21 September,2018

التدخلات الخارجية، وممارسات «السراج » افشلت الوحدة السورية المصرية... ومعها تبخرت احلام الوحدويين!!

11 كانت الوحدة العربية امل الجماهير العربية، وكان شعار <الوحدة طريق فلسطين>، المنهج والعقيدة، لذا سعت الاحزاب والحركات القومية في الوطن العربي لتحقيق هذا الحلم، الا انها كانت دوماً تصطدم بصعوبات وعراقيل داخلية وخارجية، أجهضت هذه الاحلام، وكانت تجربة الوحدة السورية المصرية رغم كل شوائبها املاً للعروبيين نحو الوحدة الشاملة، ولكن الانفصال حطم كل هذه الاماني والاحلام، فكيف في هذا الزمن الذي يعيش فيه الوطن العربي خطر التقسيم والتجزئة وقيام الدويلات الطائفية ؟

في الثامن والعشرين من ايلول /سبتمبر 1961، حدث الانفصال بين مصر وسوريا وانهارت الوحدة التي اعلنت بين البلدين في اجواء حماسية في 22 شباط/فبراير من العام 1958، رغم انها احدثت جدلاً كبيراً في الاوساط السياسية العربية التي انقسمت بين مؤيد ورافض اعتبر ان هذه الوحدة مجرد خطوة ارتجالية عاطفية، لم ترتكز على اسس منطقية وواقعية.

وبرأي الدكتور والباحث عبدالله طه في حديث مع <الافكار> ان انهيار هذه الوحدة بعد ثلاث سنوات من اعلانها يشكل دليلاً على استحالة تحقيق الوحدة العربية من خلال العواطف والارتجالية، وعلى استحالة تجاهل خصوصيات الاوطان، وخصوصية كل شعب عربي، وانهيار الوحدة المصرية السورية ساهمت به ايضاً الممارسات الشاذة والمسيئة التي قام بها عدد من الضباط المصريين بحق الشعب السوري (في المنطقة الشمالية)، من بينها ممارسة مسؤول الامن الضابط السوري عبد الحميد السراج بسبب مواقفه، وتصرفاته، وترسيخه الحكم البوليسي الاستخباراتي في سوريا، فضلاً عن التدخلات المصرية في الشاردة والواردة، وتهميش دور الزعماء والقادة السوريين، حتى اولئك الذين كانوا في المناصب الحكومية، ومنهم اكرم الحوراني.

وكما ذكر الصحافي البريطاني <باتريك سيل> انه <كانت لدى الحوراني اسباب شخصية وراء مرارته، نظراً الى أن وضعه السياسي قد تضرر تحت حكم عبد الناصر، فقبل الوحدة كان هو صانع الحكام في سوريا، كان قوياً في اوساط الجيش، محبوباً من الفلاحين…  ثم جاء عبد الناصر وانتزع منه كل ذلك واعطاه في المقابل منصباً شكلياً فارغاً في حكومة الجمهورية العربية المتحدة، الى ان رمى بهذا المنصب باشمئزاز… >.

تحويل مياه نهر الاردن

وأشار المحامي غالب ياغي في حديث مع <الافكار> الى ان اكرم الحوراني ابلغه في بيروت ان الخلاف بينه وبين عبد الناصر كان سببه الرئيسي موضوع تحويل الاسرائيليين لنهر الاردن، وهذا ما دفعه الى تقديم استقالته من منصب نيابة الرئاسة، ومن وزارة العدل في الحكومة المركزية، وأصدر الحوراني بياناً يوم 13 حزيران/ يونيو 1963 بعد انفصال سوريا عن مصر، تحدث فيه عما جرى في جلسة الوزارة المركزية في القاهرة بتاريخ 29 تشرني الثاني/نوفمبر 1959 (وقد ذكر الحوراني ذلك في مذكراته الصادرة عن مكتبة مدبولي في القاهرة عام 2000).

