23 March,2019

التحديات المالية والاقتصادية في العام الجديد... وقدرة الحكومة إن تشكلت على مواجهتها!

 

بقلم طوني بشارة

تشير لغة الأرقام إلى دقـة الوضع المالي والاقتصادي في لبنـان بالتـوازي مـع غياب <الماكينة> الحكومية القادرة على احتواء الأزمات ولو بشكل محدود، وتدوير الزوايا الصعبة عبر جرعات إنعاشية من الدول الداعمة للبنان. ويبقى التخوف الأبرز من وصول الوضع إلى نقطة <خطرة> حذرت منها وزارة المالية لجهة نفاد سيولتها ما قد يهدد جديا بتوقف قريب عن سداد رواتب موظفي القطاع العام، كما ويعول لبنان <المنهك> بالأزمات والمثقل بديون بلغت حاجز 85 مليار دولار أن يتجاوز عتبة العام الجديد في ظل حكومة تبدأ تلبية التزاماتها تجاه <مؤتمر سيدر> الذي قدم للبنان دعماً بـ11 مليار دولار شرط وقف الدولة اللبنانية لعجز ميزانيتها والقضاء على الفساد.

ويحضر السؤال في ظل تركيبة لبنان المتناقضة والمتباينة، هل تقدر حكومة عنوانها <الوحدة الوطنية> ومضمونها <الخلاف والاختلاف والتصادم> على مواجهة التحديات؟

عجاقة وعلامات الاستفهام!

 البروفيسور جاسم عجاقة أفادنا بأنه إذا كان مصرف لبنان لا يزال يتمتع بهامش تحرك لدعم مالية الدولة إن مباشرة من خلال التسييل الكمي أو غير مباشرة من خلال المصارف، إلا أن وضع المالية العامة الحرج يطرح علامات استفهام عن قدرة الدولة على مواجهة استحقاقاتها المالية، خصوصاً سلسلة الرتب والرواتب.

وتابع عجاقة قائلا:

– ليس جديداً القول أن الدولة اللبنانية تعيش فوق قدراتها المالية، فالعجز المُسجل سنوياً والذي بلغ تراكمياً 45.7 مليار دولار أميركي منذ العام 2007 وحتى نيسان/ ابريل 2018، يُظهر المُشكلة الهيكلية في الاقتصاد اللبناني الذي لم يعد نموه يُغطي مصاريف الدولة المُتزايدة، وتُشير أرقام وزارة المال إلى أن حجم الإنفاق التراكمي منذ العام 2007 وحتى نيسان 2018 بلغ 163 مليار دولار أميركي موزعة على الشكل الآتي: خدمة الدين العام (53)، الأجور والتعويضات والتقاعد (51)، دعم مؤسسة كهرباء لبنان (19)، النفقات التشغيلية (19)، نفقات الخزينة والنفقات الأخرى (14)، النفقات الاستثمارية (7)، وهذا يعني أن حجم النفقات الاستثمارية لا يزيد على 4 بالمئة من إجمالي الإنفاق مقابل 96 بالمئة إنفاقاً جارياً (أي بدون أي فائدة مالية).

 واستطرد عجاقة:

– ان مقارنة هذا الإنفاق التراكمي مع إيرادات الدولة في الفترة نفسها (115.6 مليار دولار أميركي) تُظهر العجز التراكمي البالغ 47 مليار دولار أميركي، والصدمة تأتي من معرفة أن 44 مليار دولار أميركي من هذا العجز تحولت إلى دين عام! نعم 44 مليار دولار زيادة الدين العام منذ العام 2007 (أي على فترة 12 عاماً بمعدل 3.7 مليار دولار أميركي سنوياً).

 

الدولة والقدرة على الاستمرار!

