16 November,2018

التشكيلات الديبلوماسية كرّست المحاصصة وهيمنة الأحزاب وترجمت ”بأمانة“ تحالف ”التيار الوطني الحرّ“ و”المستقبل“!

 

1إذا كان في استطاعة وزير الخارجية والمغتربين جبران باسيل أن يفاخر بأنه أنجز خلال توليه وزارة الخارجية أوسع حركة مناقلات وتشكيلات ديبلوماسية منذ ما يزيد عن 15 عاماً وشملت 90 بالمئة من البعثات الديبلوماسية اللبنانية في الخارج، إلا أنه لن يستطيع استناداً إلى معلومات خبراء وديبلوماسيين <عتاق>، أن يصف هذه التشكيلات بأنها الأفضل في تاريخ الديبلوماسية اللبنانية، أو أنها تمت وفق معايير الكفاءة والخبرة ومراعاة الأقدمية، ذلك أن ما شهدته وزارة الخارجية يوم الخميس في 20 تموز/ يوليو 2018، كان محاصصة بامتياز بين القوى السياسية اللبنانية طاولت مرفقاً كان يمكن أن يبقى بعيداً – ولو نسبياً – عن نزعة سيطرة الأحزاب والقوى السياسية الفاعلة على البعثات اللبنانية في الخارج التي يفترض أن تمثل جميع اللبنانيين وتكون في خدمة كل مكونات الحياة السياسية اللبنانية. صحيح أن بعض هذه المناقلات والترفيعات أنصفت ديبلوماسيين من ملاك الوزارة كانوا ينتظرون من مدّة ترفيعهم أو نقلهم من الإدارة المركزية إلى سفارات لبنان في الخارج، إلا أن الصحيح أيضاً أن معظم هذه التشكيلات لم تراعِ الكفاءة والخبرة اللازمتين في العمل الديبلوماسي، ولا هي أخذت في الاعتبار قدرة هؤلاء الديبلوماسيين على تمثيل بلدهم تمثيلاً صحيحاً ومميزاً في دول العالم.

 

<الجبنة الديبلوماسية> توزّعت على الجميع

والواقع الذي أفرزته هذه المناقلات أنها أظهرت بشكل فاقع أن الاتفاق السياسي يسهل توزيع <الجبنة الديبلوماسية> خصوصاً عندما يتعلّق الأمر بسفراء من خارج الملاك استحضرت غالبيتهم على عجل بدليل أن سيرهم الذاتية لم توزع على الوزراء إلا قبل دقائق من بدء الجلسة التي تعمّد تأخيرها حتى تنجز <الفوتوكوبي> عن السير الذاتية لتكون بعدد الوزراء الحاضرين والذين غاب منهم أربعة وزراء… وما من شك أن حصة <التيار الوطني الحرّ> وتيار <المستقبل> كانت الأعلى قياساً إلى حصص المكونات السياسية الأخرى، ما يدلل – مرة جديدة – على أن التفاهم بين <التيار البرتقالي> و<التيار الأزرق> متى تحقق، فإنه يطيح بالكثير من القواعد والأصول والموجبات، ذلك أن ستة من أصل 14 سفيراً من خارج الملاك، أعيد تعيينهم للمرّة الثانية بعد تعيين أول في عهد الرئيس ميشال سليمان، وثمانية سفراء عيّنوا للمرّة الأولى رؤساء بعثات لبنانية في دول كبرى وأخرى فاعلة، وهم بذلك قطعوا الطريق على أقرانهم في ملاك الوزارة الذين استفاد بعضهم من <نعمة> النقل إلى الخارج (مع ما يرافق ذلك من زيادة على رواتبهم وتعويضاتهم)، فيما بقي آخرون في الإدارة المركزية أو هم نقلوا إلى سفارات لا تعتبر أساسية في المفهوم الديبلوماسي. ثلاثة من الديبلوماسيين الثمانية الجدد اختارهم رئيس <التيار الوطني الحرّ> بموافقة رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، وهم ترايسي داني شمعون التي عيّنت في الأردن بتوصية خاصة من العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني بن الحسين، وغابي نعوم عيسى الذي عيّن في السفارة اللبنانية في واشنطن وهو <المناضل> العوني القديم وأحد العاملين على استصدار القانون الشهير ضدّ سوريا في زمن الوصاية، ورامي خليل عدوان الذي عيّن في باريس بعدما استقال من ملاك الخارجية حيث كان يشغل رتبة سكرتير في السلم الديبلوماسي ليعين من خارج الملاك في العاصمة الفرنسية بإلحاح من الوزير باسيل الذي عمل معه كمعاون ثم مدير مكتبه، وتربطه بالرئيس الفرنسي <إيمانويل ماكرون> <رفقة الصف> في الجامعة التي تخرجا منها قبل أعوام وهو استمر على تواصل معه طوال الأعوام الماضية.