النحلاوي قائد الانفصال

ففي 28 ايلول/ سبتمبر 1961، قامت مجموعة من الضباط السوريين بقيادة المقدم عبد الكريم النحلاوي(مدير مكتب عبد الحكيم عامر)، وبدعم اردني – سعودي، و بمؤازرة من رجال الاعمال السوريين الساخطين بسبب قرارات التأميم، بانقلاب عسكري في اجواء متأزمة من النواحي كافة. وفوجىء الرئيس عبد الناصر بانباء التمرد السوري لكنه رفض سحق هذا الانفصال بالقوة تجنباً لإراقة الدماء العربية، فتصرف بعقلية الحاكم الوطني والمسؤول ورفض إنزال المظليين المصريين في اللاذقية، بعدما كان قد اتخذ قراراً بذلك. وغادر عبد الحكيم عامر دمشق الى القاهرة، فيما أيد صلاح البيطار، واكرم الحوراني الانفصال و كانا من بين السياسيين السوريين الموقعين على الوثيقة الانفصالية في 2 تشرين الاول/اكتوبر 1961.

 ولا ينفي النائب سامي الخطيب في اتصال مع<الافكار> <ان تكون الاسباب الداخلية قد لعبت دورها في حصول الانفصال، اضافة الى الدور الذي لعبته السفارات الغربية التي كانت منذ الاساس ضد هذه الوحدة… >.

السراج… السلطان الاحمر

44

 

ورأى الصحافي غسان زكريا (عديل عبد الحميد السراج) المقيم في لندن  <ان السراج حوّل سوريا في زمانه الى سجن كبير، اختفت فيه كل مظاهر الديموقراطية وشكلياتها، وضرب فيه وعذب وزراء ونواباً واطباء ومحامين وصحافيين ورجال اعمال ومهندسين ونساء ورجال دين، وهو ما لم يجرؤ الاستعمار الفرنسي على مدى ربع قرن على فعله وهو يحتل الشام ولبنان بمئة الف جندي… >.

يشير غسان زكريا الى ان السراج (الذي لقبه الاديب اللبناني الساخر سعيد تقي الدين بالسلطان الاحمر )، مولود في مدينة حماه السورية، بدأ حياته حارساً على مدخل بحسيتا (سوق مدينة حلب العمومية)، وكان يقضي وقته في كوخ الحراسة بالدرس والتحضير لامتحانات البكالوريا حتى يستطيع الانتساب الى الكلية العسكرية التي دخلها في العام 1947. وبعد تخرجه، حاول السراج الانتساب الى <جيش الانقاذ> الذي تشكل بقيادة المجاهد فوزي القاوقجي اثر نكبة فلسطين، الا ان قادة هذا الجيش من الحمويين ومنهم اديب الشيشكلي، واكرم الحوراني رفضوا طلبه بحجة عدم امتلاكه الخبرة العسكرية الكافية، وشكّل هذا الامر صدمة تركت اثراً بليغاً في حياة السراج.

وكان السراج في بداياته مرافقاً لحسني الزعيم، ثم لأديب الشيشكلي، وعندما اغتيل العقيد البعثي عدنان المالكي يوم 22 نيسان /ابريل 1955 كان السراج واحداً من كبار المسؤولين الامنيين، وقد اتهم الحزب القومي برئاسة جورج عبد المسيح باغتيال المالكي، وقد لعب السراج دوراً في اقتياد القوميين السوريين الى المعتقلات، وكان من بينهم جولييت المير سعادة زوجة الزعيم انطون سعادة.

مكتب امني للشؤون اللبنانية

عندما تولى عبد الحميد السراج وزارة الداخلية والمسؤولية الامنية في عهد الوحدة السورية – المصرية، عمد الى انشاء مكتب امني خاص للشؤون اللبنانية، مركزه في منطقة الحواكير في دمشق، وتولى مسؤولية هذا المكتب الضابط السوري برهان ادهم (ابو ابراهيم).

