19 December,2018

التجارة غير المشروعة والخسائر التي تلحقها باقتصاديات العالم!  

بقلم طوني بشارة

taawfi2

يثير مصطلح التجارة غير المشروعة التباسات عديدة، وذلك نظراً لشموليته من جهة، ومن جهة ثانية لعدم الاتفاق على تعريف محدد يمكن تطبيقه على جميع البلدان التي تتفاوت قوانينها، بين عقوبات غليظة إلى عقوبات مخففة وأحياناً عدم اعتبار التجارة غير المشروعة جريمة يحاسب عليها القانون. وقد ألحقت التجارة غير المشروعة خسائر كبيرة في اقتصادات العالم وتضاعفت الآثار الاجتماعية والصحية والنفسية والبيئية الخطيرة التي تركتها، وتشمل قائمة المواد التي يتم الاتجار غير المشروع بها طائفة واسعة من الحقول، بدءاً من النفط وصولاً إلى التهرّب من الضرائب، وما بينهما، فهناك الاتجار بالمخدرات والمؤثرات العقلية والتبغ ومنتجاته والأدوية والآثار والممتلكات الثقافية والأسلحة والذخائر والصيد غير المشروع والمنتجات الزراعية وتهريب المهاجرين واللاجئين والبضائع المزيفة والأحجار الكريمة والأخشاب والأسماك والفنون والسيارات والإرهاب والدين والملكية الفكرية والنفايات وغسل الأموال وتمويل الإرهاب إلى شبكات الدعارة والتجارة بالنساء والأطفال.

وعلى الرغم من أن اتفاقيات دولية عديدة حاولت وضع التجارة غير المشروعة في إطار قانوني، كما هي <اتفاقية بالميرو> لعام 2000 «اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة»، إلاّ أن هذا الميدان لا يزال زئبقياً بمعنى تفلّته من الضوابط، وهو ما تثبته الإحصائيات الجنائية وتؤكده الوقائع.

ويبدو جلياً إن العالم العربي وفي مقدمته لبنان من أكثر دول العالم معاناة وأضراراً من آثار التجارة غير المشروعة، وقد بلغت خسارته للفترة بين عام 2003 وحتى عام 2012 نحو 739 مليار دولار أمريكي، وإن ما بين 8 بالمئة إلى 15 بالمئة من الدخل القومي يندرج في إطار التجارة غير المشروعة.

ارقام وتقارير مخيفة أدت الى طرح تساؤلات عديدة حول التجارة غير المشروعة مما دفعنا الى نقل رأي كل من وزير المال علي حسن خليل ونائب رئيس جمعية الصناعيين جورج نصراوي ورئيس غرفة التجارة والصناعة في الشمال توفيق دبوسي.

 

خليل والاثر السلبي للتجارة غير المشروعة!

بداية مع الوزير علي حسن خليل الذي أوضح بأن موضوع التجارة غير المشروعة، موضوع فائق الأهمية والأثر على حياة الناس، المنتج منهم والمستهلك والعامل ورب العمل وصولا إلى التأثير على كل حياة الدولة، وهناك حاجة ماسة لتنقية الاقتصاد اللبناني من هذا النشاط المؤذي حتى نحميه بأنفسنا حيث قال:

– لقد ألحقت التجارة غير المشروعة خسائر كبيرة باقتصاديات العالم وتركت آثارا إجتماعية وصحية ونفسية وبيئية خطرة، إذ انها تطال مع الوقت قطاعات لم تكن تطالها في السابق، وان خطورة تلك التجارة ترتفع مع مرور الوقت وكذلك تتوسع قدرة التجار على ولوج السوق غير المشروعة.

