمنية من جهة، وعلى التجانس الذي يفترض أن يتحقق بين الأجهزة الأمنية من جهة أخرى، ما يفرض بالتالي على المسؤولين التنبه الى هذا الواقع وعدم تسهيل تمدده بل حصره في مكانه وإعادة العدالة والمساواة الى الأجهزة كافة لأن طبيعة مهام كل جهاز واضحة المعالم ومحددة بالقانون ولا حاجة لنصوص اضافية، بل الحاجة ملحة الى تعميم ثقافة التعاون بين الأجهزة، لا التنافر والتباعد والتسابق وإخفاء المعلومات عن بعضها البعض. ولقد كشفت الجريمة الارهابية التي وقعت في طرابلس ليلة عيد الفطر أهمية التنسيق بين القوى الأمنية لاسيما الجيش وقوى الأمن الداخلي، وباتت مثلاً يُحتذى في التعاون، لكن مثل هذا التعاون لا يتحقق في مجالات أخرى الى درجة ان بعض المتضررين بات يلعب على وتر تعزيز التباعد بين القوى الأمنية من خلال أحداث معينة أو ممارسات تفضي الى مزيد من الخطوات السلبية التي لا تخدم مصلحة الأمن

والاستقرار في البلاد.

وقد تداولت الأوساط الرسمية والسياسية في الأسبوعين الماضيين معلومات عن عدم تسليم الجيش المركز الثاني للتحكم بكاميرات المراقبة المنتشرة في بيروت، بعدما تم تسليم المركز الأول الى قوى الأمن الداخلي، والاستحصال على قرار من بلدية بيروت بوضع المركز الثاني في عهدة قوى الأمن أيضاً، خلافاً لما كان اتفق عليه لدى استحداث نظام مراقبة الكاميرات بتمويل من بلدية بيروت بلغت قيمته 36 مليون دولار. وفيما لم تتوافر معلومات دقيقة حول أسباب حجب المركز الثاني للمراقبة الذي يقع في الكرنتينا عن الجيش، قالت مصادر مطلعة ان رئيس الحكومة سعد الحريري فضّل أن يبقى المركزان في عهدة فرع المعلومات في قوى الأمن الداخلي، علماً انه منذ تقرر تركيب كاميرات في شوارع بيروت قبل عامين تم ربطها بغرفتي تحكم، الأولى في ثكنة الحلو في المزرعة، والثانية في مبنى للبلدية في الكرنتينا، على ان توضع الغرفة الأولى بتصرف قوى الأمن، فيما تكون الثانية تحت إشراف الجيش على أساس ان الجيش يتولى مع قوى الأمن الداخلي مهمة حفظ الأمن في بيروت، وينتشر في نقاط ثابتة وأخرى متحركة في معظم الشوارع لاسيما في المناطق التي توصف بـ<الحساسة>. وكان التوجه بأن تكون الغرفة الثانية لفوج الحرس في بلدية بيروت، إلا ان الرأي استقر على أن توضع في عهدة الجيش، الأمر الذي لم يتم ونشأ اشكال منذ أيام مع وزير الداخلية السابق نهاد المشنوق ولا يزال مستمراً حتى اليوم في انتظار ان تحسم الوزيرة الحسن المسألة ويتمكن الجيش من ممارسة دوره الأمني في العاصمة أسوة بما هو حاصل في المناطق اللبنانية كافة. وتقول مصادر وزارية معنية أن استبعاد الجيش عن مركز المراقبة في الكرنتينا وإبقاءه في عهدة فرع المعلومات في قوى الأمن يؤثر سلباً على معنويات الجيش الذي تتحمل قيادته مسؤولية الأمن في بيروت وتحتاج بحكم تلك المهام أن تكون لها <عيون> في كل شوارع العاصمة أسوة لـ<العيون> التي لقوى الأمن. وتنقل هذه المصادر ان البعض لا يريد ان يكون الأمن في بيروت شراكة بين الجيش وقوى الأمن لاعتبارات غير مألوفة، الأمر الذي يمكن أن يؤدي في حال الاصرار عليه الى إعادة النظر في انتشار الجيش في العاصمة لأن الوحدات العسكرية لا يمكن أن تبقى <مكشوفة>، فيما وحدات قوى الأمن قادرة على حماية مواقعها ودورياتها وعناصرها من خلال مراقبة شوارع العاصمة واستباق أي حادث أمني يمكن أن يقع فيها، أو تسهيل القبض على مرتكبي أي حادث مخل بالأمن من خلال متابعة المرتكبين بالصورة والصوت.

تجدر الإشارة الى ان وجود غرفتين للتحكم والمراقبة من خلال الكاميرات هو القاعدة المعتمدة في دول العالم بحيث تكون غرفة رئيسية وثانية احتياطية تحسباً لأي خلل يمكن أن يطرأ على إحدى الغرفتين، علماً ان كلتيهما مجهزتان بشكل موحد وترتبطان بنظام تحكم واحد وخوادم لحفظ البيانات.