20 September,2018

التصعيد بين الاشتراكي والتيار واستهداف ”سيد القصر“ جعلا حل ”العقدة الدرزية“ صعباً... إن لم يكن مستحيلاً!

لن يكون من السهل إعادة المياه الى مجاريها بين التيار الوطني الحر برئاسة الوزير جبران باسيل، والحزب التقدمي الاشتراكي برئاسة الوزير والنائب السابق وليد جنبلاط، ذلك أن الذي حصل بين الحزبين في الأسبوعين الماضيين أسقط كل المعايير السياسية والشخصية، مع بلوغ الحملات الإعلامية و<الفيسبوكية> درجة عالية من الشتائم والسباب والاستعانة بكليلة ودمنة والمصطلحات الهجائية من زمن الجاهلية وما بعدها. وإذا كانت زيارة النائب جنبلاط لقصر بعبدا بدعوة من رئيس الجمهورية العماد ميشال عون قد انتهت من دون نتائج حكومية حقيقية إذ ظل جنبلاط على موقفه حيال تمثيل الدروز في الحكومة وحصر ذلك بحزبه ومناصريه، فإن المفاعيل التي عُوّل عليها لجهة كسر الجليد القائم بين الرئيس والزعيم الدرزي لم تدم سوى ساعات، وانهارت <الهدنة> من جديد لتبلغ حداً غير مسبوق من <الهجاء> المتبادل في وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي.

وبعيداً عن أسباب هذا التدهور المتوقع بين الطرفين في أي لحظة لأن <الكيمياء> لم تنوجد بين الرئيس عون وجنبلاط منذ زمن بعيد، وانتقلت العدوى الى جنبلاط والوزير جبران باسيل، فإن الذين تابعوا مسار العلاقة العونية – الجنبلاطية منذ أيام حرب الجبل يوم كان الرئيس عون قائداً لجبهة سوق الغرب التي تولى الدفاع عنها اللواء الثامن، يدركون أن إمكانية التلاقي الحقيقي بين الرجلين صعبة، وقد تكون معدومة، وزاد التباعد خلال الأعوام الماضية وصولاً الى ما قبل الانتخابات النيابية حيث دارت مفاوضات بين الطرفين لإمكانية التحالف الانتخابي لكنها لم تؤد الى نتيجة لبروز تباين <عضوي> في المواقف بين قيادتي الحزبين، حيث أصرّ جنبلاط على الاحتفاظ بمقاعد لنوابه المسيحيين، فيما اعتبر باسيل ان التمثيل المسيحي يجب أن يعود الى المسيحيين ليختاروا ممثليهم ومن غير الجائز <مصادرة> خياراتهم التمثيلية. وعند هذا الحد افترق الطرفان وكانت المواجهة التي أسفرت عن فوز مرشحي <التيار> الثلاثة في الشوف وعاليه، الموارنة النواب سيزار أبي خليل وماريو عون وفريد البستاني، في حين فاز مرشح القوات اللبنانية في الشوف النائب جورج عدوان ومرشح اللقاء الديموقراطي في عاليه النائب هنري حلو، لكن جنبلاط استطاع الفوز بالمقعد الأرثوذكسي في عاليه والمقعد الكاثوليكي في الشوف. ولعل ما زاد في تعقيد العلاقة بين الحزبين فشل محاولة الوزير السابق ناجي البستاني أن يكون المرشح المقبول من الطرفين في اللائحة، وهذا ما أدى الى سقوط الوزير السابق على رغم نيله أكثر من خمسة آلاف صوت، في مقابل نحو ألفي صوت نالها فريد البستاني.

جنبلاط رفض صيغة درزية توافقية

وتقول مصادر مطلعة أن الرئيس سعد الحريري أدرك منذ اليوم الأول أن التمثيل الدرزي في حكومته العتيدة سوف يشهد عراقيل وتعقيدات نتيجة إصرار الوزير باسيل مدعوما من الرئيس عون على تمثيل الوزير طلال أرسلان، فحاول طرح صيغة تقضي بأن يكون الوزير الدرزي الثالث حصيلة تفاهم على اسمه بينه وبين الرئيس عون وجنبلاط، لكن الرئيس المكلف اصطدم بتشدد باسيل لجهة تمثيل أرسلان وعدم قبوله التراجع عن هذا الموقف، وفيما تكررت المحاولات باءت كلها بالفشل وبقيت العقدة الدرزية على حالها. وتنقل المصادر نفسها عن الفريق الجنبلاطي أن الزعيم الدرزي ليس في وارد التسليم بأي تمثيل لأرسلان من حصته التي يريدها كاملة أي ثلاثة وزراء، وهو لم يتراجع أمام الرئيس عون عن موقفه عندما فاتحه بالموضوع خلال لقائهما الأخير، وبالتالي فإن من غير الوارد لديه التنازل عن هذا الموقف طالما أنه لم يفعل أمام رئيس الجمهورية، فهل يفعل أمام غيره؟ وتضيف المصادر نفسها أن جنبلاط ماضٍ في المواجهة مع باسيل حتى النهاية وهو سعى لتحييد رئيس الجمهورية، إلا أن الحملة التي استهدفته جعلته يشمل في انتقاداته و<تغريداته> الرئيس نفسه، ووصل الأمر بجنبلاط الى حد القول: <إذا ضغطوا عليّ ما رح اشترك في الحكومة… ومبروكة عليهم>!

