19 November,2018

التحذير الأميركي للرعايا بعدم السفر الى لبنان عنوان أمني لأول رسالة سياسية يوجهها ”ترامب“!

 

Roberto-Corker-----A
لم يكن من السهل على الاوساط الرسمية اللبنانية وكذلك الأوساط السياسية اعتبار التحذير الذي وجهته وزارة الخارجية الأميركية لرعاياها من السفر الى لبنان الأسبوع الماضي، مجرد <تدبير روتيني>، كما حاولت مصادر السفارة الأميركية في عوكر وصفه في سعي للتخفيف من وقعه السلبي على الدولة اللبنانية، رئيساً وحكومة وشعباً. ذلك أن هذا التحذير جاء في توقيت يثير علامات استفهام، خصوصاً ان التحذير صيغ بعبارات متشددة اختلفت عن الصيغ التي كانت ترد في بيانات سابقة مماثلة. ولعل العبارة الاكثر حدة التي استعملت في التحذير كانت ان الحكومة اللبنانية <غير قادرة على ضمان حماية الرعايا الأميركيين تجاه بعض احداث العنف التي يمكن أن تحدث في أي وقت في لبنان>، مشيرة الى <توتر في طرابلس> لم يسجل أصلاً وقوعه منذ أشهر بعد انتهاء المواجهات بين باب التبانة وجبل محسن قبل أكثر من سنة، ما يعني أن التحذير استند إما الى معلومات قديمة – كما هو واضح من متن النص – او الى التذرع بأحداث وقعت سابقاً لـ<تبرير> صدور التحذير. واللافت ايضاً في التحذير استعماله عبارة أخرى تحمل في طياتها معاني كثيرة وهي <السلاح المتفلت والموجود في ايدي عناصر غير حكومية>.

وإمعاناً في استعادة مشاهد لم تعد تحصل منذ أشهر، كانت إشارة الخارجية الاميركية الى <تجنب مناطق التظاهرات التي قد تتحول الى عنيفة>، علماً أن مثل هذه التظاهرات لم تعد تسجل منذ أشهر، خصوصاً ما جاء في التحذير عن <خفض الوصول الى المطار إذا تدهور الوضع الأمني>، علماً أيضاً أن المسؤولين في السفارة الاميركية في بيروت يستعملون مطار رفيق الحريري الدولي منذ مدة، بعدما خففوا من استعمال طائرات الهليكوبتر التي كانت تقلع من مطار <لارنكا> القبرصي لتحط في مدرج السفارة في عوكر!

 

<التحذير غير مبرر>!

مراجع أمنية لبنانية أكدت لـ<الأفكار> أن التحذير الاميركي <غير مبرر ولا هو استند الى معطيات دقيقة> ما يعني أن العنوان هو أمني في حين أن الرسالة منه سياسية، ما يفسح في المجال أمام تساؤلات عدة عن أسباب صدوره في هذه المرحلة بالذات التي تشهد استقراراً أمنياً ملحوظاً يبدي الكثير من الدول ارتياحه له منذ انتخاب الرئيس ميشال عون في 31 تشرين الأول/ اوكتوبر 2016 رئيساً للجمهورية، والذي يقود تحركاً خارجياً مكثفاً لإعادة التواصل بين لبنان والدول العربية من خلال الزيارات المتتالية التي شملت حتى الآن أربع دول عربية، وستليها زيارات مماثلة لدول أوروبية والى موسكو بهدف تسهيل عودة الحركة السياسية بين هذه الدول ولبنان.

وأضافت المراجع نفسها أن الوضع الأمني في لبنان والذي يعتبر أفضل بكثير من دول عدة، ليس السبب المباشر للتحذير الاميركي المتجدد بدليل أن الاستقرار شكّل مادة حاضرة دائماً في بيانات ومواقف الدول والإشادات التي تصدر عن المسؤولين فيها، ومن بينهم مرجعيات أميركية وأعضاء في الكونغرس ومجلس الشيوخ الاميركيين، اضافة الى الوفود العسكرية الاميركية التي تتوالى زياراتها للبنان اسبوعاً بعد اسبوع للإشادة بدور المؤسسات الأمنية ولاسيما منها الجيش، وللتأكيد على أن ما تحقق حتى الآن على الصعيد الأمني هو مدعاة ارتياح رؤساء وأعضاء هذه الوفود العسكرية الاميركية.