ــ وكيف يُمكن لدولة أن تستمر على هذا المنوال وناتجها المحلي السنوي لا يتخطى الـ53 مليار دولار أميركي مع نسبة نمو تتراوح بين 1 و1.5 بالمئة؟

– الجواب بديهي، نحن ذاهبون إلى كارثة يتعلق توقيتها بقدرة مصرف لبنان المالية وصلابة القطاع المصرفي. بالطبع النظرية الاقتصادية تفصل السياسة المالية للحكومة عن السياسة النقدية لمصرف لبنان، وأموال هذا الأخير على الرغم من كونها مالاً عاماً إلا أنها مفصولة كلياً عن أموال الخزينة العامة، وتمنع النظرية الاقتصادية والأعراف قيام المصرف المركزي بدعم الدولة مالياً، علماً أن هذه الأعراف تم كسرها من قبل الإحتياطي الفدرالي الأميركي الذي عمد إلى شراء سندات الخزينة الأميركية بكميات هائلة (أكثر من 80 مليار د.أ شهرياً) لدعم الحكومة الأميركية إبان الأزمة المالية العالمية.

وتابع عجاقة:

–  نستنتج مما سبق أن مصير المالية العامة في لبنان يعتمد على مصرف لبنان وعلى القطاع المصرفي، وفي غياب دعم هذين الطرفين، فإننا مُتجهون إلى الإفلاس الذي يُعرف بفشل الدولة في تسديد استحقاقاتها المالية، وإذا كان الاعتقاد يجوز بأن مصرف لبنان قادر بما يمتلك من أصول مالية وبفضل الهندسات المالية التي يقوم بها رياض سلامة من إنقاذ المالية العامة، إلا انه من غير المنطقي الاعتقاد باستدامة هذا الحل والذي يُمكن تصنيفه في خانة العمليات الجراحية، كما ويظهر مما سبق أن الاستمرار في سياسة الإنفاق العام المُتبعة اليوم أمر مُستحيل لأن ذلك يؤدي إلى الإفلاس، وبالتالي يتوجب على الدولة إعادة التوازن المالي للمالية العامة من خلال رفع الإيرادات وخفض الإنفاق، وهذا الأمر يتطلب تشكيل حكومة في أسرع وقت مُمكن على أن يتضمن بيانها الوزاري إعادة التوازن المالي للدولة اللبنانية.

واستطرد عجاقة:

– كما ان العمل على زيادة الإيرادات يفرض تحفيز النمو الاقتصادي وليس فرض ضرائب جديدة، لأن فرض ضرائب جديدة ستكون له تداعيات سلبية على النمو الاقتصادي الذي هو أصلاً يُقارب مستويات الركود، كما وان تحفيز النمو لا يُمكن أن يتم إلا من خلال تحفيز الاستثمارات لأن الاستثمارات هي وقود الاقتصاد، ومن هذا المُنطلق، نرى أن القيام بتفعيل مشاريع <مؤتمر سيدر1> هو أمر أكثر من أساسي في ظل عجز الدولة عن القيام باستثمارات من أموال الخزينة العامة، على أن تواكب هذه الاستثمارات بإصلاحات في القوانين لتشجيع مناخ العمل ودفع القطاع الخاص إلى الاستثمار، كما ان العمل على خفض الإنفاق العام يمر إلزامياً بوقف التوظيف العشوائي كلياً في الدولة اللبنانية واعتماد سياسة إعادة توزيع الموظفين في الدولة حيث يتم على الأمد القصير سد حاجات القطاع العام من خلال الفائض في بعض المؤسسات والوزارات، ويتوجب أيضاً تنفيذ مشروع الحكومة الإلكترونية التي ستلعب دوراً محورياً في تخفيض عدد الموظفين في القطاع العام، ولا يُمكن تناسي الفساد في مختلف القطاعات وعلى كل المُستويات والذي يحرم الخزينة من مدخول مباشر يوازي قيمة عجزها سنوياً.

ــ لكن هل تستطيع الحكومة القيام بهذا الأمر؟

– الاعتقاد السائد ان الحكومة ستعمد إلى تطبيق الشق الاستثماري من <مؤتمر سيدر 1>، إلا أن الشق المُتعلق بوقف التوظيف في القطاع العام سيكون من شبه المُستحيل تنفيذه في ظل الثقافة المُنتشرة لدى الشعب اللبناني والذي يُصوت حصرياً للرجل السياسي الذي يخدمه من خلال التوظيف والمُعاملات مع الدولة، وهذا الأمر ستكون له تداعيات سلبية على المالية العامة في العام 2019 من ناحية أن استثمارات مشاريع <سيدر1> لن تُعطي مفعولها قبل عامين من بدئها، وبالتالي فإن الدولة ستتجه إلى التضحية بقسم من الإنفاق العام وعلى رأسه سلسلة الرتب والرواتب التي حتى ولو امتنع مجلس النواب عن إصدار قانون لتعديلها أو إلغائها (نظراً للغضب الشعبي) إلا أن الحكومة ستعجز عن تمويلها وستكون هذه السلسلة في حكم الميتة.

