24 October,2017

التشكيلات القضائية الأوسع من سنوات: ”كوكتيل“ من الكفاءة والخبرة... وإرضاء المرجعيات!

 

جريصاتيإذا كان الأسبوع الماضي شهد نهاية <هم> التشكيلات والمناقلات القضائية، مع صدور مرسومها حاملاً تواقيع رئيسي الجمهورية والحكومة والوزراء المختصين، أي وزراء المال والعدل والدفاع، فإن <اعتداد> الذين تولوا تسهيل اصدارها بأنها <أوسع> تشكيلات قضائية منذ زمن بعيد إذ شملت تغييراً في وظائف 430 قاضياً من أصل 524 يشكلون الملاك القضائي العدلي، قابلته أحاديث كثيرة ضجّ بها الجسم القضائي عن تسلل السياسة الى السلك القضائي على نحو غير مسبوق من خلال <إرضاء> أوسع شريحة ممكنة من المرجعيات السياسية لأنه لولا ذلك لما كان مرسوم التشكيلات قد أبصر النور وبقيت مسودته تتنقل من يد الى يد ومن مقر رسمي وحزبي الى آخر، شهوراً إضافية كما كان الحال منذ ما يزيد عن ثلاث سنوات حين وضعت أول مسودة ظلت حبراً على ورق!

وإذا كان من حق وزير العدل سليم جريصاتي أن <يفاخر> بتحقيق هذا الانجاز في ظل <رعايته> لشؤون الجسم القضائي و<حمايته> من تدخلات السياسيين، وإذا كان رئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي جان فهد اعتبر ان ما تحقق <يخدم دولة المؤسسات>، فإن ذلك لا يلغي سلسلة حقائق أفرزتها الولادة القيصرية لهذه التشكيلات، أبرزها ان مبدأ المداورة الذي اعتبر انجازاً جديداً في عمل القضاءين الواقف والجالس ما كان ليمرّ لولا ان هذه المداورة <راعت> مطالب عدد من المرجعيات الرسمية والسياسية التي تمكنت، ولو بعد مخاض عسير، من الحصول على بعض ما كانت تتمنى نتيجة <تجاوب> طابخي التشكيلات الذين عاندوا في البداية ثم استسلموا في النهاية ولو بنسبة ضئيلة اختلفت عما كان يحصل في السابق. وفي هذا السياق، تؤكد مصادر قضائية معنية ان نجاح مجلس القضاء في إقرار التشكيلات في الربع الساعة الأخير قبل تقاعد أحد أعضائه القاضي طنوس مشلب، كان الدافع للقبول بـ<بعض> المراجعات و<التمنيات>، لأن المهم كان صدور التشكيلات المنتظرة من سنوات وان لم تكن يد السياسة بعيدة من خلال <هندسة> تولاها أكثر من <مهندس> سواء كان وزيراً أو مستشاراً أو مدير مكتب!

 

<مرجعيات> نالت ما تمنت!

 