إلا أن المطلعين على موقف الرئيس الحريري يقولون بأن كلام جنبلاط هو من باب الرسالة الموجهة الى غير الرئيس المكلف الذي يصرّ على وجود وزراء جنبلاط الى جانبه في الحكومة العتيدة، خصوصاً أن جنبلاط – كما يعرفه الحريري – <ليس محشوراً> الى درجة يتخلى فيها عن مشاركته في الحكومة أو يقبل الانسحاب بعد معركة انتخابية كبرى خاضها في الجبل لـ<تثبيت> مواقعه، ونجح في <التحدي> الذي وضعه فيه التيار الوطني الحر. ويقول المطلعون على موقف الحريري أن جنبلاط لن يتراجع وهو يريد من خلال الحكومة تأكيد حصرية تمثيل الدروز، كما فعل في الانتخابات النيابية خصوصاً أنه يكرر أنه لو لم يترك مقعداً شاغراً على لائحته بالنسبة الى دائرة عاليه، لما فاز أرسلان بالمقعد الدرزي الثاني في هذه الدائرة!

 

<التيار>: هدف جنبلاط الثلث المعطل!

غير أن للتيار الوطني الحر رواية أخرى عن أسباب الإصرار الجنبلاطي على <منع> توزير أرسلان، خلاصتها أن جنبلاط يريد، بعدما فقد دوره كـ<بيضة القبان> في إدارة شؤون البلاد، أن يستعيده من خلال إضعاف العماد أولاً، ومن ثم الحد من نفوذ الوزير باسيل في الحكومة الحريرية الثانية للتأثير على قراراتها وعلى التوازنات فيها، تماماً كما كان جنبلاط يفعل في حكومات العهود السابقة ولم يتمكن من فعله في الحكومة الأولى في عهد الرئيس عون. وتضيف مصادر <التيار> أن جنبلاط تعمّد تجاهل تنامي نفوذ <التيار> في منطقتي الشوف وعاليه وأراد في الانتخابات تحجيم هذا التمثيل الشعبي الواسع، لكن صناديق الاقتراع خذلته واقامت تعادلاً بين النفوذ الاشتراكي والتمثيل <العوني> في الدائرتين على نحو لم يكن الزعيم الدرزي يتوقعه ما جعله يتطلب أكثر خلال البحث في التركيبة الحكومية. وفي رأي المصادر نفسها أن التواصل لن يعود بين <التيار> والحزب الاشتراكي على رغم المبادرات التي قام بها نواب <التيار> تجاه القيادة الاشتراكية الشابة المتمثلة بالنائب تيمور جنبلاط وفريق عمله، لأنه تبين أن القرار الاشتراكي الحقيقي لا يزال في يد جنبلاط وحده!

وتتهم مصادر <التيار> جنبلاط بالعمل على تشكيل فريق وزاري معارض داخل الحكومة العتيدة يتألف من الوزراء الدروز الثلاثة الذين سوف يسميهم (النواب وائل أبو فاعور وأكرم شهيّب وهادي أبو الحسن) ووزراء القوات اللبنانية الأربعة ووزير <المردة> إضافة الى وزراء حركة <أمل> الثلاثة، فيصبح عدد الوزراء 11 وزيراً، أي الثلث المعطل داخل الحكومة، وإذا ما انضم اليهم وزراء <المستقبل> الستة، فيصبح العدد 17 أي أكثر من النصف، ما يعني أن أي قرار يحتاج سواء الى غالبية الثلثين أو الغالبية المطلقة (النصف زائداً واحداً)، يمكن تعطيله داخل الحكومة إذا لم يكن يحظى بدعم وزراء الاشتراكي، الأمر الذي لم يكن موجوداً في الحكومة المستقيلة حيث كان التحالف متيناً بين وزراء الرئيس و<التيار> و<المستقبل>. وتضيف المصادر نفسها أن هدف جنبلاط الأول والأخير تعطيل قدرة العهد على مكافحة الفساد من جهة، واتخاذ أي قرار لا يوافق عليه جنبلاط من جهة أخرى، فيستعيد إذذاك دوره كـ<بيضة القبان> داخل الحكومة ويسيّر الحكومة كما يشاء، لاسيما وأن وزراء <التيار> والرئيس العشرة يملكون مع وزراء حزب الله الثلاثة، الثلث المعطل، في حين لا يملكون الغالبية المطلقة لأن الاصطفافات ستكون حادة في الحكومة الجديدة وقد بدأت معالمها تظهر من خلال التجاذبات على التمثيل داخل التركيبة الموعودة.

وتتحدث مصادر متابعة عن أن مطالبة الوزير باسيل بـ 11 وزيراً لـ<التيار> ولرئيس الجمهورية ترتكز على هذه القاعدة الحسابية التي تؤشر الى ضرورة امتلاك الثلث المعطل، وهو أمر لا يتحقق إذا لم يتضامن وزراء حزب الله مع وزراء <التيار> والرئيس في أي موقف يتخذ سواء كان ايجاباً أم سلباً، الأمر الذي يجعل الوزير باسيل يصر على امتلاك الثلث المعطل من دون الحاجة الى الاستعانة بأي <صديق> أو <حليف> حتى ولو كان حزب الله!

في أي حال، حالة الجفاء بين الحزب الاشتراكي و<التيار> أنتجت <العقدة الدرزية>، والخـــلاف بــين <التيــار> والقــوات اللبنانيـــــة أفـــرز <العقــــدة المسيحيـــة>، وعـــدم تجــاوب الرئيس الحريري مع تمثيل <السنة المستقلين> في حكومته أبرز <العقدة السنية> ما جعل إمكانية ولادة الحكومــة الجديدة مرتبطــــة بشكــــل أو بآخر بإيجـــاد حلــــول للعقـــد الثلاث مجتمعة، إذ انه من الواضح أن لا حل ممكناً لعقدة من دون حل الأخرى نظراً للترابط القائم بينها والتي تندرج كلها تحت عنوان واحد: <الثلث المعطل>!