فرج الله الحلو ضحية الوحدة

لعل النقطة السوداء الابرز في تاريخ عبد الحميد السراج كانت اعتقاله أحد مؤسسي حزب الشعب اللبناني والقيادي البارز في الحزب الشيوعي في لبنان وسوريا فرج الله الحلو، وتصفيته بعد تعذيبه، ثم تذويب جثته بالأسيد لإخفاء معالم الجريمة. وظلت قضية اعتقال الحلو وموته موضع شكوك، واخذ ورد، الا ان غسان زكريا يتحدث عن هذه القضية – اللغز ويقول: فرج الله الحلو، القائد الشيوعي اللبناني، الذي انتهى في الشام مذوباً بالأسيد داخل مغطس حمام مكتب عبد الوهاب الخطيب، احد جلادي السراج المقربين له في شارع بغداد كان ضحية من ضحايا تعاون المأجورين والمرتزقة اللبنانيين مع اجهزة الاستخبارات السورية… اقتادوه الى مروان السباعي مسؤول الاستخبارات في حمص، ادخلوه الى غرفة صغيرة مظلمة، بقي فيها ساعات.ثم سلطوا على عينيه ضوءاً حاداً، لم يعد يبصر من كان يتناوب عليه بالضرب بسياط مجدولة من اسلاك حديدية. لم يستطع الاحتمال، خرّ على ركبتيه، ويذكر زكريا <ان انطكلي اعتقد أن الحلو فارق الحياة فأسرع يخبر عبد الوهاب الخطيب الذي اجرى اتصالاً هاتفياً بشخص ما…  ليعود ويطلب من انطكلي التخلص من الجثة بإذابتها بالأسيد داخل مغطس الحمام، وان انطكلي عندما بدأ بمحاولة لنشر رجل الحلو بمنشار حديدي صحا الحلو من غيبوبته من شدة الألم وصرخ متوسلاً، الا ان الانطكلي انهال بالمنشار على رأس فرج الله الحلو حتى فارق الحياة وعاد لإكمال تقطيع جسده بالمنشار، ثم صب الاسيد على الجسد المقطع.

السراج وأحداث 1958

و شارك السراج في تأجيج الصراع خلال احداث 1958 في لبنان التي قامت في نهاية حكم الرئيس كميل شمعون ودعم الجبهة الوطنية بالمال والسلاح، حتى ان زكريا يعتبر ان السراج كان المسؤول الاول عن اغتيال الصحافي نسيب المتني (صاحب جريدة <التلغراف>  في بيروت في ايار/ مايو 1958، عندما قام بتكليف اكرم الصفدي(يملك اليوم مدينة للملاهي في القاهرة اسمها <غرناطة>) لاغتيال الصحافي نسيب المتني.

الخطيب: السراج رجل وطني

33

وفي رأي النائب السابق سامي الخطيب: <… ان الاتهامات الموجهة الى السراج مبالغ فيها. كان السراج ضابطاً امنياً ناجحاً، وادى دوره باخلاص، ولكن المناخات السياسية والامنية المضطربة التي كانت سائدة في تلك الفترة كانت تتطلب الضرب بيد من حديد. السراج رجل وطني وليس هناك من شكوك في وطنيته وعروبته… >.

هدى جمال عبد الناصر: الرسائل

اما السيدة هدى جمال عبد الناصر وفي اتصال مع <الافكار> حول تصرفات السراج ومدى مسؤوليته عن انهيار الوحدة، اعترفت بدوره في حدوث الانفصال من جراء ممارساته وتصرفاته، واكدت انه تمت دعوة السراج الى الندوة التي عقدتها <الاهرام> منذ سنوات في مصر، عن الوحدة المصرية- السورية للمساهمة والمشاركة، الا ان السراج لم يحضر ولم يشارك، وتمنع حتى عن الاجابة او الرد على الكثير من الاستفسارات والاسئلة، واتهموه صراحة في الندوة بأنه من المسؤولين عن الانفصال، وأشارت السيدة هدى عبد الناصر الى ان لديها <رسائل متبادلة بين الرئيس عبد الناصر والمشير عبد الحكيم عامر تشير الى الصراع الذي كان دائراً بين عامر و السراج حول امور كثيرة>.

عند حصول الانقلاب على الوحدة، عمد الانقلابيون الى اعتقال عدد من الضباط الموالين، والشخصيات السياسية، وكان من بين هؤلاء الضباط عبد الحميد السراج الذي كان مختبئاً في منزل لآل زلفو (من اقارب زوجته ملك) عند منطقة الحواكير في دمشق، عندما داهمته قوة من الجيش برئاسة النقيب هشام عبد ربه، و اقتادته الى سجن المزة.

تهريب السرّاج من سجن المزة

 بعد اعتقال السراج، وصلت معلومات الى الرئيس جمال عبد الناصر عن تعرضه لأبشع انواع التعذيب داخل سجنه في المزة، فقرر تهريبه بأي طريقة، وتم وضع خطة اطلق عليها اسم <جمال>.