وتابع خليل قائلاً:

– ليس من الغريب ولكنه مؤلم أن يطال التزوير والمتاجرة بالمزور قطاع الصحة فيصبح الدواء الحامل آمال الناس بالشفاء قاتلا للآمال وللناس معا، فإلى أين ستصل البشرية في ما لو سادت هذه التجارة وخرجت عن قدرتنا على الضبط؟

وأردف خليل قائلاً:

– هذه القنوات التجارية غير المشروعة أصبحت مجالا نشطا مضطردا لعصابات الإجرام المنظم للاتجار بالمخدرات والمؤثرات العقلية والأعضاء البشرية والممتلكات البشرية الثقافية التي تتضمن كل موروث الانسانية من العلوم وأساليب العيش ومحددات الهوية وأصول الناس والمجتمعات. ولم يقف هذا النشاط عند هذا الحد، فقد طال أيضا الأسلحة والذخائر وسيكون كارثيا في ما إذا تمكن رواده من تناقل أسلحة الدمار الشامل أو الأسلحة الفتاكة على نطاق واسع. كذلك طال النشاط غير الشرعي الحيوانات ومنها ما بات مهددا بالإنقراض، وكذلك غسيل الأمول وتمويل الإرهاب وشبكات الدعارة والمتاجرة بأملاك الناس والهجرة غير الشرعية، حتى وصل الأمر إلى الاتجار بالبشر كما كان يحصل في العصور الغابرة التي يخجل الإنسان اليوم بممارساتها المخزية في هذا الإطار.

وأكد خليل قائلاً:

– ان التهديد الذي تشكله التجارة غير المشروعة اتسع حتى بات يطال مئات الملايين من البشر اليوم، وهو نشاط قاتل بكل ما للكلمة من معنى نظرا إلى أنه يطال الصحة والسلاح وجودة المنتجات الغذائية، لافتا الى أن خطر هذه التجارة على حياة الناس يفوق خطر معظم الحروب إذا اعتمد معيار المعرضين لهذا الخطر، مشيراً إلى أن التجارة غير المشروعة تطال كذلك فرص الناس في العمل فتزيد من منسوب البطالة وتودي بضمانات العاملين فيها الذين لا يملكون المطالبة بحقوقهم من رب عمل غير شرعي بل ينشط إجراميا ويورط معه كل شركائه في الإنتاج، مشددا على أن التجارة غير المشروعة تشكل بكل واقعية نشاطا تخريبيا وتؤدي إلى تراجع العائدات الضريبية للدولة وبالتالي إلى إيذاء ماليتها والتأثير سلبا على مردود التقديمات الاجتماعية المعتمدة منها، ولا يشكل الربح الفردي من خلال تلك التجارة إلا انعكاسا للطمع.

mr-georges-2-finوأوضح خليل بأن الاقتصاد الشرعي هو الوحيد الذي يحمي كل أطراف العملية الاقتصادية، من صاحب العمل إلى العامل، ومن المنتج إلى الموزع إلى المستهلك النهائي.

وعن الحلول شدد خليل على أهمية مواكبة التطور في مكافحة التجارة غير الشرعية بتطوير جهود المكافحة لها على كل المستويات، إن على المستوى الإلكتروني من خلال اعتماد <الداتا الإلكترونية> وصولا إلى الدمج الكامل للمعلوماتية الجمركية التي توليها وزارة المال أهمية قصوى واستثنائية من خلال سلسلة تدابير لضبط عملية التهريب، أو من خلال اتفاقات التعاون مع الخارج لتعزيز الضوابط المعتمدة دوليا كما وتعزيز التعاون الجمركي والأمني، وصولا إلى مشاركة المواطنين أنفسهم في دعم هذه الجهود من خلال عدم التعامل بالمواد المهربة بل رفضها والتبليغ عنها وعن الناشطين فيها.

ونوه خليل بأن تأثير التهريب والتجارة غير المشروعة والتهرب الضريبي والفساد هو أحد أبرز التحديات التي تواجه الاقتصاد اللبناني وإعادة الانتظام إلى المالية العامة من خلال سد الفجوة القائمة في الإيرادات الضريبية والذي لا يحصل إلا بضبط حقيقي ومسؤول وبآليات متطورة لكل أشكال التهريب والتهرب الضريبي.

وأضاف قائلاً:

– نحن في واقع مالي مأزوم ويفترض بنا على مستوى الدولـة إعــــادة النظــــر بكل الواقــــع على المستوى التشريعي والتنفيذي، كما يفترض رسم الآليات الضرورية لضبط التجــــارة غـــير المشروعـــــة والتهـــــريب والفســــاد الإداري والمالي بكـــل أوجهـــه وعلــى كل مستوياته، وذلك لكي يستقيم وضع اقتصادنا وماليتنا ولنعيد الثقة إلى الدولة ومؤسساتها.

