25 September,2018

التضحيات من أجل ما هو معروض اليوم

 

بقلم سعيد غريب

SAM_5208

ماذا تسلّم رؤساء لبنان، منذ الاستقلال، قبل أربعة وسبعين عاماً، إلا هذه العقدة المستعصية في النظام اللبناني، عقدة التوفيق بين دور الرئيس كحكم، ودوره الآخر كأمين على الدستور والنظام والكيان والسيادة؟!

والازدواجية في الحكم، إنما هي من ازدواجية الولاء للوطن، وهي ايضاً، وهنا بيت القصيد من الضغوط الخارجية التي تتجاذب هذا الشعب وتجعل مهمة حكمه من أشقى المهمات وأصعبها. وكلما اشتدت هذه الضغوط، كلما اشتد الاختلاف حول الرئاسة، فإذا اللبنانيون دائماً فريقان: فريق يلتف حولها بأقصى درجات المحبة والولاء، وفريق آخر يتنكر لها بأقصى درجات النقمة والعداء…

وإذا صحّ أن الرئيس فؤاد شهاب كان يتزعم، وهو يتسلم الحكم، جيشاً قادراً يدين له بالولاء، ويتسلم ايضاً مؤسسات لا تزال قائمة وقادرة على الحياة حتى يومنا هذا، فالصحيح ايضاً انه لو لم ترفع الناصرية ضغوطها يومذاك، لما تمكن شهاب من أن يحكم يوماً واحداً!

ما العمل، والطائفية السياسية متجذرة وتنخر حياتنا نخراً غير مسبوق؟!

وبالنسبة للمجتمع المدني الواعي منه، أو ما يعرف بالأكثرية الصامتة المثقفة، لبنان ليس ملتقى كمية من المسيحيين مع كمية أخرى من المسلمين، انه ملتقى للمسيحية والاسلام ولسواهما من الأديان والحضارات، وليس من الضروري أن يظل نظام الطائفيـــــة السياسيــــة المعمـــول بــــه منـــــــــذ أربعينات القرن الماضي، المعبّر الوحيد عن هذه التعددية. لكنه ضروري جداً ان ينكفئ هذا النظام كلياً، لكي يكون البديل، أي بديل، الصيغة الأصدق تعبيراً عن طبيعــــة هذا الشعب والأوفى حرية وديموقراطية…

إذاً، لا بد من بداية تشكل صدمة كبيرة، صدمة إيجابية وذكية، صدمة غير مسبوقة بإطلاق قانون جديد للانتخابات يكون منطلقاً لأي إصلاح.

وهناك شعور عام بضرورة الإسراع، وفور إتمام العملية الانتخابية، في نفض اليد من ملف القضاء وملف الإدارة.

فهاتان الدائرتان تحتاجان ليس فقط الى الاستقرار بل والى أن تكونا بعيدتين من الأضواء والضوضاء، بعيداً من الأخذ والرد، وتحتاجان خصوصاً الى استعادة حصانتهما والى حد كبير كرامتهما وهيبتهما ولياقاتهما بل وسريتهما.

فالقاضي، يجب أن يكون مجهولاً، كأي  إنسان عادي، شأنه شأن الديبلوماسي الذي عليه أن يكون هو الآخر مجهولاً، كي يستقيم العمل القضائي والديبلوماسي، ولدى لبنان الكثير من القضاة والديبلوماسيين الذين يحملون صفة المجهول والإنسان العادي… ويجب أن يكونوا هم الأكثرية والغلبة…

بعد ذلك، يمكن الانتقال وسريعاً الى فتح الملفات الاقتصادية والاجتماعية والتي يجب أن ترفع عنها الحصانة لتصبح بالفعل تحت الأضواء وموضع الأخذ والرد.

وإغلاق هذه الملفات هو بالتأكيد المدخل لبناء لبنان الجديد الذي يطمح إليه شعب لبنان وخصوصاً شباب لبنان.

إن لبنان المستقبل، ليس لبنان الفندق والكازينو والركض وراء الاستهلاك وتسويق الخدمات بأي ثمن، وليس لبنان المقموع والمقهور والمقصوص الجناحين، بل لبنان الخلق والإبداع والتفوق، والقهّار بالكلمة الحرة والرزينة.

إن لبنان السلام لن يكون مجتمع التناقضات بين البؤس والترف، بل مجتمع العدالة الاجتماعية حيث يبرز التفوق وتستقر الأدمغة فيه.

وإذا تبين – لا سمح الله – أن ما فعلته الحرب بنا وما جرّتنا إليه من خراب وبؤس وانحلال على كل صعيد، لم يكن سوى مرحلة عابرة، فعلى لبنان السلام وعلى شعبه الكارثة الكبرى.

المطلوب اليوم، وبإلحاح، وقبل فوات الاوان، حكام يقومون بالبطولة الأخرى: البطولة الاجتماعية، لا العسكرية ولا السياسية، بطولة تحرير المواطن وكسر قيوده. بطولة الاهتمام ليس فقط بحدود الوطن بل بحدود المواطن وحقوقه وصحته وعقله وعمله وراحته.

المطلوب اختراق كبير، لكي يصبح الحوار مسموحاً وطبيعياً لا ممنوعاً من قبل المتحكمين بمصيرنا.

لم يعد مقبولاً أو جائزاً أن يصطبغ لبنان بالدم كل عقد أو عقدين أو ثلاثة من الزمن، ولم يعد مقبولاً أن تذهب تضحيات اللبنانيين من أجل حصص إضافية في السلطة والإدارة العامة.

قد يقول البعض إن الحرب تجوز من أجل الدولة المدنية، أو من أجل المساواة الحقيقية بين الناس، وتجوز أيضاً لو تكون في سبيل تغيير حقيقي في مؤسسات الحكم والدولة، أو في سبيل توزيع أكثر عدالة للثروة الوطنية، وبالفعل كانت جائزة في أوروبا مثلاً، ولكنها لا تجوز أبداً، عندما يصبح الغرض منها ما هو معروض الآن على الشعب اللبناني!