ويذكر سامي شرف (مدير مكتب جمال عبد الناصر) تفاصيل هذه الخطة التي تضمنت الاتصال بالمساعد منصور رواشدة (حارس السراج داخل السجن) لتأمين هروب السراج من باب السجن حتى مشارف دمشق، ودراسة طبيعة الارض وخطوط الاقتراب من دمشق حتى الحدود اللبنانية – السورية، بما في ذلك الطرق والوسائل التبادلية في النقل من الخيل والجمال والموتوسيكلات والسيارات وتفادي نقاط التفتيش بما فيها اللبنانية منعاً للحرج، اضافة الى ترتيب وجود غواصة مصرية امام السواحل اللبنانية في اتجاه مبنى السفارة المصرية، وان يتولى قيادة الطائرة المصرية التي ستصل الى بيروت لنقل السراج الى القاهرة الكابتن عبد الرحمن عليش.

وتابع شرف: <… كانت الاتصالات مع منصور رواشدة مستمرة ومؤمنة بمعرفة الزعيم اللبناني الكبير كمال جنبلاط واللواء شوكت شقير… واتفق مع منصور رواشدة على اليوم والساعة وكان هو الذي سيتولى في الوقت نفسه تأمين خروج السراج من دمشق حتى الحدود اللبنانية، وكان لديه تلقين كامل عن الطرق التبادلية التي كان سيسلكها… وكنت انا في بيروت بالاتفاق والتنسيق مع الرجل الشريف سامي الخطيب… بتعليمات من الرئيس فؤاد شهاب في انتظار وصول السراج الى مشارف بيروت في نقطة متفق عليها من قبل>.

الخطيب وتهريب السراج

النائب سامي الخطيب اكد لـ<الافكار> مشاركته في خطة تهريب السراج <لأن السراج كان رجلاً وطنياً…  وكان الواجب يقضي بانقاذه>.

22

 

عملية تهريب السراج يرويها من جهته غسان زكريا ويقول: <… في اليوم المحدد، قام منصور الرواشدة بتغيير مناوبته في السجن مع زميل له، احضر بزة عسكرية… سربها الى الزنزانة كي يرتديها السراج… اخرج السراج من الزنزانة حاملاً بطانية تحت ابطه… مشى خلف الرواشدة… اخذ السراج يرمي البطانية، مشيا عليها، ثم يعود ويسحبها من جديد ويرميها امامهما لإخفاء دعساته… ظلا هكذا حتى وصلا الى سيارة منصور الرواشدة وكان قد تركها في ساحة قرب السجن…>.

…  وصل عبد الحميد السراج ومعه حارسه في السجن منصور رواشدة، وكان في استقباله الزعيم كمال جنبلاط، الذي اصطحبهما في سيارته الكاديلاك السوداء الخاصة الى منزل محمد نسيم في بيروت… وتمت عملية تغيير ملامحه بشعر مستعار وشوارب مركبة… وقام سامي شرف بعد ذلك بزيارة الرئيس فؤاد شهاب بصحبة السفير عبد الحميد غالب حيث أبلغاه بوصول السراج الى بيروت وبأن المخطط هو سفره الى القاهرة في اسرع وقت حتى لا تحرج السلطات اللبنانية… واستجاب الرئيس شهاب وامر بأن يكون كل من احمد الحاج، مدير مكتبه، وسامي الخطيب تحت تصرفهما… قام سامي الخطيب بقيادة السيارة بنفسه في طريقه الى مطار بيروت… وكان يجلس بجواره محمد نسيم، وفي الخلف جلس السراج وسامي شرف ومحمد المصري ومنصور رواشدة، وكان الجميع يرتدون ملابس عسكرية لبنانية ، واخترقت السيارة سور المطار من ثغرة اعدت على عجل… ووصلت الى المدرج مباشرة حيث وصلتها في اللحظة عينها الطائرة المصرية التي تحمل الصحافة المصرية الى بيروت يومياً…  وفتح بابها واسقط سلمها من داخلها… وتم تنفيذ المتفق عليه من دون معوقات… دخلوا الطائرة واقلعت بهم..

وفي اليوم التالي، نشر خبر صغير من ثلاثة سطور في الصفحة الاولى لجريدة <الاهرام> عنوانه <عبد الناصر يستقبل عبد الحميد السراج بمنشية البكري… > فقط لا غير.

وفاته

توفي السراج في 23/9/2014  أي منذ أسبوع لتنتهي حياته السياسية الحافلة بعد انفراط عقد دولة الوحدة كلاجئ سياسي في مصر، حاملاً معه صندوق أسرار لم يفتحه، حتى وافاه الموت، عن عمر يناهز 88 عاماً.