 

الحريري عيّن مستقبليين

 

في المقابل حظي <تيار المستقبل> بتسمية أربعة سفراء بعضهم من فريق عمل الرئيس سعد الحريري والباقي من القريبين منه، وهؤلاء أتوا جميعاً من خارج الملاك وقيل في تبرير ذلك أن عدد الديبلوماسيين السنة في ملاك وزارة الخارجية غير كاف فتمت الاستعانة بخارج الملاك. وتبعاً لذلك حلّت أمال مدللي، وهي من فريق عمل الرئيس الشهيد رفيق الحريري، ومن ثم نجله الرئيس سعد الحريري، في البعثة اللبنانية الدائمة في الأمم المتحدة في نيويورك على أن تتسلم عملها في 15 كانون الأول /ديسمبر المقبل تاريخ إحالة السفير الحالي نواف سلام إلى التقاعد. وقد حلّت مكانه في السلك الديبلوماسي اللبناني، زوجته الإعلامية سحر بعاصيري التي اختارها الرئيس الحريري لتتسلم بعثة لبنان الدائمة لدى <الأونيسكو> التي تتخذ من باريس مقراً دائماً لها، بعدما كان هذا المنصب عرفاً لسفراء من الطائفة المسيحية عموماً، والمارونية خصوصاً، ووزّع الرئيس الحريري سفيرين سنيين هما فوزي حمد منذر كبارة – وهو طرابلسي – على السفارة اللبنانية في السعودية، وفؤاد شهاب نبيه دندن – وهو من بيروت – على السفارة اللبنانية في دولة الإمارات العربية المتحدة، في وقت توافق الحريري مع آخرين على اختيار السفير العلوي حمد محمود حسن ليحلّ في الجزائر سفيراً لأول مرّة من خارج الملاك.

أما بالنسبة إلى السفراء من داخل الملاك، فقد أسعفت بعضهم العلاقة المستجدة مع كل من <التيار الوطني الحرّ> وتيار <المستقبل> و<القوات اللبنانية> ليشغلوا سفارات لبنانية في الخارج ولتكتمل بذلك السيبة الثلاثية: <التيار> و<المستقبل> و<القوات اللبنانية> التي يبدو أنها ستتقاسم أيضاً، وقريباً جداً، المواقع الإدارية في وظائف الفئة الأولى عندما تكتمل <التوزيعة> التي يجري الإعداد لها بعناية كي لا يتم <خردقتها> ولكي تتحقّق فيها مرضاة الجميع!

وحدها <الثنائية الشيعية> لم تطلب تعيين سفراء من خارج الملاك، فيما تمسّك الرئيس نبيه بري بمطلبه <حماية> الديبلوماسيين الشيعة من داخل الملاك بمقدار تمسّكه بالسفارات التي حدّدها لهم من دون أن يتجاوب مع أي مسعى بذله الوزير باسيل لإجراء تبديلات ومناقلات… وفيما يسجل الديبلوماسيون في وزارة الخارجية اللبنانية للرئيس بري <احترامه> لمبدأ ترفيع الديبلوماسيين في الملاك وعدم تأخرهم نتيجة حلول سفراء من خارج الملاك بدلاً عنهم، يرى متابعون أن إصرار الرئيس بري على أن يحتفظ سفراء شيعة بسفارات فاعلة مثل السفارة في لندن وبلجيكا والاتحاد الأوروبي والسويد وقطر وغيرها، ارتكز على المبدأ الذي يعتمده رئيس مجلس النواب ورئيس حركة <أمل> تحت مسمى <عالسكين يا بطيخ> بمعنى أنه عندما تكون المحاصصة هي القاعدة فهو يريد حصته من <أول الصحارة>!

الكل راضٍ والاعتراضات شكلية

في ما عدا ذلك، أرضى الوزير باسيل مكونات سياسية أخرى مثل <القوات اللبنانية> التي أعطيت 4 سفارات لديبلوماسيين من الملاك، من دون أن يتجاوب مع طلبات من مكونات أخرى، مثل الطائفة الأرثوذكسية بالاحتفاظ بالسفارة اللبنانية في واشنطن التي أعطيت لماروني، ما سبب استياء لدى ممثلي هذه الطائفة في الحكومة وصل إلى حد التشكيك بتمثيلهم الأرثوذكس في الحكومة! كذلك أرضى باسيل رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط حين أبقى سفراء دروزاً في مناصبهم، من بينهم السفير في موسكو شوقي بو نصار الذي كادت محاولة باسيل <هزه> من موقعه أن تتسبب بأزمة سياسية حادّة كان ممكن أن تطيح بالتشكيلات الديبلوماسية برمّتها لولا تضامن الرئيس الحريري مع <أبو تيمور> وإعلان الرئيس بري عن <مباركته> أي مطلب جنبلاطي في هذا الاتجاه. أما رئيس تيار <المردة> النائب سليمان فرنجية فلم تكن حصته كبيرة إذ أبقي على السفير من خارج الملاك الياس لبوس المعين في 14 شباط/ فبراير 2013 لدى سفارة لبنان في فنزويلا، في مقابل بقاء رفاقه السفراء مصطفى أديب (مدير مكتب الرئيس نجيب ميقاتي يوم كان رئيساً للحكومة) في ألمانيا، وأنطونيو العنداري (المحسوب حديثاً على التيار الوطني الحرّ) في الأرجنتين، وواسكين قره بت كافلاكيان (المقرب من حزب الطاشناق) في كازاخستان، فيما سيبقى السفير خليل كرم (المعيّن في عهد الرئيس سليمان) في منصبه في <الأونيسكو> حتى نهاية السنة الجارية، على أن يكمل حتى تقاعده سفيراً في الخارجية مكلفاً بمهام محدّدة يتفق عليها الرئيس عون مع وزير الخارجية.