في المحصلة، نالت <المرجعيات> ما تمنّت، سواء في المواقع القضائية المسيحية التي كان لـ<التيار الوطني الحر> الحصة الأبرز فيها، أم في جان فهدالمواقع السنية حيث تمت مراعاة <الملاحظات> التي كان أبداها الرئيس سعد الحريري ومدير مكتبه المهندس نادر الحريري، أم في المواقع الشيعية التي كان للرئيس نبيه بري الكلمة الفصل فيها بالتنسيق مع حليفه في <الثنائية الشيعية> أي حزب الله. وتقول المصادر القضائية المتابعة ان حصول القطبين الشيعيين على حق المناصفة مع الطائفة السنية حصل للمرة الأولى في تاريخ العدلية إذ تم استحداث عشرة وظائف للطائفة الشيعية لتحقيق المناصفة، وهذا ما أمّن صدور التشكيلات التي توقفت عجلتها لفترة نتيجة مطالب الرئيس بري بتحقيق هذه المناصفة ما وفّر <توازناً> طائفياً ومذهبياً بلغت نسبته 100 بالمئة، وتوزعت المراكز على كل المحافظات لاسيما بيروت وجبل لبنان حيث الثقل النوعي للدعاوى من حيث الكمية والحجم. والمراكز المستحدثة للشيعة توزعت على غرفتي استئناف في بيروت، ومحكمة الجنايات في جبل لبنان، إضافة الى مدعي عام جبل لبنان ومحام عام في النيابة المالية وقاضي تحقيق في بيروت وقاضي عدلي في المحكمة العسكرية، وقاضي تحقيق في النبطية ومحام عام في المحافظة نفسها، وقاضي تحقيق في البقاع ومحكمة الدرجة الأولى في الجنوب. وثمة معلومات عن ربط أعضاء مجلس القضاء عملية تحقيق التوازن والمناصفة في الشمال بمحافظة بعلبك ــ الهرمل التي لم يُنشأ ملاك قضائي لها بعد!

وإذا كان <رضا> المرجعيات قد تأمن نسبياً، إلا ان ذلك لم يحجب احلال كفاءات قضائية في وظائف حساسة ومهمة في آن أعطت للتشكيلات طعماً أفضل، لاسيما بعدما طُبقت اجراءات على عدد من القضاة الذين حامت حولهم شبهات الاخلال بالقسم وهم كانوا أصلاً أمام التفتيش القضائي يخضعون للتحقيق وقد <كُسرت> درجاتهم، لكن بعض هؤلاء احتفظ بمواقع متقدمة على رغم علامات الاستفهام حول أدائه. وسُجل بقاء عدد محدود من القضاة في مواقعهم على رغم السنوات الطويلة التي أمضوها في المواقع نفسها، وهنا لعبت <المراجعات> و<المرجعيات> دورها، وكذلك الأمر بالنسبة الى <مقايضة> أو أكثر حصلت بين الحليفين الثابتين تيار <المستقبل> و<التيار الوطني الحر>، ما جعل بعض <المعترضين> يتحدثون عن ان بعض المواقع خضع لاعتبارات انتخابية.

ولعل أبلغ وصف للمناقلات القضائية صدر عن أحد القضاة المخضرمين إذ قال <لم يكن في الامكان أفضل مما كان>، لأن الهدف الأسمى كان صدور التشكيلات وفيها تخصيص 38 مستشاراً للغرف العشر في محكمة التمييز، ما سوف يسرّع البت في الكثير من الدعاوى المجمدة. واللافت ان التشكيلات القضائية حلت عقدت تعيين محافظ جديد للبقاع، إذ ان المرشح الذي كان ورد اسمه لهذا المنصب القضائي رولان الشرتوني بات مفوضاً معاوناً في المحكمة العسكرية بعدما تعذر تعيينه محافظاً في عاصمة البقاع لاعتبارات يعرفها مجلس القضاء والجهة الرسمية التي كانت وراء ترشيحه للمنصب الاداري الأعلى في البقاع. والمرأة نالت حصتها والأبرز تعيين القاضية غادة عون مدعية عامة في جبل لبنان. أما عقدة مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية التي عرقلت ولادة التشكيلات فقد حلت مع القبول بالقاضي بيتر جرمانوس مدعياً عاماً عسكرياً، وبقاء القاضي رياض أبو غيدا محققاً عسكرياً أولاً، وحلول القاضية سمرندا نصار في مركز قاضي التحقيق الأول في الشمال.

وحدها <القوات اللبنانية> شكت من أنها لم تلبّ طلباتها وحملت <التيار الوطني الحر> ورئيسه الوزير جبران باسيل مسؤولية <إقصاء> مرشحيها عن مواقع قضائية أساسية ما سينعكس سلباً على مسار بقية التعيينات الادارية التي لن تتحرك إذا لم يعد <التيار> إحياء مفاعيل <ورقة النوايا> مع <القوات>!