سلسلة الرتب الميتة!

ــ لماذا بالتحديد سلسلة الرتب والرواتب؟

– الجواب آت من مبدأ أن الكتلة النقدية الناتجة عن زيادة الأجور والتي استفاد منها أكثر من 250 ألف موظف في القطاع العام، ستؤدي إلى تضخم بحكم أن تمويلها سيتم عبر الاستدانة، أيضاً إن ارتفاع القدرة الشرائية لدى هذه الشريحة أدى إلى ارتفاع الطلب على العقارات المُمولة بقسم كبير من مصرف لبنان وهذا يفرض أيضاً كتلة نقدية إضافية ستزيد من التضخم مع توقعات بارتفاع أسعار النفط العالمية نتيجة العقوبات على إيران، ونرى هنا إن تفادي المس بالسلسلة يمر عبر مكافحة الفساد ووقف التوظيف العشوائي، فحبذا لو أن السلطة السياسية تعمد إلى تشكيل الحكومة في أسرع وقت، للبدء في تنفيذ المشاريع الاستثمارية المنصوص عليها في <مؤتمر سيدر 1>، ووقف التوظيف في القطاع العام (أقله لخمس سنوات)، والبدء في محاربة الفساد.

 

عجاقة وعدم الانهيار!

 

ــ وهل هناك من انهيار اقتصادي أو مالي أو نقدي كما يهول بعض المستثمرين؟

– الجواب بكل بساطة كلا، وذلك بحكم وجود عناصر قوة لا يُمكن تجاهلها، إلا أن جوابنا لا يعني أن الوضع سليم:

أولاً: الوضع الاقتصادي: فغياب الاستثمارات يُعتبر المسؤول الأول عن التردي الاقتصادي لأنه معروف أن ليس هناك من نمو اقتصادي من دون استثمارات، وما يلفت النظر أن استهلاك لبنان من البضائع الأجنبية ارتفع في حين أنه قل داخلياً، وهذا الأمر لا يُمكن أن يكون سببه إلا غياب الاستثمارات في الماكينة الاقتصادية اللبنانية، وبالطبع هناك إقفال للشركات والمؤسسات التي أصبحت كلفتها أعلى من مبيعاتها، إلا أن الأرقام المُتداول بها تبقى ردة فعل طبيعية على التراجع في استهلاك  البضائع اللبنانية.

إذاً، نستنتج مما سبق أن هناك مستوى مُعيناً لا يُمكن النزول تحته في عدد الشركات التي تُقفل نظراً إلى وجود الطلب الذي يُحافظ على مستوى من الإستهلاك الداخلي، وهذا الأمر يعني أنه لا يُمكن أن نشهد انهيارا في الماكينة الاقتصادية ولا حتى انكماشا في المدى المنظور، وجل ما في الأمر أننا سنشهد تآكلا في الماكينة الإنتاجية، والتي على الأمد الطويل ستدفع المُستهلك إلى تفضيل البضائع الأجنبية على البضائع المحلية، ومن هذا المُنطلق نرى أن هناك إلزامية لتحفيز الاستثمارات لعودة النمو الاقتصادي، خصوصاً أن لبنان بحاجة إلى إعادة تأهيل لكل ماكينته الإنتاجية مما يعني أن كل القطاعات قادرة على تحقيق عائدات على الاستثمارات أعلى من مستوى الفوائد التي تُقدمها المصارف التجارية، والأهم في الأمر أن غياب الفرص الاقتصادية يؤدي إلى خسائر كبيرة خصوصاً مع إعادة التموضع الجيو- اقتصادية لبعض الدول على الصعيد الإقليمي، مما سيحرم لبنان من العديد من الفرص وعلى رأسها المساهمة في إعادة إعمار سوريا.