وقضى اتفاق <التيار – المستقبل> أيضاً بتقاسم المراكز الأساسية في الإدارة المركزية، فنال الرئيس الحريري من خلال قنصل لبنان في اسطنبول هاني شميطلي موقع الأمين العام للوزارة، وأعطى الوزير باسيل لنفسه موقع مدير الشؤون السياسية والقنصلية من خلال المستشار غادي خوري الذي رفع (كما شميطلي) إلى الفئة الأولى وبات سفيراً، فيما عيّن كنج إسحق الحجل بعد ترفيعه إلى رتبة سفير، مديراً للشؤون الإدارية والمالية في الوزارة، أما بقية السفراء من خارج الملاك أو المستشارين الذين نالوا لقب سفير، فقد تمّ توزيعهم بموافقة المرجعيات السياسية، فنال الرئيس بري <شرف> تسمية السفراء الشيعة، والرئيس الحريري السفراء السنة، والوزير باسيل السفراء المسيحيين عموماً والموارنة خصوصاً. ولم تخل هذه التوزيعة من ثغرات كان أبرزها ترفيع المستشار جوني ابراهيم إلى رتبة سفير وتعيينه في الكرسي الرسولي خصوصاً بعدما راجت في مواقع التواصل الاجتماعي أنه ينتمي إلى الماسونية التي تحاربها الدوائر الفاتيكانية بقوة، ما يخشى أن يؤدي ذلك إلى رفض الفاتيكان تعيين ابراهيم سفيراً لديه. كذلك تم تجاوز تقارير عن مسلكية بعض السفراء المعينين لاسيّما أولئك الذين صدرت في حقهم قرارات مسلكية في السنوات الماضية نتيجة ممارسات خلال عملهم لا تأتلف مع معايير العمل الديبلوماسي.

والذين تابعوا ردود فعل عدد من الوزراء خلال مناقشة التشكيلات الديبلوماسية، ولاسيّما منهم وزير الأشغال وممثل <المردة> يوسف فنيانوس، لاحظوا أن الاعتراضات التي صدرت تناولت إما عدم اطلاع الوزراء مسبقاً على السير الذاتية للسفراء الجدد، وإما ارتباط تعيين سفراء محددين في سفارات كبرى في الخارج بمعركة رئاسة الجمهورية الأمر الذي اعتبره الوزير باسيل بأنه <مزحة سمجة>!

ولأن لبنان لم يعد دولة تحترم الأصول والأعراف المتبعة، فقد جاء نشر أسماء السفراء المعينين قبل أخذ رأي الدول المعينين فيها كما تقتضي الأصول، ليتأكد مرّة جديدة أن الإطاحات بالأصول و<اختراع> أساليب عمل جديدة، حتى في الإطار الديبلوماسي، باتت قاعدة تطبق، فيما الشواذ هو احترام القواعد والمعايير الدولية!

وإلى أن ترد موافقة الدول على السفراء الجدد، فإن التشكيلات والمناقلات أفرزت الآتي:

1 – عدد السفراء في السلك الخارجي الذين نقلوا إلى الإدارة المركزية هو 7.

2 – عدد السفراء الذين نقلوا من الإدارة المركزية إلى الخارج هو 3.

3 – إعادة تعيين 6 سفراء من خارج الملاك كانوا قد عينوا في العهد السابق.

4 – تعيين 8 سفراء جدد من خارج الملاك (3 مسيحيين و5 مسلمين).

5 – ترفيع 3 مستشارين إلى رتبة سفير وتعيينهم في الإدارة المركزية.

6- إجراء مناقلات بين السفراء الموجودين في الخارج من سفارة إلى أخرى شمل 35 سفيراً ومستشاراً برتبة سفير.

7 – نقل 18 مستشاراً برتبة سفير من الإدارة المركزية إلى الخارج.

8 – نقل 18 سفيراً ومستشاراً برتبة سفير من الخارج إلى بيروت على أن تحدد مراكزهم بموجب قرارات تصدر عن الوزير لاحقاً.