دبوسي ومشاكل القطاع الصناعي!

اما رئيس غرفة التجارة والصناعة في الشمال توفيق دبوسي فشدد قائلاً:

– لا شك ومن الناحية الواقعية ان المنتجات الزراعية والصناعية اللبنانية لم تسلم من المنافسة غير المشروعة التي تتعرض لها بسبب إغراق السوق الاستهلاكية بسلع أجنبية وعمليات التهريب وهي من الطرق الملتوية التي باتت معروفة من الجميع، وأن أبرز المشاكل التي تواجه قطاع الصناعة في المرحلة الراهنة، وبحسب الاحصاءات والتقديرات الصادرة عن جمعية الصناعيين اللبنانيين، تتمثل في إغراق السوق بسلع وبضائع أجنبية، وقد تراجعت الصادرات من 4.4 بليون دولار عام 2013 إلى دون 3 بلايين عام 2016، في حين تبلغ قيمة الواردات نحو 19 بليوناً، ما يعني عجزاً تجارياً بنحو 16 بليون دولار، إلى جانب توقف التصدير البرّي عبر سوريا بسبب الحرب وارتفاع كلفة الشحن جواً وبحراً.

وتابع دبوسي قائلاً:

– كما تؤكد جمعية الصناعيين اللبنانيين أن الأولوية يجب أن تكون لمكافحة عمليات الإغراق والمنافسة غير المشروعة والتهريب، ونحن نؤيد مقاربة الجمعية بأن لا نحمّل النازحين السوريين مسؤولية تراجع القطاع، ولكن يجب أن نشير إلى تأسيس عدد كبير من المؤسسات والمصانع السورية من دون الحصول على التراخيص المطلوبة ومن دون الالتزام بالنسب المنصوص عليها من العمال اللبنانيين، ما فاقم نسبة البطالة البالغة 25 بالمئة ونحو 34 بالمئة بين فئة الشباب، وتسبب بخسائر كبيرة للصناعة الوطنية، وأن الإجراءات التي تم اتخاذها محدودة جداً وغير كافية، ولما كنا معنيين بالحفاظ على الاقتصاد الوطني وحمايته وتأمين مستلزمات دعم المزارعين وتعزيز تمسكهم بأرضهم وبالأخص منهم مزارعو البطاطا، وكذلك تأمين انسياب الصادرات اللبنانية إلى الأسواق الخارجية التي تشكل دعامة أساسية لبنية الاقتصاد وتلعب دوراً حيوياً واستثمارياً باتجاه تغذية المالية العامة، وإعطاء قوة دفع للعجلة الاقتصادية بكل مكوناتها، ولما كان بعض التجار المستوردين قد أقدموا على إستيراد حوالى 50.000 طن من البطاطا المصرية خلال موسم قطاف البطاطا اللبنانية في سهل عكار الذي ينتج حوالى مئة ألف طن من البطاطا، فإن ذلك تسبب في انخفاض سعر البطاطا المحلية بسبب إغراق الأسواق  بالمنتجات المستوردة.

واستطرد دبوسي حديثه قائلاً:

– ولما كان المرسوم رقم 2156 تاريخ 10 أب/ أغسطس 2015 وتمديداته بتاريخ 31/3/2017 والمتعلق بدعم الصادرات اللبنانية التي تتوسل طرق النقل البحرية للشاحنات المبردة، لذلك فقد قمنا من خلال مسؤولياتنا تجاه القطاع الزراعي، لاسيما تجاه جمعيات وتعاونيات مزراعي البطاطا بشكل خاص في محافظة عكار، برفع كتب خطية الى دولة الرئيس سعد الحريري والى المؤسسة العامة لتشجيع الاستثمارات في لبنان (ايدال) تتضمن دعم <الحاويات> التي تنقل المنتجات الزراعية (البطاطا) بمبلغ لا يقل عن ألف دولار أميركي عن كل <حاوية> بواسطة برنامج دعم الصادرات بواسطة العبارات البحرية، إضافة إلى دعـــــم الشاحنــــات المــــبردة ورفع قيمة دعم الصادرات من البطاطا إلى الخليج عبر برنامج <اكسبورت بلاس> لتصبح مئــــــة دولار أمــــيركي عـــن كــــل طــــن، على  أن يبدأ تطبيق هذا البرنامــــج مــن اول نيســــان/ ابريــــــل 2018 بــــدلاً من الأول من أيار/ مايو 2018 بسبب تقدم المواسم نتيجة العوامــــل المناخيـــــة، وهــــذا الواقـــــع لم يعـــــد يتحمـــل مزيداً من التأخير.