وتابع عجاقة قائلا:

– ثانياً: الوضع المالي: على الرغم من الإفراط في الإنفاق الذي يُمثل النهج المُتبع في الدولة اللبنانية اليوم، نرى أن احتمال إفلاس الدولة اللبنانية مُستبعد، فالإنفاق العام في العام 2018 والذي من المتوقع أنه فاق الـ 18 مليار د.أ (27 ألف مليار ل.ل) زاد بشكل ملحوظ نتيجة عدم التزام السلطة التنفيذية بالأرقام المنصوص عليها في موازنة العام 2018 والتي تُشكل سقفاً للإنفاق المسموح القيام به، والجدير ذكره أن مستوى الخدمات العامة لم يتغير لكي يظن المواطن أن هذه الزيادة في الإنفاق ذهبت إلى الخدمات، وفي الواقع نعتقد أن التوظيف العشوائي في القطاع العام، قطاع الكهرباء، وخدمة الدين العام هي المسؤولة في الدرجة الأولى عن هذا الإنفاق، والأصعب في الأمر أن هذا الواقع قد يتردى أكثر في العام 2019 مع ارتفاع الإنفاق العام إذا لم تقم الحكومة بإجراءات مُعينة للجم هذه البنود.

وأضاف:

– من هنا نستنتج أن هناك زيادة في الطلب على الأموال من قبل الدولة في الأسواق ولدى المصارف، وهذه الزيادة تستطيع المصارف تأمينها من دون إشكالية، باستثناء أن الكلفة ستكون أعلى وبالتالي ستزيد من خدمة الدين العام التي ستفوق الـ 5,7 مليارات د.أ. نهاية الـ 2019.

واستطرد عجاقة:

– اما ثالثاً فهو الوضع النقدي: وهنا لم تستطع الحملات المُغرضة على الليرة اللبنانية التي تقودها جهات مشكوك في نواياها تجاه الكيان اللبناني أن تؤثر في سعر صرف الليرة، وعلى الرغم من نشر الذعر بين المواطنين نتيجة تصريحات غير مسؤولة، استمر الطلب على الليرة اللبنانية بمستويات مُرتفعة حدت من الحاجة لمصرف لبنان للتدخل في سوق القطع، ونلاحظ من خلال البيانات التاريخية لسعر صرف الليرة أن هذا السعر يتأثر بالتخبط السياسي القائم كما بأرقام المالية العامة السيئة، وهذان العاملان أصبحا تحت سيطرة حاكم مصرف لبنان الذي استطاع خلال العقدين الماضيين التمكن من التقنيات المالية التي تحمي الليرة اللبنانية والقطاع المصرفي، والجدير ذكره أن احتياط مصرف لبنان ما زال قادراً على الدفاع عن الليرة ضد أية مُضاربات من قبل اللاعبين الماليين مهما كان حجمهم السوقي، أضف إلى ذلك أن حاكم مصرف لبنان وبالثقة التي يتمتع بها في المجتمع الدولي، يملك بين يديه أحد أهم أسلحة الدفاع عن الليرة (نتحفظ عن ذكرها نظراً إلى أهمية عنصر المفاجئة) والتي تستطيع التصدي لأي حدث مهما كان نوعه.

ــ نفهم من حديثك ان لا انهيار اقتصادياً أو مالياً أو نقدياً؟

– مما تقدم نرى أن الانهيار هي كلمة لا تناسب الواقع اللبناني الحالي بل هي تُعبّر عن تقييم سلبي للاعبين الاقتصاديين وحاجتهم لوجود حكومة تقوم بمهامها، خصوصاً لجهة تخفيض الإنفاق العام وتحفيز النمو الاقتصادي، ذلك أنه وكما سبق الذكر، فإن التأخر بهذه الإجراءات سيرفع من كلفة الدين العام إلى مستويات ملحوظة ستدفع من دون شك الحكومة المقبلة إلى فرض ضرائب على المواطنين بشكل كبير، وهذا الأمر أكيد اذ أن الحكومات تتمول من الضرائب أو الاستدانة.