إنها إذاً رسالة سياسية، يقول مصدر رسمي بارز لـ<الأفكار>، من إدارة الرئيس <ترامب> الذي لم تصدر عنه كلمة واحدة عن لبنان، لا في حملته الانتخابية الرئاسية، ولا بعد انتخابه ودخوله البيت الأبيض ما يؤشر الى أن سياسته تجاه لبنان لن تكون <مريحة> كما كانت في عهد سلفه الرئيس السابق <باراك أوباما> الذي لم يغيّب لبنان عن اهتماماته طوال مدة رئاسته. من هنا، فإن مقاربة هذا التطور – يضيف المصدر – يفترض أن تكون مقاربة سياسية استباقية حتى لا تتكرس المواقف السلبية بحق لبنان ويصبح التوجه الاميركي اسير نهج يُتعب لبنان ويعرض واقعه الراهن لاحتمالات شتى عنوانها <التشدد الاميركي> في مختلف الملفات، لاسيما تلك التي لها الطابع الأمني ومنها الدعم الاميركي للجيش اللبناني، في وقت كان فيه الانطباع بأن هذا الدعم سوف يبقى من ثوابت الإدارة الأميركية الجديدة على غرار ما كان يحصل مع الادارات السابقة التي وإن كانت تُسجل ملاحظات حول المواقف السياسية للدولة اللبنانية، إلا أنها كانت تلتزم دائماً بدعم المؤسسات الأمنية وفي مقدمها الجيش.

اليزابيت-ريتشارد-----B

هل من تحريض اسرائيلي؟

غير أن مراجع ديبلوماسية سجلت أن التحذير الاميركي الذي قيل انه <روتيني> ليس في الواقع كذلك، لأن البيانات <الروتينية> تصدر في مطلع كل سنة، ويستمر مفعولها ستة أشهر، ويتكرر بعد ذلك لمرة ثانية لتذكير الرعايا الاميركيين بالموقف الرسمي، في حــــين ان هـــــذا البيان صدر قبيل نهاية شهر شبـــــــاط/ فبرايــــــــر وقـــــد تزامن مـــع إجراء رئيس الوزراء الاسرائيلي <بنيامين نتنياهو> محادثات مع الإدارة الاميركية التي <انقلبت> على مواقفها الثابتة بشأن حل الدولتين اسرائيل والسلطة الفلسطينية، والذي كانت إدارة الرئيس <أوبامـــــا> تدعمـــــه للانطـــــلاق في معالجـــة أزمــــة الشــــــرق الأوســـــط. و<نصحـــت> المراجــــع الديبلوماسية الحكومـــــــة اللبنانيــــــــة بالتحـــرك صوب الإدارة الاميركيـــــــة لإيضـــــــــاح المواقف اللبنانية الملتبسة لديها تحسباً لما يمكن أن يطرأ من تطورات اقليمية ودولية نتيجة ما يجري على الأرض في عدد من الدول العربية وانعكاس ذلك عـــــــلى السياســــــــة الاميركية المقبلة.

وفي حــــــين حــــــاولت مصـــــادر الربـــــــط بـــــين التحذيـــــــــر الامــــــــيركي والمواقـــــف التي أطلقها رئيس الجمهورية العماد ميشال عون حيال سلاح المقاومة، أكدت مصادر رسمية ان لا ارتباط واضحاً بين الموقف الاميركي وثوابت الرئيس اللبناني لأن التدقيق في توقيت إعداد البيان التحذيري الاميركي أظهر انه أعدّ قبل أن يدلي رئيس الجمهورية بمواقفه الى التلفزيون المصري. وأشارت هذه المصادر الى أن السفيرة الأميركية في بيروت <اليزابيت ريتشارد> اعتذرت عن تقديم ايضاحات حول الأسباب الموجبة لصدور التحذير في هذا الوقت، لاسيما وأنها تتنقل في البلدات والقرى اللبنانية بحرية ما ينفي وجود <خطر داهم> على أي من الديبلوماسيين نتيجة عدم تسجيل اي حادثة امنية تذكر في كل المناطق اللبنانية. ولفتت المصادر في هذا السياق الى الزيارة التي كان وفد من الكونغرس الاميركي قد قام بها، وتلك التي حصلت هذا الأسبوع مع مجيء <كوركر> الى لبنان والتنقل فيه ولقاء كبار المسؤولين في مقدمهم الرئيسان عون وسعد الحريري وما نقله خلال لقاءاته من مواقف <تدعو الى الارتياح>، على حد تعبير مصدر بارز استقبل <كوركر> وأقام معه حواراً معمقاً عن السياسة الأميركية المستقبلية في ظل عهد الرئيس <ترامب>.