 

نصراوي والضرائب السياسية!

22-03-18-22-03-18-13-03-18-09-03-18-8765432419876

بدوره عميد الصناعة الغذائية ونائب رئيس جمعية الصناعيين جورج نصراوي أوضح انه وفي ظل الوضع الاقتصادي في البلاد وخصوصا بعد زيادة الضرائب عشوائيا من دون اي دراسة لجدواها الاقتصادية على المدى الطويل، هناك اقتناع عند الصناعيين بان الضرائب التي فرضت هي ضرائب سياسية وليست اقتصادية، وستسمح بتشجيع الاقتصاد غير الشرعي على حساب الاقتصاد الشرعي، لأن مجرد فرض ضرائب على الصناعيين الشرعيين وعدم مكافحة الاقتصاد غير الشرعي، يرفع من كلفة الانتاج ويزيد الفارق بين الاقتصادين لمصلحة الاقتصاد غير الشرعي.

ثم تطرق نصراوي الى المعوقات التي يعانيها القطاع الصناعي ومنها التصدير الى سوريا بحيث تبين ان سوريا لا تلتزم منذ فترة الاتفاقات الثنائية الموقعة بين البلدان العربية والمعروفة باتفاق <كافتا>، اذ انها تفرض رخصة استيراد مسبقة على كل البضائع المنوي ادخالها الى سوريا.

 واسف نصراوي مؤكدا أنه رغم سعي الصناعيين الى الاستحصال على رخصة استيراد مسبقة، فإن القسم الاكبر من هذه الطلبات يبقى من دون اجابة، لذا تقرر معاودة التواصل مع وزير الصناعة حسين الحاج حسن لمعالجة هذه الازمة، وخصوصا بعدما تم تعيين سفير للبنان في سوريا، وقد جددت اللجان المطالبة بالمعاملة بالمثل وبأن تكون الاسواق مفتوحة بين البلدين تطبيقا لما ورد في الاتفاق حرفيا.

اما في ما خص الصادرات الى مصر، فلفت نصراوي الى ان الحكومة المصرية تلزم كل من يريد ان يستورد ويدخل البضائع الى مصر تسجيل مصنعه في مصر بهدف توفير الحماية للقطاع الصناعي المحلي، واكد نصراوي بأن هذه المشكلة تحسنت بعد الزيارة التي قام بها الرئيس سعد الحريري لمصر لكن بعض المعوقات لا تزال تشوبها، لذا طالبنا الدولة اللبنانية بفرض المعاملة بالمثل على كل دولة تفرض شروطا او عوائق للتصدير اليها.

وتابع نصراوي قائلاً:

– ونحن كلجان نجدد مطلبنا برفع الرسوم الجمركية على البضائع المستوردة من الخارج والتي يصنّع لبنان منها، ولاسيما تلك المستوردة من كل من تركيا والصين لان ليس هناك اي اتفاق دولي موقع معهما بعد، في حين أنهما يصدران الى لبنان بضائع بكميات اغراقية تنافس الانتاج المحلي بأسعارها الزهيدة.

وختم نصراوي حديثه قائلاً:

– نأسف ايضا لأن لبنان بقي الخاسر الوحيد من كل الاتفاقات الدولية الموقعة، اذ تبين اننا البلد الوحيد الذي تتراجع صادراته الى بقية البلدان في حين ان الواردات من هذه الدول الى ارتفاع.